ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

إسكندر حبش لم يعد «يشكو الخريف»

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

بعض الشعراء يشكو الفصول حين تتداخل رقته مع حساسيتها، ويتعب من أصوات غيومها أو يتكدس ورقها الأصفر فوق قلبه: هكذا كان إسكندر حبش (1963-2025) بعنوان مجموعته المدوي: «أشكو الخريف»، بالحرقة التي تتمدد في مفاصل الكلمات والمقاطع

محمد ناصر الدين
محمد ناصر الدين
السبت 8 تشرين الثاني 2025
إسكندر حبش لم يعد «يشكو الخريف»
الخط

بعض الشعراء يشكو الفصول حين تتداخل رقته مع حساسيتها، ويتعب من أصوات غيومها أو يتكدس ورقها الأصفر فوق قلبه: هكذا كان إسكندر حبش (1963-2025) بعنوان مجموعته المدوي: «أشكو الخريف»، بالحرقة التي تتمدد في مفاصل الكلمات والمقاطع، والحسرة حين تشكل قاع القصيدة وتغلف العمل الشعري كله، لا بل الحياة التي أمضاها الشاعر والمترجم والناقد وأستاذ الفلسفة والمحرر الثقافي في جريدة «السفير» بذاكرة تدفعها الخسارات الصغيرة والكبيرة إلى حدّ الهاوية. كان إسكندر يشكو الخريف، لكنه أوقد في قلوب أصدقائه ومحبيه ربيعاً من الذكريات، ممّن عملوا معه في الجريدة أو سمعوه يقرأ الشعر في مقاهي بيروت أو دمشق، أو من تعرفوا به في أروقة الجامعة يغوص بعقله الجدلي تفكيكاً في أغنية لفيروز (قصقص ورق وساويهن ناس)، وصولاً إلى اعترافاته لصديق بأنه المسيحي الذي يعشق المقاومة. سيفتقد محبّوه صوته الدافئ، ويتذكرون تلك الشعلة المتقدة في الروح التي كانت تصر على الإبداع والكتابة حتى الرمق الأخير، والقلم الذي كان يسدد الضربات إلى «السيد س» ويقهره بكل القوة التي يبثها الشعر في الأشياء، قوة ثقيلة خفيفة في آن معاً، ثقيلة في جولة الملاكمة مع الموت، وخفيفة بحيث يصح فيها ما قاله الشاعر شبيب الأمين في سطر واحد يرثي صديقه ونديمه: «أكتب منطاداً يا إسكندر/ وأغادر هذه الجبال».

◀ حاطب ليل وخاطب ودّ الحياة

سليمان بختي - شاعر وناشر لبناني*

تحققت نبوءة إسكندر حبش حين كتب «الأرض حين لن أكون هنا» (2024) ولكن الهُنا التي عاشها على هذه الأرض استنفدت جسمه وروحه وقلبه، ولم تبقِ له غير الكلمة. فمن التعليم إلى الصحافة إلى الشعر إلى الترجمة إلى الحفر في الذات عن خيبة أو عن ألم. وهكذا تحوّل من حاطب ليل إلى خاطب حياة مع أو بلا أوهامها.

وهو الذي ولد من هجرتين (فلسطينية وأرمنية) وعاش حياته على طاولتين واحدة للقراءة والكتابة وثانية للطعام والشراب الكثير حتى يتعتعه الوقت أو ينساه وحيداً. ولكن ما أحبه اسكندر في الحياة هو الكتب والكتابة والسفر. وكان يسأل كيف تُعاش الحياة من دون كتب؟ وكيف تُعاش من دون سفر وترحلات؟

وكيف نفهم الكتابة سوى أنها محاولة للإدراك وأن أثرها سيبقى معنا ونحمله إلى العالم البعيد. أما الحياة فستبقى هنا مع الجسد المتعب والمضنى. كان اسكندر حبش يعرف كيف يظهر الفكرة الناصعة الهبوب في قلب الصورة القريبة وفي قلب الحدث وفي قلب الحداثة من دون صمت ولا ضجيج. ويميز بحدسه بين ما يطفو على السطح ويلمع وبين ما يرقد من الثمالة في قعر الكأس وقعر الخابية.

سمعته في كتابه «أشكو الخريف»، يشكو بعذوبة ورقة ولفرط رهافته يبدو وكأنه لا يشكو بل لعلّه يسر في أذنك وبصوت مجروح فيأخذك هذا السر لتهمس به ومثله ومعه: «أنا أيضاً/ تعبت من صوت الغيوم/ أنا أيضاً أشكو الخريف».

لعله تماهى مع الكلمة والنسيان والموت ولم يغادر أحدهما الآخر إلا مع الفراق الأخير. كانت الكتابة له فعل خلاص في معاركه مع «السيد س» أي السرطان، معارك المرض والعلاج واللايقين. وراح يكتب بعض الخواطر على شكل يوميات، وقال إنّه يكتبها «ليفش خلقه وليست للنشر أو النقاش». في السنة الماضية، تعاونّا في إصدار كتاب له هو «نفسي ليست صحراء» عن «دار نلسن» وهو حوار طويل مع الشاعر الراحل أنسي الحاج. شعرت بعمق المحبة التي ربطته مع الحاج. ابتسم وقال: «حضر أنسي الحاج عرسي».

في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»- دورة السنة الماضية، حضر لتوقيع كتابه وبعد ساعتين غادر إلى المستشفى لمتابعة العلاج. قال لي إنه لديه حوار طويل مع الشاعر فؤاد رفقة يودّ نشره، وأنّه سيتصل بالشاعر شوقي أبي شقرا لحوار طويل. أدرك اسكندر أنه كتب كثيراً ولم ينتبه إلى حجم التراكم واتجه لينشر ما استطاع إليه سبيلاً. وبتقديري، لا تزال لديه مخطوطات قيد النشر. بنى اسكندر حبش ثقافته على قراءات معمقة لفلاسفة وشعراء كبار مثل برداييف وتابوكي وبيسوا وغيرهم وكان يترجم نصوصهم بعمق وانتباه.

التقيته منذ مدة في زاوية من شوارع راس بيروت، ولم أعرفه لو لم يرفع الكمامة عن وجهه. ومسحت دمعة وقعت في القلب. أخبرني الأب الصديق بولس وهبه أن اسكندر اتصل به وطلب إليه أن يصلّي على روحه في «كنيسة مار مخايل المزرعة» عندما ينتقل. سأله الأب وهبه: «ولماذا اخترتني أنا»؟ فأجاب اسكندر: «لأنك لا تعرف كم استفدت منك من دون أن تدري، وساعدتني على الانتقال من الإيمان البسيط إلى الإيمان العميق». كان بيني وبين اسكندر خط رياضي في كرة القدم، ففي زمن اليفاع كان يلعب مع نادي «الشبيبة المزرعة»، وكنت ألعب مع نادي «النهضة» وبقينا نحنّ ونتذكر.

لبث اسكندر يحتفظ بعفوية طفولية كانت تظهر بجمله وتعبيراته وفي الهدوء الذي يلفه. أخذته الأيام إلى متاهة بين الواقع والحلم والألم والكلمة، الكلمة التي صارت بديلاً من حياة تناثرت فصولها. حاول اسكندر أن يتخطى أزماته، لكنها كانت تعود إليه ويعود إليها. كانت الكتابة سفينته الأخيرة في هزيعه الأخير، ولم تعد هناك مسافة بين الأنا والصوت، ولا بين نقطة ضوء متلاشية ونفق الظلمة الشاسعة. وكان عليه أن يكتب شيئاً أخيراً حين لا يكون هنا لتظل معه ويظل معنا.

◀ مكالمات لم يردَّ عليها

سامر محمد إسماعيل - كاتب وصحافي سوري*

لا أزال أحاول الاتصال مع صديقي القديم. أحاول ذلك عبثاً على رقم خط هاتفه اللبناني، ومرات عبر خدمة الماسنجر، أحملق في شاشة هاتفي النقال، فأجد أنه كان نشطاً قبل ثلاثة أيام. أدخل إلى سجل الدردشة معه.

آخر مرة كان عام 2020. كان الحوار يدور حول لقاء قرب بحر بيروت، أردفها بعبارة كانت لازمة دائمة في حواراتنا «إن ما سهرنا ببيروت منسهر بالشام». هذه المرة فقط، كان عليّ أن أستبعد فكرة تهكير حسابه على فايسبوك، أو تغيير رقمه على الواتس آب. كل المنافذ الممكنة للتواصل مع صاحب «أشكو الخريف» تبدو مقفلة حتى إشعار آخر.

تعود بي الأيام إلى لقائي الأول به في أمسية جمعت شعراء عرباً وسوريين كانت قد أقامتها احتفالية «دمشق عاصمة للثقافة العربية» عام 2008. أهديته نسخة وقتها من ديواني الأول «متسوّل الضوء». الكتاب الحائز «جائزة الشعراء الشباب» في تلك التظاهرة لفت نظره إلي، ولا سيما بعدما عرف أنني من قرّاء مقالاته في جريدة «السفير».

لم يتأخر إسكندر وقتها في إرسال أسئلة لي عبر البريد الإلكتروني. كانت أسئلة الحوار الذي أجراه معي في الصفحة الثقافية لجريدة «السفير» اللبنانية. لم يكن إسكندر حبش ممّن يخصصون الحوار مع نجوم الشعر، بل كان يبحث دائماً عن أصوات جديدة للإضاءة على تجربتها والاحتفاء بها. عرفت ذلك بعدما أصبحت مراسلاً للقسم الثقافي لجريدة «السفير» من دمشق. كان ذلك حدثاً استثنائياً في حياتي المهنية ككاتب وشاعر. وجدتُ في «صوت من لا صوت لهم» مساحة جديدة للتعبير، وفسحة لاكتشاف النص الذي أتوق إلى كتابته.

منذ ذلك الحين، لم تنقطع علاقتي مع إسكندر حبش. كنت يومياً على تواصل معه. نبحث عن أفكار جديدة، عن مقالات تتناول المسرح والسينما والفن التشكيلي والموسيقى والرواية. كان صوت صباح ينبعث من سماعة الهاتف «ألو بيروت من فضلك يا عينيّ». الأغنية التي كان المجيب الآلي يرددها عند الاتصال بأرقام جريدة «السفير».

وهو المكان الذي فقدته كما فقده إسكندر بمرارة لا تعادلها مرارة، فلقد كان الرجل يعتبرها بيتاً له وملاذاً. عندها فقط صرت أشعر بأن كل كلمات العزاء لن تطوي حزن الاسكندر. حاولت أنا وعدد من الأصدقاء ألا نترك إسكندر وحيداً في مأتمه، وأقمنا له أمسية في بيت دمشقي بالشراكة مع الشاعر أحمد كنعان والناشر الفلسطيني سعيد البرغوثي.

كانت الأمسية بمنزلة احتفاء بتجربة هذا الشاعر والصحافي والرسام. حضر عدد من نقّاد حلب ودمشق وحمص إلى تلك الأمسية، لعل أبرزهم كان الناقد الحصيف نذير جعفر.

لكن الحزن كان رفيق إسكندر. الحزن وحده من ضعضع قامته المديدة، وبلّل لحيته الكثة، وأهطل دموعه من خلف نظارتيه الشاعرتين. كيف يمكن اليوم التقاط تلك اللحظات التي جمعتنا في بيروت وطرطوس وحلب ودمشق. تلك الأمسيات التي كان إسكندر يرفع فيها الأنخاب لأصدقاء حفوا به من كل حدبٍ وصوب، خصوصاً أنّ إسكندر كان قد عقد العزم على بيع بيته في محلة الرملة البيضاء في بيروت كي يشتري بيتاً في دمشق القديمة.

المكان الذي كان حبش يعتبره فردوساً ملهماً للشعراء. اليوم لا يخطر في بالي سوى مشهد واحد. هو مكتبة الرجل وهي تهوي بكتبها ومجلداتها ولوحاتها الصغيرة في القبر الذي يضمّ جثمان هذا الشاعر. أجل ادفنوا كتبه معه، فلم يتخيل إسكندر الجنة يوماً إلا على هيئة مكتبة.

◀ قبعة الإخفاء ليرانا ولا نراه

عبد الحليم حمود ــ روائي وناشر لبناني*

كأنّ موته شهقةُ مدينةٍ أدمنت وداعاتِ أبنائها. كأنّ بيروت نفسها نسيت أن تتنفس. الهواء فقد شيئاً من نكهته، والضوء صار أضعف في زوايا المقاهي التي اعتاد أن يجلس فيها. كان يملك تلك القدرة الغامضة على تحويل العادي إلى استثناء، والنمط اليومي إلى لحظة قابلة للتأمل: فنجان قهوة، جريدة مطوية، لون أزرق على جدار قديم، كلمة عابرة في حديثٍ تافه. كلّ ما يمرّ عبره يكتسب طابعاً جديداً من الحياة، كأنّه يوقظ الأشياء لتشهد معنا على وجودها.

كان يدخل المقهى في الصباحات الباردة، يرفع يده بتحيةٍ دافئة إلى نعيم صالح، بائع الصحف الأشهر في كشكه الصغير، يسأله إن كانت وصلت المجلة التي ينتظرها. يتابع بعدها سيره بخفةٍ غريبة، يختفي وراء كمامةٍ فرضها عليه السيّد «سين» الذي جعله أكثر نحولاً، وأكثر انتباهاً لتفاصيل الآخرين، بينما التبس شكله على الأصدقاء، كأنّه بقبعته السوداء يرتدي قبعة الإخفاء. يرى كلّ شيءٍ ولا يُرى. أتُراه كان يتدرّب على الغياب؟

حين يتحدث، تتدفق المدن من صوته: باريس بخطواتها المترفة، طرطوس برائحة ملحها وعطر شيرين، الصوانة برائحة الطيّون والشواء عند شبيب الأمين، وجدرا كمركزٍ اضطراري بعد إغلاق «السفير». كان يؤمن أنّ المكان يكتبنا أكثر ممّا نكتبه، وأنّ الذاكرة لوحةٌ تُعاد قراءتها كلّ يومٍ بصياغاتٍ رديئة.

في المساءات، كان يضحك بصوتٍ خافتٍ يشبه المطر حين يلامس الزجاج، يروي نكتة ثم يصمت طويلاً، كأنّه يخشى أن يوقظ حزنه. أحياناً يغضب، يحظر صديقاً على فايسبوك، ثم يتصل به في الصباح ليقول: «اشتقت، غضبي كان لحظةً بلا معنى».

اسكندر، أستاذُ المدرسة الذي يسند قصائدَ الشاعر، والشاعرُ الذي يغذّي مخيلةَ الناقد، والناقدُ الذي يُحسن اختياراتِ الترجمة. أقانيمُ محتشدة يُعيد تفخيخها وتفجيرها بمشاهدته مباريات كرة القدم التي يقاربها بعقل فيلسوفٍ يوناني. هو الأرثوذكسيّ الذي أدمن لطميات باسم الكربلائي، بكلّ ما فيها من غضبٍ ودمع.

◀ حديث ودي مع إسكندر

صفاء سالم إسكندر ــ شاعر ورسام عراقي*

كان الحديث في بدايته عن المشهد الثقافي، وما يعتريه من تنافس بين أبناء الجيل الواحد. سألته:
ما رأيك بجماعة الجيل الواحد في الوسط العراقي؟

قال: اختزال الثقافة العراقية بجواب واحد أمر صعب جداً. ما تطرحه يصلح لحوار مطوّل. العراق أنجب الكثير من شعراء الصف الأول. مرجعيتي الشعرية عراقية قبل أن تكون لبنانية. سركون بولص شاعر عظيم ومن أبرز الحداثويين. وكذلك فاضل العزاوي. وهناك شاعر أحببته ولم ينل حقه كما ينبغي: صادق الصائغ… هذا رأيي المتواضع.
سألته لاحقاً:
وما رأيك بسامي مهدي؟
فأجاب:
شاعر كلاسيكي عظيم… بعيداً من السياسة.
ثم تغيّر مسار الحوار، وتبادلنا الأدوار بين السائل والمجيب.
قال لي فجأة:
- سأعترف لك بشيء… أنا مسيحي لكنني أحب السيد نصر الله وأعشقه.
ثم سألني:
هل سمعت بمجلة «ميكروب»؟
أجبته بالنفي، فقال:
- هي مجلة صدرت في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. أصدرها شبيب الأمين وإسكندر حبش في بيروت.
قاطع الحديث...
- عليك أن تزور بيروت من أجل النبيذ!
ثم استعاد ذكرى زيارته لبغداد:
- أكلت المسكوف هناك، ووضعوا الشراب في تنك البيبسي. في المناسبة… ماذا تسمّون اللبن في العراق؟
أجبته: «روبة».
- هذا هو! سأكتب شيئاً وأهديه لك… ويجب أن أعود إلى بغداد قريباً. لدي كتاب سردي انتهيت منه قبل سنتين ولم أنشره بعد.
عدت إليه بالسؤال الذي ظل معلّقاً:
ما رأيك بالأجيال الشعرية العراقية الجديدة؟
- سؤال صعب وكبير… يحتاج التفكير فيه كثيراً.
تابعت:
هل يمكن أن تذكر أسماء من هذا الجيل رسخت في ذاكرتك إلى جانب النصوص العالمية؟
- انسَ العالمية… هذه كذبة، أحب شعر أحمد عبد الحسين لأنّي قرأته جيداً. كذلك محمد مظلوم… هذا ما كان يصلني.
وسألته أخيراً:
وماذا عن باقي الأسماء؟
- باسم المرعبي، جيل الثمانينيات، أعتذر لا أعرف الجيل الجديد جيداً.

◀ اللغة بيتك الأول ومثواك الأخير

باسل الأمين ــ شاعر لبناني*

«أكْتبُ منطاداً يا إسكندر/ وأغادر هذه الجبال» (شبيب الأمين)
عندما يموت جسد الشاعر لا تموت لغته، ولكن عندما تموت لغته، يموت هو بدوره. يرحل الشعراء ولا يتغيّر شيء في هذا العالم، لا تتوقف الأرض عن الدوران، ولا تنهار السماء، ولا يتغيّر شيء في المشهد العام. يبقى الشعر يبقى طليقاً ولا يبحث سوى عن حريته التي منحها إيّاه الشاعر.

تطير القصيدة وتتحوّل من لغة إلى مكان، ثم إلى زمن بأكمله. تخرج القصيدة، ليس من فم الشاعر، بل من مكانٍ آخر سحيق في داخله، من هوّة بينه وبين نفسه، كما يخرج فتى من بيت أهله لأول مرّة باحثاً عن معنى البيوت. القصيدة هي بيت شاعرها وقبره أيضاً، هي أمله ومأساته، ذاته وغربته عنها.

هكذا كان إسكندر حبش. عاش في اللغة كما يعيش المرء في بيته الأخير. كان يعرف أن الكلمات لا تنقذه من العالم، لكنها تمنحه عزاءه الوحيد. كتب في «لا أمل لي بهذا الصمت» كمن يصف قدره الشخصي، وابتسم في «نصف تفاحة» لتلك المرارة الحلوة التي ترافق الحب والغياب. كان يعرف أن الشعر لا يغيّر شيئاً في الخارج، لكنه يبدّل شيئاً صغيراً في داخل من يكتبه.

كان يراقب العالم بعين من يعرف هشاشته، ويغفر له رغم ذلك. كان ناقداً وشاعراً ومترجماً، لكن قبل أي شيء كان إنساناً يخاف على اللغة من الصمت. حين ترجم بيسوا، بدا وكأنه يترجم نفسه: تعدّد الأصوات، التباس الهوية، والكتابة كنجاة مؤقتة. وحين كتب عن «السيد س» في سنوات مرضه، لم يكن يسجّل يوميات جسد يتعب، بل سيرة لغة تقاوم النهاية.

كان يحب بيروت كما يحب المغترب مدينته التي لا يعود إليها. عاش بين جدران الصحف، يكتب عن الآخرين ليحمي شيئاً من ذاته. وعندما أغلقوا «السفير»، كتب كما لو أنّ جداراً آخر سقط في داخله. ومع ذلك، لم يتوقف عن الكتابة، لأن القصيدة كانت ما تبقّى له من العالم.
اليوم، حين نقرأه، لا نحزن على غيابه بقدر ما نحزن على اللغة التي كانت تعرف صوته. فبعض الكلمات لا تُقال إلا كما كان يقولها هو، ببساطة مُتعبة، بحنانٍ خائف. كان يتكلّم كمن يعتذر للغة عن كل ما فعلناه بها، ويترك لها أن تغفر لنا بالنيابة عنه.

إسكندر حبش لم يمت. رحل فقط إلى الجهة الأخرى من القصيدة، إلى ذلك المكان الذي تُقال فيه اللغة من دون صوت، وتُكتب من دون يد. هناك، ربما، ما يزال يبتسم لذلك الفتى الذي خرج من بيت القصيدة باحثاً عن معنى البيوت، ولم يعد تماماً كما فعل شوبان حين ترك قلبه في وطنه، وغادر بجسده إلى منفاه.

◀ اسكندروف

فيصل الأشمر ـ مترجم وكاتب لبناني*

أمور كثيرة تختلط في رأسي ولا أعرف من أين أبدأ، لكن لا بد من بداية، سأحاول البحث عن رأس خيط كرة الصوف لأبدأ الحديث عن «اسكندروف».

منذ زمن بعيد كنت أقرأ اسمه في صفحة «السفير» الثقافية، وفي بعض المجلات الأسبوعية والشهرية. وكان بالنسبة إلي كالقمر الذي لا يُطال، أنا المقيم في جنوب الجنوب وهو المقيم في بيروت. وحتى حين جئت إلى بيروت للدراسة منعني خجلي وانطوائي، اللعينين، من زيارته في «السفير» إلى أن وُجد فايسبوك وطلبتُ «صداقته»، ثم تجرّأت يوماً على إرسال رسالة أسأله فيها عن رأيه في المقاومة، وجاءني رده البسيط: ابنُ عمي جورج حبش، فما رأيك سيكون رأيي؟

بعد ذلك لم نتراسل فايسبوكيّاً إلا في رسائل قليلة سريعة، كانت كافية لي كي أكتشف من هو اسكندر حبش، الذي أخبرني أنّ أمه جنوبية من الخيام، وأنه يحب الجنوب كفلسطين، وأنه يقضي الكثير من الوقت لدى أصدقاء في الجنوب.

ويوماً سألني عن «حسيبة»، قارئة العزاء التي كانت تقصد القرى لقراءة العزاء في ذكرى وفاة رجل في قرية أو امرأة في أخرى، وقلت له أعرفها، فسألني: كيف أستطيع الحصول على كاسيت لها؟ قلت: عندي. تذكرت أن والدتي لديها كاسيت لحسيبة، طلبته منها والتقيت باسكندر، وكان سروره عظيماً حين تناوله من يدي قال: أهديتَني هدية رائعة.

وكم كان يرسل لي من أناشيد عربية أو لاتينية ومن موسيقى فارسية، وكم كان ينهي حديثه معي على واتس أب بصورة ملصَق للسيد نصر الله يلقي التحية، وكنت كلما سألته كيف حالك أجاب: لا بؤس.

كان يحدثني عن مواقف كثير من المثقفين المرتزقة، الذين لا يجرؤون على التصريح بموقف مؤيد لفلسطين أو المقاومة خوفاً من عدم دعوتهم إلى مهرجانات الأدب والثقافة في ممالك وأنظمة الجهل، وكان يخبرني عن المرات التي رفض فيها تلبية دعوات كهذه، لأن مواقف الدول الداعية مواقف جبانة ضد العدو الإسرائيلي، أو متواطئة معه، أو مطبعة.

كان يحدثني عن وضعه المالي الصعب، حديثاً من غير شكوى، وكنت أعلم أنه لو شاء لحلّ أزمته المالية باتصال بجهة أو سفارة. لكنني كنت أعلم أنه أرقى من ذلك وأنقى، كان يقول: نعيش الحياة مرة واحدة، فلنعشها بشرف.
قبل مرضه اتصل بي: أريد وشيرين زيارة ضريح السيد، أتعرف صاحب تاكسي يوصلنا؟ قلت له: كل التاكسيات بأمرك حين تشاء، لكن المرض شاء أمراً آخر.

عزيزي اسكندروف، حين أرسلت لي زوجتك العزيزة شيرين: «راح حبيبي»، سالت من عينيّ قطرتان، قطرة لأننا لم نلتقِ كثيراً، وقطرة على رحيل مثقف وشاعر ومترجم جميل الروح، إنسان شفاف كنور الفجر، وديع أنيق كسهل الخيام. «لا بؤس» يا عزيزي، «لا بؤس»، سنلتقي في الجنوب يوماً، نتناول المناقيش في منزلنا في العديسة الحدودية، رغم تدميره، ونكمل السير إلى فلسطين، هكذا اتفقنا يوماً، وهكذا سيكون.

◀ جمع ذكرياته ومات

عامر الطيب - شاعر عراقي*

فجأةً هبط عليّ خبر رحيل إسكندر حبش، ذلك الاسم الذي لمحته كثيراً على أغلفة كتب وحسدته على سعة اطلاعه على الشعر. في الخريف مات حبش تاركاً خلفه كماً من الشعر الشخصي والمترجم. الخريف كان أحد عناوين كتبه ولعل الأمر لا يبدو صدفة أو أننا الشعراء حاذقون في تأويل الحركات الكونية العابرة وإسكندر ليس بريئاً من تلك اللوثة بالطبع.

من «فلسفة الرغبة» لفردريك لونوار إلى «موت في منتصف الصيف» لمشيما إلى حوارات حول الطغيان لبيسوا إلى عناوين أخرى مترجمة بنحو يدل على ذائقة فريدة وإحساس عال بما تحتاجه مكتبة القارئ العربي. شكل حبش مكتبة معرفية تشرفُ كل من عرفه عن كثب وتدفعه كل من لمح اسمه للزهو بصنيع الرجل.

أما حبش الشاعر، فلم أقرأ له شيئاً إلا قصائد متفرقة بعد لحظة موته، وبما أني لست بصدد كتابة رثاء أو تقديم قراءة عما صنعه هذا الرجل شعرياً، فإنّ حبش سيظل بالنسبة لي مترجماً قديراً و مؤثراً بشكل خاص.

ومن ناحية أخرى، لم تكن لي علاقة شخصية بالرجل ولا ذكريات معه لكن كتبه هي الذكريات الأشد فائدة وجاذبية. ومن الصدف الطريفة المؤلمة أن عنوان مختارات الشعر البرتغالي التي جمعها وترجمها لسد نقص المكتبة العربية التي لم تعرف شيئاً عن هذا الشعر بشكل كبير إلا عبر بيسوا، كان «أجمع الذكريات كي أموت». جمع حبش ذكرياته ربما بشكل غير كافٍ ومات.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك