ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

رشيد الضعيف... قيلولة على ظهر العاصفة

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

لا يزال الروائي اللبناني رشيد الضعيف (1945) قادراً على إدهاشنا في قدرته على الابتكار والحفر في منطقة خلناها أُتخمت واستُهلكت باستلهام الروائيين العرب من كنوزها ومروياتها ومدوناتها وأساطيرها

محمد ناصر الدين
محمد ناصر الدين
السبت 1 تشرين الثاني 2025
(تصوير سارية شاتيلا)
(تصوير سارية شاتيلا)
الخط

لا يزال الروائي اللبناني رشيد الضعيف (1945) قادراً على إدهاشنا في قدرته على الابتكار والحفر في منطقة خلناها أُتخمت واستُهلكت باستلهام الروائيين العرب من كنوزها ومروياتها ومدوناتها وأساطيرها، ألا وهي منطقة الأسطورة المرتبطة بالتراث الثقافي والديني والإنساني للمنطقة العربية. لكن صاحب «عزيزي السيد كواباتا» و«تصطفل ميريل ستريب» وغيرها من الروايات الواقعية التي تعالج الواقع اليومي بإشكالياته ولغته الفجة والمدينة بروائحها وأجسادها وعنفها اللغوي في علاقات السلطة والحرب والجنس، حين يحطّ في رواياته الأخيرة الثلاث ولا سيما «ندم إبليس» الصادرة أخيراً عن «دار الساقي» في هذه المساحة الأسطورية الفنتازية، يفاجئنا بكتابته نصّاً بديعاً فوق النص الأصلي. ينطلق من المخزون الشعبي لثيمات مثل الجن وأساطيره ويوسّعها ويضفي طابعاً عصرياً عليها، ويقترح نسخة بديلة عن «العقلانية السوداء» في عالم بلا قلب، ويعالج إشكاليات معقدة حول أصل وجود الشر في العالم وغيرها. نسخة أخرى يعتبرها الضعيف أشبه بقيلولة على ظهر العاصفة في منطقتنا الواقعة على فالق الزلازل.
الروائي والأستاذ الجامعي الذي يدرس مادة الكتابة الإبداعية في الجامعة الأميركية في بيروت بشّرنا في نهاية حوارنا معه بمفاجأة من العيار الثقيل: عود على بدء مع الشعر الذي ابتدأ به مسيرته الأدبية سنة 1979 في مجموعة بعنوان «حين حلّ السيف على الصيف»، إذ تصدر له من باريس مجموعة جديدة قريباً باللغتين العربية والفرنسية، إضافة إلى عمل روائي جديد قد يترك فيه منطقة الأسطورة ويحلّ مجدداً بأسلوبه السليط والجريء على الواقع المعقد، الذي يكون فيه فعل الأدب الحقيقي أحدّ من السيف

■ تبدأ روايتك بندم إبليس على طرده من الجنة، لكنك لا تعيد سرد الأسطورة كما هي، بل تبني فوقها عالماً فانتازياً كاملاً. ما الذي دفعك إلى تحويل المرجع الأسطوري إلى مختبر فانتازي للخيال؟

- بالفعل تبدأ الرواية من ندم إبليس الفظيع بعد طرد آدم من الجنة، فقصده معتذراً لأنه طرد ظُلماً، وعاهده بأن يوكل بكلّ إنسيّ جنّياً يرعاه ما دام الزمان جارياً وآخر الدهر بعيداً. لكنّ الجنّ حفدة إبليس اختلفوا وتفرّقوا شيَعاً تتناحر، وكان لهذه الفُرقة أثر بالغ السوء على وُلْد آدَم. دافعي الأول هو الشر الموجود في الإنسان: إبليس الموجود في كل واحد منّا. هذه قراءتي الخاصة لما أكتب، لكني دائماً ما أقول إنّ الكتاب أو العمل الفني من رواية أو شِعر أو سينما هو مِلْك القارئ. قراءتي لهذه الرواية هو تحويل أوّل قصة روتها البشرية إلى ثيمة معاصرة: كيف تسللت الكآبة إلى قلب الشابة التي عاشت مع حبيبها حياة هانئة وتزوجته في يوم الإثنين، بما في تسميته من دلالة، وبالتالي هل ثمة شيء عضويّ شرير داخل القلب الإنساني؟ كما إنّ هذه الرواية تقرأ وكأنها قيلولة على ظهر العاصفة، في منطقة هي على فالق الزلازل.

■ يقول مرسيا إلياد إن الأسطورة تمنح الإنسان «زمناً مقدّساً» يعود إليه ليستعيد المعنى... هل كان هدفك إعادة بناء الأسطورة لنزع القداسة عن هذا العالم العقلاني المريض اليوم ومداواته بالخيال؟

- ربما، لكن هدفي المباشر كان كتابة رواية يقرؤها القارئ بمتعة. أن لا يتركها من يده قبل أن ينهيها. لذلك، وأنا أكتب غرقت في المشكلات التقنية: كيف أنتقل من مشهد إلى آخر، ومن مشكلة إلى أُخرى، وكنت مشغولاً بأي مفردة أستعمل هنا وأيّ تقنية أوظف هناك. أكرّر، كل ما أقوله هو قراءة لاحقة للكتاب، وأنا أتكلّم الآن مع الكتاب كقارئ، ولكنْ قارئ قريب جدّاً وثيق العلاقة به. المعنى يفلت من بين يدي الكاتب، فهو ليس جسماً غارقاً في البئر ويجدر بنا انتشاله بمجرد أن نمد يدنا إليه. المعنى شيء زئبقي كالنفس يراوغ ولا يمكن القبض عليه بسهولة. لدي إحساس بأنّ ثمة فائضاً من العقلانية السائدة في العالم، وهذه العودة إلى الأسطورة هي ربما للتحرّر من سطوة هذه العقلانية والمبالغة فيها.

عالم اليوم مجرّد من الروح والرحمة، وهل العالم ما قبل غزة هو نفسه ما بعدها؟

ليس في الأمر عودة إلى الزمن «الديني المقدس» على رأي إلياد، بل سرد يتجاوز دين الأحزاب والشيَع والعقائد الثابتة التي تهيمن عليها العقلانية الجامدة التي تتسم بها الحداثة المعاصرة بدورها، أو تلك النسخة من الأديان التي توظف الله لأهداف سياسية. الأسطورة هي لا هذا ولا ذاك. العودة إلى الأسطورة هي بمثابة «أخْذ نفَس» من عقلانية الحداثة والعودة إلى طفولة الإنسانية الأولى. الأديان كمؤسسات مبنية على أسس عقلانية صلبة ومتماسكة، بينما الأسطورة هي الحرية المطلقة، أن يكون الإنسان ما يشاء، وتصرّفه من دون قيود على اللغة والخيال بكل شيء، من الحياة فالموت والخلود وغيرها.

كما إنّ الأسطورة بما تتضمنه من رغبة الإنسان الحكّاء بالبوح للآخرين بمكنونات نفسه وخياله تُشعر بالدفء أيضاً وتقي من الصقيع، الأسطورة أيضاً نظرة مختلفة للكون. جمعت أسطورة جلجامش مثلاً بذور الفلسفة والدين معاً: فلسفة السؤال عن معنى الوجود والبحث عن الخلود. اقتنع جلجامش أنّ الخلود غير ممكن للإنسان، ولذلك صعد في نهاية الحكاية إلى أسوار المدينة ليتأمل في جمالها ويرضى بالحياة الطيبة مع علمه أنه فانٍ. الفكرة الثانية هي ما طرحه جلجامش من أنّ الحياة العظيمة هي قبل الموت وليس بعده. جلجامش إذا جاز التعبير هي الروحانية المادية القانعة التي تخالف الروحانية الواعدة أو العظيمة.

■ تبدو في «ندم إبليس» كأنك تتحدى الحقائق العقلانية والبيولوجية، كأن يدس الفتى «رماعيل» سنّه الحليبية في فم أمه وهي نائمة، فتولد أخته من بذرة هذه السن، أو الطيور التي تُرجع أصولها إلى النجوم والأفاعي، هل تعمّدت هذه الفانتازيا الغرائبية، أم إنها في أصل الأسطورة التي يقول فريزر في كتابه الشهير «الغصن الذهبي» إنها الملعب المثالي للخلق والبعث؟

- بالفعل ثمة فصل في الرواية يتحدث عن الطيور ويقول إنها نوعان: نوع أول متحدر من نجوم السماء التي ملّت من سكونها وحنّت إلى الأرض، فهبطت عليها وتحولت إلى عصافير تقتات من ثمارها وبذورها، ونوع ثانٍ متحدّر من الأفاعي التي ملّت الزحف على تراب الأرض، والاختباء في ثقوب ضيقة ومظلمة، فقفزت إلى فوق، واستمرت تقفز حتى أحسنت السباحة في الهواء، وتحولت مع الأيام طيراً يقتات ما يقتاته الطير. أجمل لحظات الكتابة هي تلك التي تتوالد فيها الأفكار والصور بصورة تلقائية، وتتلبس المعنى الذي يرمي إليه الكتاب، في ما يشبه مختبر الشعر. مرة خطرت في بالي هذه العبارة التي كتبتها في مجموعة شعرية سابقة: «البحر يُرضِع ظلال العصافير». لا أعرف من أين انبثقت هذه العبارة، لكني أتمسك بها وأحبّها. بقدر ما تتكاثَر هذه الصور اللاعقلانية والتي يصعُب السيطرة عليها، أشعر أنني في المكان الصحيح في الكتابة. لذلك دائماً أردّد: «لا أعرف، لا أدري». وبعد أن أدوّن هذه الأشياء يكتمل العمل، وأعود لأطرح السؤال: «ماذا سأقول الآن عما كتبت؟».
عندما أقمت هذا التصنيف في أصل الطيور بين النجوم والأفاعي، أعجبتني اللعبة وأحسست بأثرها الشعريّ مسبقاً، فانتقلت إلى معالجتها تقنيّاً إذ باتت جزءاً من الرواية. أما كيف أتت هذه الصورة ومعناها، فهو ما لا أملك له جواباً عند الكتابة. أما الولادة من السنّ، فهي تنقض البنية الأبوية برمّتها، ولديّ نظرية تقول إننا نحن عملاء لأولادنا، ونحن لا ننجبهم بل هم ينجبون أنفسهم. من الذي يقرر اليوم أن تتناقص أعداد السكان في قارة ما (كأوروبا أو أميركا الشمالية)؟ من يقرر أن فلاناً المقيم في برلين أو مونتريال ينجب ولداً أو اثنين فحسب؟ ليس الشخص المعني هو الذي يأخذ قراره بنفسه في هذه الأمور، وإنما التاريخ هو الذي يقرّر. بهذا المعنى، نحن نلعب دور الوساطة في هذا التاريخ، وأولادنا يستعملوننا كأدوات تنفيذية في لعبة التاريخ. الأدب في هذا الإطار يوسع حدود اللعبة.

■ هل صار عالم العقل قبيحاً جداً اليوم في زمن الذكاء الاصطناعي والدرونات والروبوتات الجراحية، إذ يمكننا أن نواسي أنفسنا بجملة شهيرة للكاتب السعودي عبدالله القصيمي صارت عنواناً لأحد كتبه وهي: «العالَم ليس عقلاً»؟

- يمكن أن نقول عن عالم اليوم إنه عالم بُنَىً مجرّد من الروح، عالم بلا رحمة، وهل العالم ما قبل غزة هو نفسه ما بعدها؟ عالم تسيطر فيه الآلة الحديثة وتتحكم في أرواح الناس وأوطانهم ومقدّراتهم وأسباب بقائهم. في نهاية الرواية تذكّر سليمى أخاها بوعده: «متى ستريني العالم من على القمم العالية؟ متى ستأخذني إلى القمم فوق الضباب، وفوق الضباب؟». هذه الدعوة للتأمل والحلم ربما تكون المضاد للعقلانية السوداء التي «تُفرمِت» كل شيء وتؤطره: في السينما والإعلانات والسياسة والتي ستؤدي إلى انفجار العالم بظواهر مثل الترامبية والشعبوية وغيرها. الطفلة البريئة في نهاية الرواية تصدّق حتى دعوة الجني اللص الذي انتحل صورة أخيها ليأخذها إلى ما فوق القمم والغيم.

■ هل يمكننا أن نرى في الصراع بين الأب والابن في الرواية حول ولادة الأم لابنتها شيئاً من عقدة أوديب؟ كما ثمة حضور متكرر للوسواس الذي يستخدمه الجنّ فيما يبثه في الجسد عبر الأذن اليسرى. هل نحن أمام مصطلحات فرويدية؟

- ثمة قراء فسّروا الحمْل الثاني للأم بالمعنى الأوديبي، هذا ممكن، لكنني للأمانة لست مطّلعاً كثيراً على الميثولوجيا اليونانية، وكذلك لست ضليعاً بالسيكولوجيا. أنا لم أنجح في قراءة فرويد رغم محاولاتي المتكررة، إذ أطالع عدداً محدوداً من الصفحات في مؤلفاته ثم أتوقف. كل ما أعرفه عن فرويد هو من محاضرات سمعتها وشذرات من هنا وهناك، وبالتالي لم أقع ككاتب تحت تأثير علم النفس بالمعنى الثقافي والتاريخي. رأيت هذه الفكرة مدهشة وجديرة بمعالجة الروائية، أي رومانيسك كما يطلَق عليها بالفرنسية. أما الأثر الذي تحدثه الفكرة، فهذا يخص القارئ. الوسواس في سياق الرواية هو نوع من الاستخدام أي إملاء الأوامر على البشري المتلقي أقرب منه إلى الوسواس الفرويدي.

■ اسم بطل الرواية «رماعيل» يذكّر بالأسماء المشتقة من الكتب المقدسة مثل ميكائيل وجبرائيل وإسرافيل وغيرها، ولفظ «إيل» في نهاية أو بداية الأسماء في اللغات السامية القديمة تشير إلى الله أو الإله الأعلى. ما هو سرّ هذه التسمية؟

- أولاً، لفظ «إيل» كما أشرت يعطي انطباعاً بالقِدَم، وهذه هي تماماً الوظيفة الروائية لهذه الشخصية المسماة «رماعيل». لكنني سأكشف لك عن سرّ حول هذه التسمية: «رماع» هو عكس «عامر»، و«عامر» هو إبليس أو الشيطان في البيوت وأماكن السكن، وهو أحد أسمائه العدة في العربية ومنها ولهان وداسم وغيرها. الاسم إذن هو جمع بين الإله والشيطان، بين الخير والشر وجوهر الرواية هو اللعب على هذه المتناقضة أو البارادوكس.

■ كيف نجابه إبليس أو الشر؟ بالخير، بالأدب، بالشعر، بالحب؟

- نحن في لبنان نجابه إبليس بأن نسهم في إسعاد المدينة. إسعاد المدينة يعني انتظامها في أشياء قد تبدو بسيطة: الوقوف عند إشارة السير، أن أدفع الضريبة ليكون لي الحق في المطالبة بتخفيضها، أن نبني الدولة والمؤسسات، باختصار هذه الأمور هي الخير العمومي، وأتصور لو أن الأنبياء يعودون من جديد فسيطالبون بالأمر ذاته.

■ تبدأ الرواية بعبارة في منتهى الجمال مرجعها في كتاب «مجمع الأمثال» للميداني وهي «لأتركنّك ترك الظبي ظلّه»، هلا شرحت للقراء دلالة هذا المثل؟

- لك أن تتخيل جمال هذه العبارة التي أدهشتني لجماليتها وبيانها وتكثيفها وأنا منكبّ على مراجع الرواية، وهي اختصار لجدليات كثيرة اللقاء والفراق، والأصل والصورة، والجسم والظل. ثمة باطن مخبوء خلف ظاهر العبارة. المعروف أن الظباء كانت تسمى قديماً «ماشية الجنّ»، أي إنّ الجنّ الذي هو جسد لا يُرى، يأخذ أشكالها، ويتصوّر صورها، إذ باتت كل ظبية في خلاء أو في واد أو صحراء جنّاً حتى يتأكد العكس. يستعين أيضاً بهذا القول كل من أراد أن يؤكد وجود الجنّ، وكل من أراد أن يؤكد أنهم يختلطون بالناس. وإلا كيف نشأ هذا القول وبقي حتى يومنا هذا؟ كل مكونات الرواية مستلة من التراث العربي و«ندم إبليس» هي نشيد الاحتفاء بهذا التراث. الصورة الموجودة في هذا المثل هي بالضبط سماد الخيال الذي يعبّر عن الإمكانات الإبداعية الكامنة في تراثنا، وبالتالي كم في هذا التراث من بذور إنسانية خالدة، ناهيك بالقدرة الجمالية للّغة العربية التي أنتجت هذا القول وغيره، والرواية التي توظفه في سياقها بشكل إبداعي هي الأُخرى.

■ في التراث العربي، يشكل الجنّ جزءاً من الوعي الجمعي الشعبي، إضافة إلى وجود سورة في القرآن كاملة تحمل اسم «سورة الجن». كما يرد الجنّ كثيراً في المدونة التراثية العربية ولا سيما «ألف ليلة وليلة». من أي زاوية يعالج رشيد الضعيف هذه الثيمة في عمله الأخير هذا؟

ـــــــ أظنني أخذت بالاتجاه الأول، أي الجنّ في المخيلة والسردية الشعبية، وكيف أن الناس بمختلف ثقافاتهم ووعيهم ومراتبهم من الأمّي حتى الفيلسوف يروون حكايات عن الجنّ، كما هي الحال في مسقط رأسي زغرتا، مع الجنّية التي تدخل في كوّة البيت، ولها أسماء عدة كالصالحة وغيرها، والجن الذي يظهر في الليل عند ضفاف الأنهار وغيرها. سحرتني ثيمة هذا الكائن الذي لا يُرى ويأخذ الشكل الذي يريد، وساعة ما يشاء، والذي يمكن أن يتحوّل إلى صخرة ثقيلة أو إلى نسمة هواء صغرى في فجوة صغيرة من الصخرة ذاتها... هذا الكائن الذي لا لون له حين يتلوّن باللون الذي يريده، ويخاف من العطر، ويذوب في الماء. قرأت كثيراً عن الجن وخصوصاً في التراث العربي ولم أبتعد إلى أي تراث آخر كاليونان والهند والصين وغيرها، واستمتعت بما كتبت ثم وجدتني أكتب كتاباً للمتعة الخالصة. لا يزال قسم كبير من الناس يؤمنون بالجن حتى اليوم، وأذكر في طفولتي أنّ رهطاً أخذوني معهم لفكّ السحر عن شخص يتلبّسه الجن، وقد ذكرت هذا الأمر في واحدة من رواياتي السابقة، إذ مدّدوني وأغمضوا عينيّ ووقفت امرأة فوق رأسي وسكبت سائلاً ساكناً في المياه الباردة وطقوس أخرى من هذا القبيل. كما إنّ مغارة قزحيا في المنطقة ذاتها ظلت حتى وقت ليس بالبعيد هي المكان الذي يُربط فيه الممسوسون ويُضربون أحياناً من أجل تطهيرهم من الجن. وهو ما ظلّ معتمداً حتى قدوم المستشفيات الحديثة. لا تزال المغارة المعتمة قائمة والجنازير في جوفها، ولا يزال المثل قائماً في الشمال اللبناني: «مجنون وبدّك أخدْ عقزحيّا».

■ إشكالية الاسم حاضرة بقوة في الرواية، كأنّ التسمية فعل خلق، كيف تفكّر في العلاقة بين الاسم والمسمى. لماذا اخترت الغوص في هذه الإشكالية؟ هل في التسمية نوع من السلطة؟

ــــــــ هناك قول مأثور في التراث العربي: «لكل امرئ من اسمه نصيب». تسألني أن تسمّي يعني أن تتملك. هذا ما تريد أن تقوله. أجيب: ليس هذا ما أريد أن أقوله ولكن ما أفسره وأقرأه الآن وثمة فارق خطير بين الأمرين. كيف تفسّر تهويد الأسماء في إسرائيل اليوم؟ أليس نوعاً من السلطة على الجغرافيا والتاريخ. قبل الأسماء العربية أيضاً، كانت أسماء سريانية وآرامية وأكادية وغيرها. من يسمّي يتملّك وبهذا المعنى نعم: الاسم سلطة، والاسم تمييز ديني وقومي وطبقي. انا أسمّي نفسي، تقول البطلة «لبنى» في آخر الرواية، وهو ما يعني: أنا مِلك نفسي، لأن من يسميني يمتلك السلطة عليّ. ولذلك لو سمّيت نفسي ولو بالاسم الذي أطلقته أنت عليّ، فأنا أفعل ذلك بكامل حريتي وإرادتي. وأنا أكتب، لم أفكر في علاقات السلطة وشبكتها داخل النص. نحن الآن كقراء نستنطق هذا النص من الخارج، ونستكشف هذه الشبكة في طيّاته.

■ ما هو الشيء الذي ندم عليه إبليس، لو أردنا أيضاً أن نستنطق الرواية في عنوانها؟

- هذا موضوع شائك ومعقد في الديانات والمرويات. ثمة صوفيون يقولون إنّ إبليس هو الموحّد الأنقى الذي رفض أن يسجد إلا لله، وكان يسمى «طاووس الملائكة»، وثمة ديانات غير سماوية تتبنى هذه الفكرة. بدأت الرواية بندمه على التسبب في الأذى لآدم لطرده من الجنة ومحاولته التكفير عن هذا الذنب، وعدم مراعاة أحفاده لطقوس هذا الندم. استعملت هذا البارادوكس أو المفارقة حول الذنب والتكفير عنه كتقنية روائية، والهدف ليس المشاركة في النقاش الديني حول آدم والخطيئة الأصلية.

■ هل تشعر بحرية أكبر في الكتابة وقد انتقلت في رواياك الأخيرة الثلاث «الأميرة والخاتم»، و«الوجه الآخَر للظل» و«ندم إبليس» إلى المساحة الأسطورية الفانتازية، ولكن في المقابل يبدو صاحب «عزيزي السيد كواباتا» و«تصطفل ميريل ستريب» أكثر حياءً في كتابته الجديدة في المواضيع المتصلة بالجنس مثلاً؟

- نعم نقلتني هذه الكتابة الجديدة إلى خارج جاذبية الواقع اليومي المكبِّل، وأجدني أتحرر من نفسي وروتيني وطريقة تفكيري وأسلوبي الذي غيرته بالكامل، وطريقتي في كتابة الرواية ونظرتي لدور الرواية وأثرها. كأنني أخلع جلدي وأنظر بعينين مختلفتين، وهذا ما تفعله الأسطورة والشعر كما يقول بول إيلوار في إعطاء القدرة على الرؤية. هناك جملة أثيرة أكررها وهي أن الكمبيوتر يزيد الإنسان عمى، حين يغرق الإنسان في المسائل التقنية البحتة والأشياء المؤطرة، ومن هنا الأهمية للفنون كنقيض لهذا العمى. أما حول اللغة «المهذبة»، فأنا أميز دائماً بين الرواية «الفصحى» والرواية «الدنيا» في الأسلوب والثيمات وأنا أكتب النوعين معاً. موضوع الرواية الأخيرة استدعى أسلوباً يوحي بالقدَم والأسطورة والحلُم، بينما الرواية «الدنيا» تستدعي أسلوباً مباشراً فيه رائحة المدينة والزفت والمطاعم والأجساد، لكني سأفاجئك في العمل القادم بثيمة بمنتهى الدنيوية.

■ هل هجرت الشعر وهجرك بعد مجموعة أولى أسميتها: «حين حل السيف على الصيف» صدرت سنة 1979؟

- لا يمكن للمرء أن يترك الشعر. لا عالم من دون الشعر، ولا خوف على الشعر من قلة القراء بحسب الكثير من المقولات اليوم. كنت قد كتبت قبل أكثر من نصف قرن: «الجميع ضدك، لا تخجل/ لا عدّ للكثرة، لا حدّ للصواب». قل لي كم من الأشخاص يقرأون دراسة في الفيزياء اليوم؟ مئة، مئتان، ألف لا أكثر، ولكنها قد تغيّر فهمنا للعالم. المهم، ستصدر لي من باريس قريباً مجموعة شعرية تضم مختارات باللغتين العربية والفرنسية بعنوان «عابرات» وبالفرنسية filantes.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك