باسم خندقجي... الرواية الفلسطينية حرّة
حوّل باسم خندقجي 21 عاماً من السجن إلى مسيرة نضال أدبي وثقافي. كتب رواياته من خلف القضبان، أبرزها «قناع بلون السماء» التي نالت «بوكر» العربية عام 2024


حوّل باسم خندقجي 21 عاماً من السجن إلى مسيرة نضال أدبي وثقافي. كتب رواياته من خلف القضبان، أبرزها «قناع بلون السماء» التي نالت «بوكر» العربية عام 2024، وجعل من الكتابة فعلاً للتحرر والمقاومة. خرج أخيراً في صفقة تبادل الأسرى بعد «طوفان الأقصى»، ليجسّد انتصار الرواية الفلسطينية
«أنت لا تعرف معنى السجن الأصغر يا نور... السجن أفظع واقعة في الحياة... غربة حديديَّة صدئة... وأمَّا السجن الأكبر فأنت من تحبس نفسك به».
في هذا الاقتباس من روايته «قناع بلون السماء» (دار الآداب ـ 2023)، يغوص الروائي الفلسطيني والأسير المحرّر أخيراً باسم خندقجي في أعماق القيود النفسية والتاريخية التي تتركها الرهانات النفسية والداخلية للإنسان في نفسه بشكل أكثر عمقاً وإيلاماً من تلك التي يتركها السجن الحقيقي. لكن خندقجي تمكّن من التحرر من حبسَيه النفسي والواقعي، وحوّل 21 سنة من السجن وحجز الحريات، إلى جزء من رحلته الأدبية والنضالية ليكتب عن الحرية لا بوصفها خلاصاً فردياً، بل كفعل مقاومة ثقافية.
الحكاية بدأت من الكرمل
لم يكن الشاب المولود في نابلس عام 1983 يعلم أنّ طريقه نحو التخرج الجامعي سينتهي باعتقال طويل. ولن يخرج إلا بعد مرور 21 عاماً في «عملية تبادل للأسرى» التي تحققت بفضل «طوفان الأقصى». في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، ألقت قوات الاحتلال القبض عليه بتهمة المشاركة في عملية «سوق الكرمل»، ليخوض بعدها متاهة المحاكمات الصورية، ويحكم عليه بثلاثة مؤبدات، كأن مؤبداً واحداً لا يكفي، مع مطالبة إسرائيلية بتعويضات مالية لعائلات القتلى.
وطلع باسم إلى الضو مع مئات الأسرى، في إطار اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى الذي توصلت إليه «حركة المقاومة الإسلامية» في فلسطين (حماس).
قبضت قوات الاحتلال عليه بتهمة المشاركة في عملية «سوق الكرمل»
إلا أن العدو وضع عليهم شرط الترحيل إلى مصر، حيث استقبلوا هناك استقبال الأبطال. كانت شقيقته في انتظاره، فيما احتفل باقي أفراد العائلة بحريته عبر شاشات الهاتف بعد منعهم من الخروج من الضفة حال الكثير من الفلسطينين هناك الذين يعانون تضييقاً خانقاً في سجن كبير. وربما لذلك كانت أولى الكلمات التي أطلقها باسم بعد الحرية هي تحية إلى غزة «السلام على غزة يوم تقاتل ويوم تصمد ويوم تقاوم هذا الاستعمار. السلام على غزة يوم تبعثنا أحياء من داخل سجون الاستعمار».
من سجن «هيدرايم» إلى «بوكر»
لم تكن «قناع بلون السماء» الرواية الأولى لباسم الذي كتب في المقالة والرواية والشعر من داخل زنزانته التي حولها إلى ورشة عمل للكتابة، وأسّس فيها صندوقاً لدعم إبداعات الأسرى. بدأ رحلته الإبداعية بسلسلة مقالات كانت تسجّل يوميات المعتقل الفلسطيني حملت عنوان «مسوّدات عاشق وطن».
وسرعان ما تحولت المسوّدات إلى مجموعتين شعريتين («طقوس المرّة الأولى» في عام 2009 و«أنفاس قصيدة ليلية» في عام 2013) قبل أن ينتقل إلى عالم الرواية مع «مسك الكفاية... سيرة سيدة الظلال الأولى». أنتج بعدها «نرجس العزلة» و«خسوف بدر الدين» ثم «أنفاس امرأة مخذولة» قبل أن يصدر عن «دار الآداب» في بيروت «قناع بلون السماء» التي حصلت على «بوكر» العربية عام 2024.
ربما من الجيد إعادة قراءة سيرة باسم بوصفها سيرة تحرر جسدية وأدبية، فالشاب الفلسطيني الذي تغلّب على الحجز المكاني لجسده، فطال كل الأماكن بمتابعة دراسته وتقديمه أعمالاً أدبية، تمكّن أيضاً من كسر قيود الجوائز المحكومة بسياسات التطبيع وتحقيق شروط السوق، فحصل على «بوكر» عن روايته «قناع بلون السماء» التي تتناول حكاية عالم الآثار الفلسطيني نور مهدي الشهدي الذي يعثر مصادفةً على هوية إسرائيلية في معطف مستعمل. هكذا، يتقمّص شخصية صاحبها «أور شابيرا» ليخترق بعثة تنقيب إسرائيلية، باحثاً تحت قناع المحتل عن تاريخ فلسطين المطمور وهويتها المسلوبة، في سردٍ يمزج بين الخيال والتاريخ والذاكرة والأسطورة.
في انتظار «التوقيع»
لم يعلم باسم بفوزه بجائزة «بوكر للرواية العربية» حينها مباشرة بسبب وجوده في العزل الانفرادي منذ انطلاق «طوفان الأقصى»، وتسلمت عنه الجائزة آنذاك ناشرة «الآداب» رنا إدريس. لا ندري بعد كيف علم باسم بفوزه بالجائزة، كما لا نعلم كيف عرف بعملية التبادل ووجود اسمه ضمن قوائم الأسرى المحررين. وربما سنرى باسم قريباً يوقع أعماله للمرة الأولى باسمه ويحتفل بما حققه، فالطوفان حرّر الرواية الفلسطينية، وبعد الآن «لا فناء لثائر».
