عدنان غملوش: «العربية»... المصداقية الضائعة
يجمع كتاب «مذكّرات مراسل» بين السيرة الشخصية والموقف المهني، كاشفاً تناقضات العمل الإعلامي العربي بين الرسالة والتمويل، ومقدّماً شهادة جريئة من الداخل حول الإعلام الموجَّه وفقدان الوعي النقدي في غرف الأخبار


هل يصفّي عدنان غملوش في كتابه «مذكّرات مراسل» (دار الفقيه للنشر ــ بيروت)، حساباً شخصياً مع مؤسسة إعلامية عمل فيها سنوات طويلة ثم وجد نفسه فجأة خارجها، محروماً من حقوقه المالية؟ أم أنه ينتصر للمهنة ورسالتها النبيلة وللمفهوم الأساسي فيها وهو «صناعة الوعي» ولو عبر مجهود فردي ضاقت به المؤسسة على اتساعها؟
الحقيقة أنّ اختيار واحدة من الإجابتين دون الأخرى قد ينطوي على شيء من التسطيح، فأمام ما أورده الكاتب من وقائع حقيقية مدعّمة بالأدلة، تتفق مع ما يعرفه الجمهور عن أهداف قناة «العربية» وأجنداتها وظروف إنشائها، يغدو اختيار الإجابة الأولى ظلماً أكيداً للكاتب والكتاب. ورغم أن اختيار الإجابة الثانية يستولد سؤالاً آخر بديهياً عن توقيت الخطوة وارتباطها بظروف شخصية متصلة بالعلاقة بين الطرفين أكثر من أي شيء آخر، إلا أن تدهور هذه العلاقة – كما يوضح غملوش بالتفصيل في الكتاب - لم يكن إلا بسبب اعتراضه على إيغال القناة وإدارتها في مجافاة المهنية وخيانة الأمانة!
لذا، يمكن القول إن ارتباط الشخصي بالعام في هذه المسألة يجعل من العبث التفريق بينهما. وهو نقاش لا ينتقص بأي حال من الأحوال من صدقية رواية الكاتب، وهذا هو الأهم.
هل كانت «الأجندة» خافية؟
«لم تلتزم العربية ولم تظهر الحدّ الأدنى من الموضوعية والمهنية منذ نشأتها إلى يومنا هذا»، يقول الكاتب في الصفحة 176 من الكتاب، مستعيناً بشهادة الإعلامي الأردني المستقيل مهند الخطيب في رسالة له عن «وقوع القناة في براثن التحيز والبروباغندا» و«تشويهها صورة المقاومة في العراق وفلسطين» و«امتناعها عن نشر مشاهد عمليات المقاومة»... قبل أن يفنّد غملوش ذلك التشويه بصورة أكثر عمقاً واتساعاً عبر تجربته الشخصية كمراسل في لبنان في محطات متلاحقة من عدوان تموز 2006 إلى أحداث السابع من أيار (مايو) وموجة الاغتيالات وسواها.
إشارة الكاتب في مقدّمة الكتاب وغير موضع منه إلى بروز أجندات المحطة بشكل أكثر وضوحاً واستفزازاً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في عام 2005، لا ينفي أنّ هذه الأجندات كانت ظاهرة للجميع «منذ نشأتها» كما أقرّ بنفسه، بل إن قراءة موضوعية لسياسات المملكة العربية السعودية الخارجية والإعلامية في تلك الحقبة (وقبلها وبعدها) تجعل اعتماد عبارة «قبل نشأتها» قولاً لا يجافي الموضوعية والمنطق. المفارقة الأكبر هي أنّ غملوش الذي بدأ مشواره مع القناة بإعداد تقارير اجتماعية من بيروت لمصلحة برنامجها الصباحي المتنوع، انضمّ رسمياً إلى فريقها بصفة مراسل سياسي وحربي بعد اغتيال الحريري، أي بعد حصول ذلك التحول الذي تجلّى في ظهور توجهاتها وأجنداتها السياسية وانحيازها إلى طرف دون آخر وتدميرها منهجية العمل الإعلامي! ما يجعل السؤال مشروعاً حول خلفية خوض الصحافي تجربة مماثلة معروفة النتائج سلفاً في مؤسسة تقف على الطرف النقيض من قناعاته المبدئية وتتناقض رؤيتها للإعلام ودوره مع رؤيته.
إفراط في المثالية والتفاؤل
تقتضي الأمانة التنويه إلى أنّ الكاتب لم يغفل الإشارة إلى الاعتراضات التي وردته من أصدقائه وسواهم، على أصل فكرة عمله في قناة تحمل مشروعاً مثل الذي تحمله «العربية» وهو الجنوبيّ المعروف بمناصرته للمقاومة وعمله سابقاً في إذاعة «النور» التي تُعَدّ صوتاً للمقاومة وفضاءً من أبرز فضاءاتها الإعلامية.
ولكن الكاتب يضع ذلك كله في سياق «النأي بنفسه عن الانقسام بين جمهورين كلاهما يعتبر نفسه على حق وينظر إليك وإلى عملك من منظاره السياسي»، موحياً بنوع من التساوي بين هذه الاعتراضات المفهومة وبين اتهامه بالعمالة لـ «حزب الله» من قبل الجمهور الآخر الرافض لمشروع المقاومة والممانعة، وبوقوفه في الوسط بين جمهورَين من «الغوغاء»، وهو ما لا يتفق مع سرديته الخاصّة حول «العربية» المتضمّنة أسباب رفضها من مشاهِد وقبولها عند آخر وانقسام المشاهدين إزاءها إلى «جمهورَين»!
يبدو الكاتب مفرطاً في المثالية في عبارات إنشائية ضمّنها تقديمه للكتاب، يقول فيها إنه كان على القناة «أن تكون رائدة وأن تتحمل مسؤوليتها في ظل الأزمات بدل أن تكون طرفاً وتفتح حرباً على دول ومجموعات فقط لأن مموّلها وراعيها يختلف معهم» كما لو أن تجربة إعلامية مماثلة في الخليج العربي تحديداً تحظى بهامش من الاستقلالية يسمح بمعاكسة رغبات المموّل أو حتى التمايز النسبي عنه!
كما يبدو مفرطاً في التفاؤل حين يصرّح أنه افترض في نفسه - في لحظةٍ ما - القدرة على لعب دور الوسيط بين «حزب الله» وبين إدارة القناة، من منطلق كونه مراسلاً فيها ومؤيداً للمقاومة في الوقت ذاته، كما لو كان الفصل ممكناً بين علاقة الحزب بالقناة وعلاقته بالقيادة السعودية!
«العبرية» والجمهور الغاضب
معايرة متواصلة من الزملاء بهويته المذهبية كما لو كانت تهمة «اذهب إلى «المنار»، ماذا يفعل أمثالك هنا؟»، تذكير مستمر من الإدارة بأن هذه الهوية هي العائق الوحيد أمام حيازته المكانة التي تتناسب مع خبرته ونشاطه وإخلاصه وحرصه. تكذيب متكرّر لمراسلين آخرين لمعلومات حصرية يعلنها على الهواء قبل ثبوت صحّتها والاضطرار إلى تأكيدها مجدّداً بعد أن تصبح في متناول الجميع، إدارة صبيانية للمنافسة مع «الجزيرة»، وتنازع طفولي بين المراسلين على الظهور على الهواء بعضه يحصل أمام أعين المشاهدين!
إدارة صبيانية للمنافسة مع «الجزيرة»
فضائح وتفاصيل كثيرة يوردها الكتاب عن القناة التي حاولت تقديم نفسها في إطار موضوعي ومهني محترف، تتعارض مع شيء من العتب يمرّره الكاتب بين السطور على «جمهور المقاومة» الذي سمّى القناة «العبرية» وأفرغ غضبه على كل من يحمل ميكروفوناتها وأولهم غملوش نفسه. ألا تستدعي كل التفاصيل عن اصطفافها إلى جانب الاحتلال وسرديته في عدوان تموز 2006 مثل هذه التسمية؟ وهل يمكن للجمهور العادي الذي لا يحتمل استماع أكاذيب القناة وافتراءاتها دقيقة واحدة أن يُخضِع مراسليها لتقييم نقديّ محترف ويميز بينهم على أساسه، بينما يقرّ غملوش أنه لم يشاهد شاشة «العربية» منذ خروجه منها؟
سيرة زاخرة ومحطات متعدد
يقدّم غملوش كتابه بوصفه خلاصة تجربته مع قناة «العربية»، لكنه يعود بالذاكرة إلى الوراء قليلاً حتى يظنّ القارئ أنه أمام سيرة ذاتية أو خلاصة تجربة الكاتب مع الإعلام عموماً، قبل أن يكتشف أنه ليس إلا توطئة ضرورية واستعراضاً سريعاً لذكريات مطلع شبابه ومحطاته المهنية الأولى قبل «العربية»، تتخلله إشارة إلى نيته سرد تفاصيل رحلته الأوروبية بعد تخرّجه من الجامعة وقبل استقراره في لبنان ومباشرته مشواره المهني، في كتاب مستقل يعد القارئ بأنه سيكون مشوقاً.
يروي غملوش أنه دخل ميدان الصحافة الرياضية عبر إذاعة «النور» عن طريق المصادفة، خلافاً لرغبته في التحول إلى مخرج سينمائي، ومن خارج المسار الذي بدأ بدراسته العلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية، في حقبة شهدت الصراع بين اتحاد كرة القدم الذي عُرِفَ نسبةً إلى أمينه العام وحاكمه المطلق بـ «اتحاد رهيف علامة»، وبين شريحة كبيرة من المهتمين بهذه الرياضة، على خلفية الاعتراض على طريقة علامة في إدارة اللعبة.
ثمّ يكشف عن تحوّله إلى «كبش محرقة» بعد مصالحة بين الإذاعة والاتحاد، لينتقل بعدها إلى إذاعة «البشائر» حيث واصل انتقاده لسياسات الاتحاد وأمينه العام فتنتهي رحلته مع «البشائر» للسبب ذاته الذي أنهى علاقته بـ«النور». وبعد «النور» و«البشائر»، خاض غملوش تجربة جديدة غنية في الإعلام الرياضي في mbc حفلت بالقصص والمفارقات التي رواها أيضاً بأسلوبه السردي السلس، الذي لا يبدو غريباً على شخص قضى جلّ عمره في مهنة الإعلام، وجزءاً لا بأس به منه في الصحافة المكتوبة تحديداً، وإن كان يمكن التوقف عند حاجة الكتاب إلى المزيد من الاعتناء بالتدقيق اللغوي.
جرأة «ثلاثية الأبعاد»
من الإنصاف التوقف عند جرأة الكاتب التي تجلت في ثلاثة أمور، أولها تصدّيه منفرداً لفضح النموذج الإعلامي التي تمثله «العربية» ليكون كتابه وثيقة تاريخية حول هذه الحقبة المهمة ودور الإعلام فيها، والثاني هو سرده بأمانة مطلقة أحداثاً وقعت فعلاً بتفاصيلها الحساسة مع ذكر الأسماء الحقيقية لأبطالها الذين لا يزالون على قيد الحياة، من عبد الرحمن الراشد إلى علي نون وريما مكتبي وعليا إبراهيم وآخرين، ما يؤكد حجم ثقته بصحّة ما كتبه واستهانته بما قد ينجم عنه من خسارات إضافية على مستوى العلاقات الشخصية. أما الثالث فهو انتهاجه خيار «المعارضة من الداخل» لسياسة القناة وتوجهاتها طوال مشواره معها، علناً وعلى الهواء مباشرةً، مع ما يعنيه ذلك من خرق على مستوى التأثير في وعي جمهور القناة. ولعل النقطة الأخيرة تختصر الإجابة التي يريدها غملوش للسؤال عن سبب اختياره خوض هذه الرحلة منذ البداية ومواصلته لها رغم كل شيء.
