ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

حسون الغريب... رواية حقائق الحياة الصغيرة

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

 «حتى أبعد الحكايات تحتوي على جرذ في مكان ما» (لؤي حمزة عباس) تعرفت في بداية وصولي إلى مجريط إلى واحد من أكثر التجار العراقيين كرماً.

عبد الهادي سعدون
عبد الهادي سعدون
السبت 18 تشرين اول 2025
رسمة للقصاص نفسِه ـــ من دون عنوان (ألوان مائية على ورق)
رسمة للقصاص نفسِه ـــ من دون عنوان (ألوان مائية على ورق)
الخط

«حتى أبعد الحكايات تحتوي على جرذ في مكان ما» (لؤي حمزة عباس)
تعرفت في بداية وصولي إلى مجريط إلى واحد من أكثر التجار العراقيين كرماً. ما إن يراني أعبر من أمام مخزنِه في وسط شارع Mesón de Paredes حتى يقبض عليّ من يدي بقوة ويمضي بي إلى أقرب كافتريا ليدعوني إلى قهوة أو شاي أو كأس نبيذ، وكان يزيد من كرمه، عندما يحتاج إلى وقت أطول للحديث معي، بدعوتي على غداء دسم في المطعم المغربي القريب من المنطقة. لم أره طوال سنين عدة إلا وهو وسط دكانته التي باع فيها على مدى عقدين كاملين آلاف الشراشف الصينية والإيشاربات والمناديل الملونة برسوم أشهر الفنانين العالميين.

كنت في سني شبابي من أكثر الآذان سمعاً واهتماماً بكل من يرغب في بث شجونه وهمومه ومصائبه وحكاياته. وصاحبنا التاجر العراقي، لم يكن سوى واحد من هؤلاء، رغم أنه لم يكن يعترف بذلك إطلاقاً. لم أعرف من حياته سوى نتف كان يرويها لي عن هروبه بعد وصول البعثيين ودخوله المغرب لأشهر لينتقل منه إلى إسبانيا. بل حتى اسمه ولقبه «حسون الغريب»‏ الذي عرفه الجميع به، أتصور أنه من ابتكاره أو لقبه البديل.

كان يقدم نفسه لأصحابي الآخرين كتاجر اضطراراً، لكنه حقيقة روائي ومفكر عراقي منفي. لكن لا تتعبوا أنفسكم بالبحث في الإنترنت أو أي موسوعة معلومات أخرى أو أنسكلوبديا الرواية العراقية لمؤلفها حسين السكاف أو أي دراسة أخرى عن الرواية العراقية المغتربة، لأنكم لن تجدوا اسمه بينها ولن تعثروا على أي نص أو إشارة تدل عليه، لأني ببساطة لم أر أي كتاب له في حياته الطويلة في العاصمة الإسبانية التي وصلها ليلة موت فرانكو وغادرها إلى مقبرة العرب ليلة القبض على صدام حسين، وكأنه بهذين التاريخين اللذين لا ناقة ولا جمل له في اختيارهما، يضيفهما إلى أوراق حياته الخاوية، ما يزيدها دهشة وأهمية.

مع ذلك، لم أتعرف في حياتي المجريطية إلى خيال واسع وخطط كتب متخيلة كما كان عليه مشروع حسون الغريب. في كل جلسة، كان يحدثني ويناقشني بالتفصيل عن عمل روائي جديد يضاف إلى أعماله الأخرى أو كتاب فكري آخر جاهز لانتشال العالم من قنوطه ويأسه المزمن.

لم يكن يتوقف إطلاقاً عن طرح الأفكار والحديث عن كتبه وكأنها كتبت أصلاً وصدرت فعلاً. عندما أخبرته عن دهشتي من غزارة أفكاره ونشاطه الكبير، قال لي:

— أنت فقط أستطيع أن أخبرك بالسر. الحقيقة أنني لم أتوقف ولا ليوم واحد عن جلد عميرة، أم الخمسة، مانويلا كما يقول الإسبان، العادة السرية أو سمها ما تشاء... لا، لا تبدي الاستغراب، ولا تقل لي ما علاقة هذا بذاك، لأكن صريحاً أكثر، فأنا أسير على خطى أساتذتي الكبار الذين تعلمت منهم الكثير عن تخليص الجسد من رغباته الآنية، ما سيتيح لك الانشغال بالكتابة الحقيقية والأفكار المنيرة بشكل أكثر تركيزاً.

ألم ترَ كيف أن أستاذي دوستويفسكي مثلاً قد ترك لنا أطناناً من الكتب، أو فوكنر أو نجيب محفوظ حتى آخرهم الكبير ماركيز... كلهم كانوا على سُنة جلد عميرة، وأنا على خطاهم، أفرغ جسدي من تهويماته وأنتج الكثير، لهذا تراني غزير الإنتاج، ولن أحيد عنها حتى آخر يوم في حياتي.

على مدى سنين منذ تعرفي به للمرة الأولى عام 1995 وحتى آخر لقاء لنا، أشهراً قبل رحيله عن دنيانا، لم يتركني من دون أن يضيف عنواناً جديداً إلى قائمة مؤلفاته الطويلة، يزيد من كرمه في كل مرة وهو يسرد عليّ أحد مشاريعه الروائية الأخيرة.

ولأنني كنت سِمِّيعاً ممتازاً، كنت أحتمل حكاياته التي لا نهاية لها، بل كنت أستمتع بها حقاً، وفي ساعات النقاش الطويلة، كنت أحلّق معه في شخوصه وعوالمه ومدنه، أحوك على منوالها وأحثه على المزيد منها، ما كان يفرحه ويدخله في نشوة مَنْ عثر على سر عشبة الخلود التي أضاعها جده كلكامش. المرة الأخيرة التي التقيت فيها بحسون الغريب، بعد أشهر اختفاء طويلة، كان في منتدى مدريد الثقافي. لم أتشجع على المضي إليه، لولا إلحاح صديقة شاعرة كانت ترغب في لقائي وإهدائي كتابها الشعري الأخير، وأضافت:

— هناك ندوة عن الحب العذري في الأدبين العربي والإسباني، نحضرها ثم نجلس في المقهى ونتحدث.
لم أكن بحال الاستماع لمحاضرة عن الحب بينما كنت أتابع وقائع دخول الأميركان للعراق، ولم أكن أعلم أي شيء عن ناسي وأهلي هناك. لكنني وافقت أخيراً لإلحاح الشاعرة ومضيت إلى هناك وقد وصلت قاعة الندوة متأخراً بنصف ساعة.

جلست في آخر صف، وعلى ما يبدو أن الكاتب الذي لا أتذكر اسمه، قد أنهى حديثه وفتح المجال للأسئلة والحوار. هناك لمحت حسون الغريب وسمعت بحة صوته الجهوري وهو يطلب الإذن بالحديث. ناقش ما قاله المؤلف عن الحب العذري وصحّح للمؤلف، كعادته، الكثير من أفكاره الخاطئة حسب رأيه، والتي عليه مراجعتها وتصويبها وتقديمها لينهي مداخلته قائلاً:

— لو أردت معرفة المزيد مما ذكرته بشكل مختصر، فما عليك سوى قراءة كتابي الذي أصدرته باللغة الإسبانية عن الحب المستحيل.
بعدما انفض الجمع، اقتربت وسلمت على صاحبتي الشاعرة، لكن ما إن تبادلنا بضع كلمات حتى رأيتني وجهاً لوجه مع صاحبي حسون الغريب الذي احتضنني بقوة وتأثر:

— لم أعرف أنك هنا!
فما كان منه إلا أن قبض على ذراعي كعادته وقادني خارج الصالة من دون أن يهتم باستغراب واعتراض صاحبتي الشاعرة. رأيته يعرج ويمشي بصعوبة متكئاً على عكاز. كان من الصعب استيعاب المشهد. حسون الرجل الضخم العملاق، لم يبقَ منه سوى جسد نحيف ووجه متعب. مع ذلك لم يتوقف عن الحديث بصدد الأشهر الطويلة التي لم نلتق فيها، ولم يجبني إطلاقاً عن حالته الصحية وكأن الأمر لا يعنيه أو كأن العرج والإنهاك الَّلذَيْنِ سألته عنهما كانا بشخص آخر، لا به. على أي حال لم يتوقف عن الحديث بصدد كتبه الأخيرة التي لم تصلني أخبارها بعد.
مع ذلك شعرت به يتحدث بنبرة حزينة. سألته مباشرة:

— ما هذا الحزن والألم؟ لم أرك بحالة كهذه إطلاقاً.
نظر إليّ بتركيز، لأجده يبكي بحرارة. بكاء رجل عجوز غلبه الزمن. انتحب لفترة ومسح عينيه بالمنديل. كنا لوحدنا في كافتريا المنتدى قبل وصول الآخرين، في زاوية بعيدة عن لغط الزبائن الآخرين. أحسسته ببكائه صادقاً هذه المرة، رغم مبالغته في ما سيخبرني به، قال لي إنّه حزين وكئيب ولا يجد لذة بأي شيء. كان قد ترك صناديق حاجياته في بيت صاحبته الإسبانية الأخيرة قبل أن يفترقا:

— تصور صندوق رواياتي وقصصي والسيناريوهات والمذكرات الشخصية ومسودات الكتب الفكرية التي تركتها بعهدتها، لم يبق منها شيء. استلمتها أوراقاً متناثرة مقروضة ومنقعة ببراز الفئران. لقد أكلت الفئران اللعينة ودمرت كل كتبي إذ لم تسلم منها ولا ورقة واحدة، وأنت تعرف أنني أكتب باليد ولا أستخدم الكمبيوتر، وجل نتاجي الروائي والفكري دونته على الورق... تصور هذه الفئران التي أرسلها ربك لي من دون البشر الآخرين، لتترك كل إرث العالم وتقضي بظرف ساعات على ما أنجزته من عصارة أفكاري لأكثر من خمسين سنة... أي مصيبة أكبر من هذه؟

آخر ما كتبت رواية عن عراق اليوم، رواية ضخمة في أكثر من 700 صفحة، رواية ملحمية تتناول قرناً كاملاً من حياة عائلة عراقية، كان سيكون كتابي الـ100... لقد أنجزت قبله 99 كتاباً كما تعرف (أضاف وكأنني قد عشت فورته الأدبية واطّلعت عليها فعلاً)، ورغبت أن أتمها قبل أن أرحل عن العالم بالكتاب المئة.
لم أقل أي كلمة، كنت منشدّاً لكلماته، أحسست بحزنه فعلاً، وللمرة الأولى أميل لتصديقه حتى لو أنني أعرف به وبماضي كتبه المتخيلة. تنهد تنهيدة طويلة وقال:

— الله كريم، حتى لو دمرتها وتبرزت عليها كل فئران العالم، فلن يسرقها مني أحد. كلها هنا في رأسي، وسأعيد كتابتها من جديد.
وأشار بحرقة إلى صدغه وفركه بإصبعه الكبيرة. لم أنطق بكلمة، لم أعرف كيف أجيبه. فقط ربتّ على كتفه وطلبت له قهوة أخرى.
عادت زاويتنا إلى صخبها بوصول جمع من السيدات رفقة صديقتي الشاعرة الإسبانية. بثانية واحدة، لمحت حسون الغريب وقد تهلل وجهه ونسي حزنه وأنا أقدمه لهن كروائي ومفكر عراقي منفي. لم يتوقف بعدها عن الحديث وقد وجد من يستمع إليه.

عادت له ابتسامته واسترجع نبرته اللاذعة ومناوشاته وهو يسرد على مسامعهن قصة آخر كتبه التي نشرها، بينما رحت أتابع الجلسة كما لو كنت متفرجاً لا غير، سعيداً بسعادة صاحبي الذي نسيني ونسي أوجاعه وآلامه وقد أحاطته روائح النسوة وتساؤلاتهن المغرية، وبدأت قريحته تتفتح مجدداً وهو يسرد عليهن وقائع حياته الطويلة بين الكتب وآلاف الصفحات القصصية والفكرية.

* مدريد/العراق

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك