شوقي أبي شقرا: الراعي الصالح
«حمّصي البنّ/ اقطفي الزيزفون وقمر الدين/ فكّي الغابة أساور أساور/ رشّي السكّر والبابونج/ على مريولك/ على الأرض/ على صينية الذهب/ فيشرق سنجاب/ يهرول يهرول يهرول رافعاً بنطلونه/ وتقع من السماء مسبحة».


«حمّصي البنّ/ اقطفي الزيزفون وقمر الدين/ فكّي الغابة أساور أساور/ رشّي السكّر والبابونج/ على مريولك/ على الأرض/ على صينية الذهب/ فيشرق سنجاب/ يهرول يهرول يهرول رافعاً بنطلونه/ وتقع من السماء مسبحة».
يحضر الشاعر الراحل شوقي أبي شقرا (1935 ــ 2024*) بعد عام من غيابه في تكريم مميز من قبل «مؤسسة أنور سلمان الثقافية» التي منحت صاحب «سنجاب يقع من البرج» جائزة تكريم الرواد الإبداعية.
وكانت ظروف الحرب الإسرائيلية الهمجية على لبنان العام الماضي أخّرت إعلان القرار، ثم فاجأت المنيّة الشاعر على إثر مضاعفات جلطة حادة في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) 2024.
في الإعلان عن الجائزة، كتبت المؤسسة على موقعها الإلكتروني «وإننا إذ نعلن اليوم منح الجائزة لروح الشاعر فلتأكيد أمر مستحق، وتقديراً لدوره في حركة الشعر العربي الحديث ولريادته في قصيدة النثر ولتاريخه الجليل في مواكبة حركات التجدد وتأسيسه للصفحات الثقافية في الصحافة اللبنانية. إنّ الموت لا يقف بين الإنسان والفن والإبداع والتاريخ بل ينهزم. لكل ذلك، تمنح المؤسسة جائزتها الأولى في تكريم الرواد والرائدات للشاعر شوقي أبي شقرا الذي رحل، ولكن روحه بقيت بيننا سارية، إذ لا يزال يحيا كل يوم في القصيدة العربية الحديثة».
إنه تكريم مستحق لشعرية شوقي أبي شقرا وترسيخ لطريقته التي سحرنا بها في كتابة الشعر في دواوينه كلها، من «أكياس الفقراء» و«ماء إلى حصان العائلة» و«لا تأخذ فتى الهيكل» و«حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة» و«يتبع الساحرة ويكسر السنابل راكضاً»، إلى غيرها من العناوين التي تحيلنا إلى ما يشبه الصور المتحركة الشعرية، وتمثل انعطافاته بعد كتابته قصائد موزونة في بداياته على غرار رفاقه في مجلة «شعر» أمثال يوسف الخال وعصام محفوظ وأدونيس.
لكنه سرعان ما أشاح بوجهه عن الوزن والبلاغة الحديثة والمعاني المألوفة في مدوّنة الشعر العربي القديم والحديث، ليشيد لنفسه مختبراً شعرياً خاصّاً أو غرفة سوداء في غاية الأصالة كما تقول مارغريت دوراس، يستلّ فيها مواده الأولية ـــ أي مفرداته ـــ من الريف اللبناني والقاموس الكنسي الشعبي، ويضيف إليها توابل شعرية ومنكهات من اللغة الفصحى. عبرها، خلق طفولةً مؤكدة متحررة من المعاني المألوفة، ومارقة على رقابة الأهل والشعر نفسه، وشغباً ينحو لتركيب الكلمات والأشياء بما يشبه ما يدور في عقل الطفل أمام أدواته، حين لا نفهم مقاصد اللعبة في منطقها وإنما في آثارها.
مختبر شوقي أبي شقرا الداخلي، كيمياؤه لا تخضع لعقل اللغة وعلم المعاني، بل لأمر ما يستبطنه الشاعر في داخله بين اللعب الطفولي والسحر السوريالي الريفي والفانتازيا الرعوية. وهو ما يجعل هذا الشعر طازجاً وغضّاً حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على كتابته، ولو زادت شحنته الغرائبية في أعماله الأخيرة كما في «عندنا الآهة والأغنية وجارنا المطرب الصدى» (دار نلسن ـــ 2021): «إذا جاءنا الموت بياقته والهندام الكاكي/ وخطف المخدة عليها والدي/ ودمعات بارودته سارقاً النزول/ على السجادة وهواجس الخيطان/ وخمس رصاصات هنّ أرامل/ ولا إقامة في بيت الغلاف/ ولا طلقة ستذهب وتهذّب اللص/ وتسقيه لحن الوروار».
تستحضر «مؤسسة أنور سلمان» روح الشاعر في الاحتفال بتوزيع الجائزة في قاعة «وست هول» في الجامعة الأميركية في بيروت في العشرين من الشهر الجاري، كما سيُعلن خلال الاحتفال عن إصدار كتاب غير منشور للشاعر الراحل شوقي أبي شقرا. وفي مناسبة منفصلة، تطلق «دار النهار» (بيروت) كتاباً تذكاريّاً بعنوان: «شوقي أبي شقرا: مئة شهادة وشهادة في ذكرى الغياب الأولى». وقد ضمّنت غلافه جملة لأبي شقرا تختصر على القارئ الكثير لفهم رؤيته الشعرية: «أنا الراعي الصالح/ وقطيعي الضمّة والفتحة والكسرة».
