لمحات


■ عزة شرارة بيضون
يكشف كتاب «ماذا يعلّمون؟ كيف يتعلّمون؟» (هاشيت - أنطوان) للباحثة اللبنانية عزّة شرارة بيضون عن عمق العلاقة بين التربية والمجتمع، عبر مشاهدات وشهادات تبدو جزئية في ظاهرها لكنها تُضيء على بنى السلطة والصراع في الداخل اللبناني. يتتبّع الكتاب كيف تتحوّل القضايا التربوية، مثل التربية الجنسية المدرسية، إلى ساحة مواجهة بين القوى العلمانية والطائفية، إذ ينعكس التوتر السياسي في قلب المدرسة، فتغدو المناهج ميداناً للصراع بين الحداثة والمحافظة. يرصد الكتاب أيضاً تجارب المعلمين داخل الصفوف، أولئك الذين يعملون بصمت وإخلاص بعيداً من ضجيج السياسة، مؤمنين بقدرة التعليم على الإصلاح. عبر هذه المشاهد اليومية، يكشف النص عن وجود حياة تربوية موازية للحياة العامة، حياة يسكنها الأمل والرغبة في التغيير، رغم القيود الاجتماعية والسياسية. بهذا المزج بين التحليل السوسيولوجي والملاحظة التربوية، يُقدّم الكتاب تشخيصاً دقيقاً لأزمات التعليم في لبنان، حيث تنعكس الانقسامات الكبرى في تفاصيل الحصص والصفوف، وحيث يبقى السؤال معلّقاً: ماذا نُعلّم وكيف نتعلّم في مجتمع لم يحسم بعد معنى التنوير ذاته؟
■ ماجد كيالي
يجمع كتاب «مدونة ليست شخصية... من دفاتر الزمن الفلسطيني - السوري» (دار كنعان) للكاتب الفلسطيني ماجد كيالي بين التأمل الشخصي والتحليل السياسي، مقدّماً تجربة فلسطينية ــ سورية متشابكة مع أحداث المنطقة. عبر خمسة أبواب، يستعرض المؤلف نشأته ونشاطه السياسي المبكر في حركة «فتح» في الأردن، ويعود إلى أيامه في مدينة اللّد، ليعرض تجربته الثقافية والأدبية وتنقُله بين نيويورك وإسطنبول وبرلين، قبل العودة إلى دمشق. الكتاب ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل خلاصة تجربة فردية وجماعية، متشابكة مع السياسة والحياة اليومية، تحمل في طياتها لحظات الألم والخسارة، جنباً إلى جنب مع الأمل بالمستقبل والحرية والكرامة. كما يُسلّط الضوء على أهمية الذاكرة والكتب والمكتبات في تشكيل الوعي الفردي والجماعي، ويُعرّف القارئ بالرحلة الطويلة للمؤلف بين النكبات والانكسارات والإنجازات.
■ عروة المقداد
تختصر نوفيلا «ليلة السكاكين» للكاتب والمخرج السوري عروة المقداد، التي صدرت حديثاً عن «دار نوفل/ هاشيت أنطوان»، حكاية بلد بأكمله في رواية قصيرة عميقة، بل ربما حكاية المجتمعات البشرية المأزومة في عالمنا. تدور الأحداث حول قرية صغيرة مجهولة تقع فيها جريمة مروعة تتجاوز، في نظر الراوي، فظائع الحرب ذاتها: قتل «ابن سلامة»، بطلها الأسطوري الذي مجّدته وغذّت أسطورته لسنوات طويلة بعد غيابه، ليتواطأ أهالي القرية في قتله والتنصل منه في لحظة الاستحقاق.
تكشف النوفيلا غرق المجتمعات المتخلّفة في عالم الأساطير والتوق للخرافة، وحاجتها المرضية إلى صناعة بطل يغذّي مخيالها الجمعي ويكون وسيلتها للهروب من إفلاسها وواقعها المأزوم. يتمكن المقداد من توصيف أقسى مشاهد العنف وتفكُّك المجتمع بأسلوب سلس ومشوّق، ليورط القارئ في صراع بين التعاطف مع البطل والنقمة على خذلان أهالي القرية له، جاعلاً من «ليلة السكاكين» تشريحاً أدبياً لمأساة المجتمعات التي تقتل ابنها.
■ عرفان أحمد
يقدّم عالم الاجتماع الهندي عرفان أحمد في كتابه «الدين بوصفه نقداً: التفكير النقدي الإسلامي من مكة إلى ساحة السوق» (2017) الصادر أخيراً بالعربية عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» (ترجمة ياسر ثابت)، رؤية جديدة لمفهوم النقد من منظور إسلامي. يتجاوز الكتاب الفكرة السائدة التي تعتبر النقد حكراً على الحداثة الغربية، ليؤكد أنّ الإسلام يمتلك أدواته الخاصة لمساءلة الواقع والسلطة، وأن النقد فيه ممارسة حيوية متجذرة في تفاصيل الحياة اليومية، من الأسواق إلى المساجد والمجالس العامة. يعرض أحمد جذور التفكير النقدي في التراث الإسلامي، مستنداً إلى مفاهيم مثل الاجتهاد، والتقوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويستشهد بأمثلة من تجارب المفكرين الإصلاحيين الذين مارسوا نقداً مزدوجاً للهيمنة الغربية والانحرافات الداخلية في المجتمعات الإسلامية. يخلص الكتاب إلى ضرورة إعادة تعريف الحداثة نفسها كمشروع متعدد الأوجه، لا يقتصر على المعايير الغربية، ليصبح الدين قوة نقدية خلّاقة قادرة على مساءلة الواقع وإلهام التغيير، وفتح حوار عالمي يقوم على الاعتراف المتبادل بين الثقافات.




