ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

مايكل كوك... مؤرخ «الإسلام» عاد إلى الحظيرة

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

يقدّم مايكل كوك في كتابه «تاريخ العالم الإسلامي: من أصوله حتى فجر الحداثة» خلاصة مسيرته الفكرية كأحد أبرز مؤرخي الإسلام المعاصرين.

سعيد محمد
سعيد محمد
السبت 25 تشرين اول 2025
مايكل كوك... مؤرخ «الإسلام» عاد إلى الحظيرة
الخط

يقدّم مايكل كوك في كتابه «تاريخ العالم الإسلامي: من أصوله حتى فجر الحداثة» خلاصة مسيرته الفكرية كأحد أبرز مؤرخي الإسلام المعاصرين. يمزج فيه بين الدقة الأكاديمية والسرد السلس، مقدّماً رؤية شاملة تمتدّ من المغرب إلى مينداناو. لكنه، رغم عبقريته التركيبية، يتراجع عن جذريته السابقة في «الهجريين»، مختاراً مقاربةً أكثر تصالحاً مع الرواية التقليدية


يمثل صدور كتاب مايكل كوك الجديد، «تاريخ العالم الإسلامي: من أصوله حتى فجر الحداثة» (منشورات جامعة برينستون ـــ A History of the Muslim World From Its Origins to the Dawn of Modernity )، حدثاً كبيراً في حقل الدراسات الإسلامية. نحن لسنا أمام كتاب عادي، بل أمام ما يمكن اعتباره «خلاصة» مسيرة مهنية طويلة ومعقدة لأهم مؤرخ ومتخصّص في التاريخ الإسلامي على قيد الحياة.

مدرسة في المنهجية النقدية

ليس كوك مجرد اسم أكاديمي كبير، بل مدرسة في المنهجية النقدية والصرامة الفيلولوجية – أي فهم اللغات والثقافات عبر مصادرها المكتوبة والتاريخية في فضاء التقاطع بين النقد الأدبي، والتاريخ، وعلم الألسنيات - التي شكلت المجال لعقود.
لذلك، فإن هذا الكتاب وثيقة بحد ذاتها. كوك، الأستاذ في «برينستون»، الذي أشرف على «تاريخ كامبريدج الجديد للإسلام»، يقدم لنا في هذا المجلد الضخم (قرابة الألف صفحة) عصارة عمر من البحث والتدريس.
لا يمكن لأي ناقد، مهما كانت خلفيته، إلا أن يقف باحترام أمام هذا المنجز. لكن هذا الاحترام لا يمنع من طرح أسئلة نقدية، خصوصاً من منظور مادي يقرأ التاريخ وتاريخ كتابة التاريخ نفسه. هذا الكتاب، في رأينا، عمل عظيم ومخيب للآمال في آن واحد: عظيم في تركيبه وسهولته، ومخيّب في تراجعه الأيديولوجي الواضح عن المواقف الجذرية التي جعلت من كوك اسماً لامعاً في الأساس.

الإنجاز: التركيب وسهولة العبور

يطرح كوك على نفسه تحدياً هائلاً: كيف يمكن كتابة تاريخ واحد يمتد لأكثر من اثني عشر قرناً (من القرن السادس حتى عام 1800 تقريباً) ويغطي جغرافيا تمتد «من المغرب إلى مينداناو»؟ الجواب، كما يعترف كوك نفسه في مقدمته، هو «بترك معظمه جانباً».
هنا تكمن عبقرية الكتاب الأولى. يتمتع كوك بأسلوب «سقراطي» و«ساخر» أحياناً، يدعو القارئ للتفكير معه في «الأسئلة الجيدة» للتاريخ، وكتابه عمل يركز ببراعة على «صناعة الدول وتفككها، والتحولات الثقافية الكبرى التي تؤثر في أعداد كبيرة من السكان» في سرد بانورامي ضخم، لكنه مكتوب بأسلوب رشيق ومدهش في سهولته.

السعودية وقطر والإمارات لاعبون أساسيون في تمويل الكراسي الأكاديمية


هذه السهولة في العبور من دون تفريط أكاديمي هي ميزة نادرة لدى كوك الذي لا يضحّي بالدقة الأكاديمية. فالكتاب مدعّم بهوامش ومراجع تظهر إلماماً هائلاً بالمصادر الأولية والثانوية، لكنه ينجح في تقديم هذه المادة المعقّدة للقارئ العام وللطالب الجامعي من دون أن يشعره بالضياع في بحر التفاصيل وسلالات الحكم التي لا تنتهي (رغم أنّ بعض الفصول، مثل تلك التي تغطي تفكك الخلافة العباسية، لا تخلو من سرد مكثف للسلالات الكردية والمحلية).

بالنسبة إلى القارئ العربي تحديداً، يقدم الكتاب خدمة جليلة. فنحن غارقون إما في كتابات تاريخية محلية مؤدلجة (تبريرية أو هجومية) أو في ترجمات لأعمال أكاديمية غربية شديدة التخصص وجافة الأسلوب أو مستشرقة في منطلق تناولها للتاريخ. كوك يقدم مخرجاً ثالثاً: نظرة شاملة، نقدية، لكن مكتوبة بمتعة وقابلية عالية للقراءة.

في هذا السياق، يضع كوك تجربتنا العربية ضمن سياق «إسلامي» أوسع شمل الفرس والأتراك والهنود والأفارقة، محرراً إيانا أحياناً من مرض التمركز حول الذات. إنه ينجح في مهمته الأساسية لإنجاز عمل تركيبي ضخم، وهو بلا شك سيحل محل «مشروع الإسلام» (The Venture of Islam) لمارشال هودجسون كمدخل أساسي لهذا التاريخ في الأكاديميا الغربية لعقود قادمة.

التراجع: من «الهجريين» إلى القبول بالرواية

هنا نأتي إلى المسألة التي أثارت جدلاً وهي النقطة الجوهرية في تقييم هذا العمل فكرياً. مايكل كوك هو نفسه الباحث الذي ــــ بالاشتراك مع باتريسيا كرون ــــ زلزل الدراسات الإسلامية المبكرة بكتابهما «الهجريون: صناعة العالم الإسلامي» (Hagarism: The Making of the Islamic World) عام 1977.

كان «الهجريون» محاولة ثورية وجذرية لقراءة التاريخ المادي لنشأة الإسلام. لقد كان الكتاب تطبيقاً صارماً للمنهج التاريخي النقدي، تجاهل فيه كوك وكرون عمداً المصادر الإسلامية التقليدية (العربية) لأنها كتبت بعد قرون من الأحداث (أي اعتبراها بناءً أيديولوجياً لاحقاً)، واعتمدا حصراً على المصادر المعاصرة غير الإسلامية (السريانية واليونانية والأرمنية والقبطية)، التي قدمت صورةً مادية مختلفة تماماً.
النتيجة كانت صادمة للجميع: صورة لنشأة الإسلام ليس كدين جديد ومكتمل في مكة والمدينة، بل كحركة «هجرة» (Hagarism) عربية قومية توحيدية، متأثرة بشدة باليهودية والسامرية والمسيحية، هدفها المادي والسياسي هو استعادة «أرض الميعاد» في فلسطين من البيزنطيين.

من منظور عصري، كان «الهجريون» كتاباً مهماً جداً. ليس لأنه «معاد للإسلام» كما اتُهم، بل لأنه حاول نزع القداسة عن «النص» و «السردية»، وحاول العثور على الجذور المادية والسياسية والاجتماعية للظاهرة. محاولة جريئة لقراءة «ما تحت النص» للبحث عن المصالح المادية والبنى الاجتماعية التي أنتجت الظاهرة الدينية.

بعد مرور ما يقرب من خمسين عاماً، يأتي «تاريخ العالم الإسلامي» اليوم ليمثل تراجعاً كاملاً عن هذا الموقف. لا يتجاهل كوك الأمر، بل يعترف به صراحة، فكتب: «قبل عقود، ظهر تشكيك جذريّ تجاه تقبل المصادر العربية، وفي شبابي لعبت دوراً في هذا التحول».
لكن النتيجة اليوم؟ إنه يقبل بتلك المصادر نفسها.

هذا هو التراجع الذي نعنيه. كوك، المؤرخ العظيم، يقدم لنا اليوم تاريخاً يرتكز بشكل كبير على المصادر العربية التقليدية التي بنى مجده الأكاديمي الأول على تفكيكها والتشكيك بها. هو الآن يقبل «النص» التقليدي كحقيقة تاريخية تقريباً، متراجعاً عن البحث النقدي الجذري في «ما تحت النص» وما وراءه. وتلك ردة جلية من المادية النقدية إلى نوع من الوضعية التاريخية التي تقبل المصدر كما هو. بالطبع، هو يتناولها بقراءة نقدية، لكنه لم يعد ذلك الناقد الجذري الذي صدم العالم. لقد عاد إلى الحظيرة، مقدماً لنا تاريخاً «آمناً» يرضى عنه الجميع، ولا يثير زوابع.

التفسير المادي للتراجع الأكاديمي

لماذا هذا التراجع؟ هل هو «نضج» فكري بحكم الخبرة المديدة والتجربة؟ هل هو مجرد اكتشاف لأدلة جديدة (مثل المخطوطات القرآنية المبكرة) أثبتت خطأ «الهجريين»؟

نشكّ في ذلك. التفسير، في رأيي دائماً، يجب أن يكون مادياً أيضاً، لكنه لا يتعلق بتاريخ القرن السابع، بل بتاريخ القرن الحادي والعشرين.
إن كتابة التاريخ لا يمكن أن تكون فعلاً بريئاً ومنفصلاً عن سياقه المادي والسياسي. الأكاديميا الغربية، وتحديداً الدراسات الشرق أوسطية والإسلامية، هي حقل يخضع لأجندات سياسية وضغوط تمويلية هائلة.

ولذلك، لا يمكن أن نتلقى عملاً تأريخياً من دون أن يظل سعي الأكاديميا الغربية إلى تجنّب إغضاب المموّلين الخليجيين ودورها في تعزيز المنهج الاستخباراتي في إدارة الهيمنة على الشرق – الممتد من بروناي إلى طنجة – في خلفية المادة.

منذ السبعينيات، ومع تدفق الثروة النفطية، أصبحت دول مثل المملكة العربية السعودية ولاحقاً قطر والإمارات لاعبين أساسيين في تمويل الكراسي الأكاديمية والمراكز البحثية والمؤتمرات في جامعات كبرى مثل «هارفارد» و«برينستون» و «جورجتاون».
هذه الدول لديها مصلحة «مادية» مباشرة في دعم «الرواية التقليدية» للإسلام كمكوّن من مكونات شرعيتها السياسية المبنية بنحو أو آخر على هذه الرواية.

إن كتاباً مثل «الهجريين» الذي يشكك في جوهر هذه الرواية ويقترح أصولاً مختلفة تماماً، ليس مجرد إزعاج أكاديمي، بل هو تهديد أيديولوجي مباشر. هذا ليس مجرد تخمين، بل هو قراءة مادية للبنية التحتية لإنتاج المعرفة، لكن عندما تعتمد كبرى الجامعات على تمويل خارجي مشروط (ولو بشكل غير مباشر) للحفاظ على كراسيها ومراكزها، يصبح «النقد الجذري» ترفاً لا يمكنها تحمله.

بجلوسه على قمة الهرم الأكاديمي في «برينستون»، وكمحرر عام لـ «تاريخ كامبريدج»، بات مايكل كوك الآن جزءاً من «المؤسسة» والمؤسسة لا تحب الجذريين. إن هذا التراجع، هذا القبول «الناضج» بالمصادر التقليدية، هو ثمن البقاء في القمة. إنه تكيّف ذكي مع الواقع المادي لإنتاج المعرفة في الغرب. إنه التكيف الضروري الذي تفرضه شروط الإنتاج المادي للفكر.
لقد اختار كوك أن يكتب «الخلاصة» الآمنة، بدلاً من الاستمرار في «الثورة» المزعجة.

فهل ننصح بقراءة هذا الكتاب؟ بالطبع. إنه عمل موسوعي استثنائي، وتركيب رائع، ومدخل لا غنى عنه لأي شخص يريد نظرة شاملة لتاريخ العالم الإسلامي. إنه أفضل ما كتب في هذا الباب منذ عقود طويلة. على الإطلاق.
لكن قراءته ينبغي أن تتم بعين نقدية مزدوجة: عين تقرأ «التاريخ» الذي يرويه كوك عن المسلمين، وعين أخرى تقرأ «التاريخ» الذي يمثله الكتاب نفسه كتراجع فكري لمؤرخ عظيم. تراجع يمكن تفسيره بشكل مادي تماماً ضمن سياقات السياسة والتمويل في الأكاديميا المعاصرة. إنه كتاب أساسي لفهم التاريخ، ودرس بليغ في فهم تاريخ كتابة التاريخ.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك