ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

روبرت بلاي: صرخةُ «الرُّجولة» ضدَّ «جنون الإمبراطورية»

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

يُوصف الشاعر الأميركي روبرت بلاي (1926 -2021) بأنه أحدُ أكثر الشعراء إرباكاً وإثارةً في حقبة حرب فيتنام، ولا سيما لبعض النقَّاد الذين لم يفرِّقوا بين الشعر السياسي والشعر الاحتجاجي.

محمد مظلوم
محمد مظلوم
السبت 8 تشرين الثاني 2025
أسَّسَ عام 1966 «رابطة الكتّاب الأميركيين المناهضة لحرب فيتنام»
أسَّسَ عام 1966 «رابطة الكتّاب الأميركيين المناهضة لحرب فيتنام»
الخط


يُوصف الشاعر الأميركي روبرت بلاي (1926 -2021) بأنه أحدُ أكثر الشعراء إرباكاً وإثارةً في حقبة حرب فيتنام، ولا سيما لبعض النقَّاد الذين لم يفرِّقوا بين الشعر السياسي والشعر الاحتجاجي.

ومع أن هؤلاء حاولوا قراءة شِعره في سياق شعر حرب فيتنام تحديداً، والسياق الأوسع لشعر الحرب الحديث عموماً، فقد ظلّ شِعْرُ بلاي مربكاً لهم. والواقع أن بلاي، في سلوكه ورؤياه وكلماته، يبدو وكأنه يرسل رسائل مُلتبسة ومُربِكة. لكن حتَّى منتقديه يُجمعون في النهاية على أنه بلغَ مرحلةً متقدمة عَلَى غالبية مجايليه من الشعراء المناهضين للحرب بحيث بدا ما كتبه في هذه القصائد متجاوزاً الشعر الاحتجاجي إلى التحليل السياسي.

حينَ نشر ديوانه الشعري الأول «صمت في حقول يغطيها الثلج» (1962)، أعلن عن ولادة صوت غنائي جديد ومهمٍّ في الشعر الأميركي. فقصائد هذا الديوان قصيرة ومشحونة بصور من الطبيعة تبدو كالمرايا التي تعكس دواخل الإنسان. قصائد تتجنب البلاغة المفرطة وتتسم بالجملة القصيرة لإضاءة حالة داخلية بنفحة صوفية أو كشف حقيقة إنسانية بسيطة وعميقة بأسلوب مقارب لتجارب المدرسة التصويرية في اعتماد الصورة المكثفة، لكنه يضيف بُعداً عاطفياً قوياً يجعل من كل قصيدة دراما قصيرة أو نداء داخلياً، تُفصحُ في الوقت ذاته عن قلق أخلاقي إزاء حال المجتمع المعاصر.

حرب فيتنام

ومع التدخل الأميركي في حرب فيتنام، تحوَّلَ بلاي من شاعر تأملي في الطبيعة. إلى شاعر احتجاجي على الحرب. وأظهر في كتابه الثاني «النورُ يُحيطُ بالجسد» (1967) مواقف اجتماعية وسياسية قوية. واستمرَّ هذا التناقض الظاهري الذي مثله هذان الديوانان المبكران يتنازع تجربته الشعرية. فهو في تأمّله أبرز شعراء الشامانية العرفانية الأميركيين في عصرنا، وفي احتجاجه أحد أقوى الأصوات الشعرية الصارخة ضدَّ الحرب!

وقد حاول عددٌ من النقَّاد قراءة شِعره الاحتجاجي عبر المنظور الأوسع للمناقشة النظرية، لأنه «يخاطب العالم بأسره باستمرار» و«يتنبَّأُ بالاحتمالات».

فهو شاعر «يعالج الموضوعات السياسية والتاريخية والروحية بشغف»، وبالتالي يمكن النظر إلى «النور يحيط بالجسد» بوصفه محاولة لصياغة لغة يمكنها استيعاب كل من «العالمين الخارجي والداخلي». أما بلاي نفسه، فيرى أنّ «كتابة الشعر السياسي لا تختلف عن كتابة الشعر الشخصي، فكلاهما اندفاع مفاجئ للشاعر إلى الداخل». ذلك أن المشاعر العاصفة في حرب فيتنام جعلته يتيقَّن بأن «الإنسان الداخلي لا يستطيع البقاء إلا إذا تحدَّثَ الإنسان الخارجي»، فقدم في «النور يحيط بالجسد» بياناً شعرياً أقوى من البيان السياسي.

تبرّع لحركات المقاومة

ومن اللافت أن هذا الديوان الاحتجاجي منح «جائزة الكتاب الوطني» في أميركا، في محاولة لاستيعاب شعراء مناهضين لا يمكن غضّ النظر عن أهمية تجاربهم كما حدث مع أدريان ريتش التي رفضت «الجائزة الوطنية للفنون». لكن المفارقة المضادة أن بلاي قَبِلَ الجائزة المالية بخطابٍ لم تعتد أميركا على سماعه من أحد شعرائها الكبار: «لقد منحتموني جائزة عن كتاب يحتوي على كثير من القصائد التي تدين الحرب. أشكركم على الجائزة.

أمَّا المبلغ، فأتبرَّع به إلى جماعة تُقاومُ التجنيد، وتحديداً لحركة المقاومة»، فشاعر كروبرت بلاي لا يمكن أن يحظى بتكريم من السلطة بوصفه شاعر البلاط الأميركي. ولن يقبل دعوةً إلى البيت الأبيض لتناول الشاي، لأنَّهُ يروي الكثير من الحقائق عن الذات الأميركية بما لا يجعله مؤهلاً لأن يحظى بمثل هذا التكريم!

أسَّسَ عام 1966 مع فرلنغيتي «رابطة الكتاب الأميركيين المناهضة لحرب فيتنام» التي أصبحت منبراً للأصوات المناهضة للحرب، وقام بتنظيم قراءات شعرية احتجاجية جماعية في أرجاء أميركا، جُمعتْ فيها تبرعات كبيرة لحركة السلام. وأسهم بحيوية في النقاش النقديِّ والشخصيِّ والشعريِّ والاجتماعيِّ والسياسيِّ الذي أحاط بعمله، وكان غزير الإنتاج شاعراً وناقداً ومترجماً.

فقد نشر عشرات الكتب من شعره ونقده، ومختارات واسعة من ترجماته لشعراء آخرين (من بينهم ريلكه، ولوركا، وجورج تراكل، وسيزار فاليجو، وخوان رامون خيمينيث، وبابلو نيرودا، وتوماس ترانسترومر، وأنتونيو ماشادو، وسواهم) ومختارات بعنوان «الملائكة يطرقون باب الحانة» لحافظ شيرازي. كما أعاد صياغة الترجمات الإنكليزية لقصائد الشاعر الصوفي الهندي كبير استناداً إلى ترجمة طاغور، وكذلك قصائد الشاعر الهندي ميرزا أسد الله خان غالب.

وتعد هذه الاختيارات الشرقية جسراً شعرياً ذا بُعد رمزي، إضافة إلى عشرات المراجعات والمقالات النقدية عن الشعراء والشعر ونظرياته وتجاربه الشعرية.

الرجولة الأميركية الجريحة

إضافة إلى شِعره وترجماته، كتب بلاي أحدَ أكثر الكتب إثارةً للجدل، فوسط موجات «النسوية» و«المثلية»، أصدر كتابه المهم «جون الحديدي ــ كتاب عن الرجال» (1990) مستعيناً بعلم النفس (اليونغي) وعلم الإنسان والأساطير والفولكلور، ومقتدياً بمرشديه من الشعراء النَّبويين والمجانين، كويليام بليك ووالت ويتمان.

رأى أن الرجل الحديث يفتقد إلى الأب الروحي أو المرشد، وأن الكثير من أشكال الرجولة الحديثة مشوّهة أو جريحة. كما أن النزوع إلى العنف والحروب غالباً ما يكون تعويضاً عن خواءات نفسية وإحباطات عاطفية لدى الرجال.

تكمن أهمية هذا العمل الفلسفي في استعادته للتصورات البدائية والصوفية في عصر العقلانية، إذ يدعو إلى استعادة البُعد الأسطوري والروحي لأنّ السياسات الأميركية، في نظره، انعكاس لثقافة فقدت جوهرها الأخلاقي. فالرجولة ليست مجموعة صفات جسدية أو اجتماعية (تتجلى في العنف أو الهيمنة) بل هي رحلة البطل الداخلية الشاقة نحو النضج العاطفي، تتجلَّى في التَّعبير عن الحزن، والاعتراف بالجرح، والتمسك بالرحمة والالتزام الأخلاقي، وتحمل المسؤولية إزاء التحديات، والقدرة على مواجهة الذات. إنها فعل مقاومة أخلاقية، وغياب طقوس تنشئة الرجال في المجتمع المعاصر يؤدي إلى تفكك مراحل النضوج، فبدون انتقال واضح وراسخ ثقافياً من الطفولة إلى الصبا والنضوج، يضيع الرجل بين الطفولة والهيمنة الغاشمة، ما يدفع بعضهم إلى البحث عن إثبات قسري للهوية عبر الحرب والعنف: «دفعت حربُ فيتنام وعنفُها الرجالَ إلى التساؤل: إن كانت الرجولة تعني فيتنام، فهل كانوا يرغبون أصلاً في أن يكونوا رجالاً؟»

الروح الجشعة و«جنون الإمبراطورية»

وإذ أدانَ بلاي الثقافة الأميركية في «جون الحديدي» من منطلق نفسي ــ ثقافي، فإنه أدانَ السياسة الأميركية في ديوانه «جنون الإمبراطورية» (2004) من منطلق أخلاقي ــ سياسي. فقصائد هذا الديوان استئناف لتقليد الاحتجاج الشعري على الحرب وإدانة للغزو الأميركي للعراق بوصفه أزمةً خارجية لا تنفصل عن إدانته لأزمة الرجولة الأميركية من الداخل. ففي العملين، يتناول أزمةَ الرجولة والهوية الداخلية للرجال وكيف تتحول انحرافات هذه الهوية إلى عنف، بل إلى «جنون الإمبراطورية»، فالجرح النرجسي للرجولة قاد «الروح الجشعة» إلى نزعة الهيمنة. فلم تكن الحرب بالنسبة إليه سوى حلقة جديدة في المسلسل نفسه: استخدام القوة العسكرية الغاشمة، مدفوعة بنفس الروح الإمبراطورية والوهم بالهيمنة.

يقول في تقديمه لكتابه «جنون الإمبراطورية» وهو مجموعة قصائد، بعضها كُتبَ في حقبة فيتنام وبعضها الآخر أعمال جديدة: «فوجئتُ وأنا أعيد قراءة كتاب «النور يحيط بالجسد»، الذي نُشر عام 1966، بمدى قلة التغييرات التي طرأت منذ ذلك الحين. فما زلنا معصوبي العيون، وما زلنا نسير تحت قيادة حكَّام هذا العالم، حتى اضطررنا إلى الرؤية بأعينهم. فالأميركيون يشاهدون المناظرات الرئاسية ليس لاختيار أفضل مرشح، بل لمعرفة ما إذا كان الساسة يؤدُّون أداءً جيداً في التظاهر بأنهم شخص آخر.

ففي الحرب التي شنَّتها أميركا على العراق، لا نحسب الخسائر المدنية العراقية، بل الجثث الأميركية فقط. أميركا حين تشنُّ الحروب، فإنها تطلقُ العنان «للروح الجشعة»».

وفي قصيدة «نداء واستجابة»، يدين الصمت على جرائم أميركا ويراه نوعاً من التواطؤ ونتيجة لرجولة فقدت صوتها. فالرجولة التي لا تحتج، رجولة خانعة، وهي ما تنتجه ثقافة تُهمِّشُ البُعد الإنساني لمصلحة الطاعة والامتثال.
ولعل هذه القصيدة خاتمة مثالية لإدانة هذا الصمت الذي أصبح ميراثاً معقداً من الخنوع:
أَخْبِروني لِمَ لا نرفَعُ أصواتَنا هذهِ الأيَّام
وَنَحْتَجُّ عَلى مَا يَجْرِي. ألَا تَرونَ
الخططَ أعدَّتْ لغزْوِ العراقِ وَغِطاءُ الجَليدِ يَذوبُ؟

أقولُ لِنَفْسي: هيّا، اصرخْ. مَا جَدْوَى
أنْ تَكونَ رَجُلاً بلا صَوتٍ؟ اصْرَخْ!
ولْتَرَ مَنْ سَيستَجِيبُ! إنَّهُ نداءٌ واسْتجابة!

عَلينَا أنْ نُنَادِي بِصَوتٍ عَالٍ لِيصَلَ
إِلى مَلائَكتِنا، الثَّقيلي السَّمْعِ؛ فهُمْ يختبئونَ
في جِرارِ صَمْتٍ امْتَلأتْ عَبْرَ حُروبِنا.

هَلْ وافَقْنا عَلى حُروبٍ كَثيرةٍ بِحيثُ لمْ يعُدْ
لنَا مَفَرٌّ مِن الصَّمْتِ؟ إنْ لمْ نرفَعْ أصْوَاتَنا، فَسنُتيحُ
للآخرينَ (وهُمْ مِنَّا) أنْ يَنْهَبوا البيت.

كيْفَ اسْتَمَعْنا لكِبارِ الصَّارخين ــ نيرودا،
وأخماتوفا، وثورو، وفريدريك دوغلاس ــ لنُصْبِحَ
صَامِتينَ الآنَ كَالْعَصافِيرِ عَلى الشُّجيراتِ الصَّغِيرة؟

يقولُ بعضُ الحُكماءُ إنَّ حياتَنا تَنْتَهي في أحدِ أيَّامِ الأسبوع.
أين نحنُ في هذا الأسبوع؟ هلْ صِرْنَا فِي الخَميسِ؟
فَعجِّلْ، واصرخ الآنَ! فعمَّا قَريبٍ يحلُّ ليلُ الأحد.
* كاتب وشاعر عراقي

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك