مازن حيدر... آخر أيّام الحرب الأهلية!
يُعدّ مازن حيدر واحداً من أبرز الأصوات السرديّة الجديدة في الأدب اللبناني المعاصر، يجمع بين حسّ المعماري ودقّة الباحث وفضول الراوي الذي يتوغّل في الطبقات العميقة للمكان والذاكرة.


يُعدّ مازن حيدر واحداً من أبرز الأصوات السرديّة الجديدة في الأدب اللبناني المعاصر، يجمع بين حسّ المعماري ودقّة الباحث وفضول الراوي الذي يتوغّل في الطبقات العميقة للمكان والذاكرة. وُلد في بيروت عام 1979، وتخصّص في دراسة التراث المعماري اللبناني، وأصدر عدداً من البحوث بالعربيّة والفرنسيّة عن عمارة بيروت السكنيّة في القرن العشرين، فانعكس هذا الشغف في أعماله الروائية التي تقارب التاريخ من زوايا الحياة اليومية. في رواياته، يستكشف مازن حيدر الواقع اللبناني طبقةً طبقة، ليصل بعد تصميمٍ وتأنٍّ إلى هيكليّة وتصميم وتنفيذ الحدث من الزاوية الروائيّة التي تسمح له بالكثير من الحركة في مساحةٍ لا متناهية، وهكذا يستطيع تتبّع خيط الحكاية بحريّة تامّة.
في رواياته الثلاث، من «فور ستبس داون» (2017) إلى «الرجاء استبدال الأكاليل» (2023) وصولاً إلى «صيف أرملة صاروفيم» الصادر أخيراً عن «دار نوفل»، يبني حيدر عمارته السردية ببطءٍ هندسيٍّ مدروس، يرصّ حجارة الحكاية كما يرصف المعماري الجدار، جاعلاً من كل تفصيلٍ نافذةً على الذاكرة الجماعية. تدور أحداث الرواية خلال آخر جولات الحرب الأهلية اللبنانية، أو ما يُعرف بـ «حرب التحرير». عبر قرية «عين سرار» المتخيلة الواقعة في جبل لبنان، ترصد الرواية أواخر الحرب الأهلية اللبنانية في صيف 1989، والحالة الانتقاليّة في النسيج اللبناني قبيل شروق العقد الأخير من الألفيّة الثانية. هذه القرية تختزل المشهد اللبناني، في لحظةٍ حرجة غير مطروقة كفاية في أدب الحرب، تتقاطع مع الكثير من المحطّات اللاحقة التي لا تقلّ حرجاً أو عنفاً ضد الحجر والبشر في لبنان، وأيضاً في المنطقة.
يكتب حيدر بلغةٍ دقيقة وهادئة، أقرب إلى عدسةٍ تلتقط ما يتوارى خلف الصخب، باحثاً دوماً عن العلاقة الملتبسة بين المكان والإنسان. في «صيف أرملة صاروفيم»، كما في مجمل مشروعه، يستعيد الذاكرة ليصوغ منها سؤالاً أخلاقياً وثقافياً حول معنى البقاء في بلدٍ تتكرّر حروبه وتتبدّل وجوهها. التقينا مازن حيدر للحديث عن روايته الجديدة والتاريخ اللبناني الشائك والذاكرة و... المستقبل!
■ بدايةً مع «صيف أرملة صاروفيم»، وهو عنوان لافت كمّا عوّدتنا في أعمالك السابقة. هل وضعته قبل الكتابة أو بعدها أو أثناءها؟
- قد تستحق العناوين التوقف عندها ربّما لكونها طويلة نسبياً وتفيض بعض الشيء بالتفسير عن جوهر أحداث الرواية كما في «صيف أرملة صاروفيم» أو لأنها مختارة من تعابير تنبض بواقع مجتمعنا كما في روايتي السابقة «الرّجاء استبدال الأكاليل». أميل فعلاً إلى العناوين التي لا تكتفي بإعطاء فكرة موجزة عن الرواية، بل تلك التي تغمر القارئ بالحلم والدهشة إذا جاز التعبير، وتأخذه في رحلة قبل أن يبدأ الصفحة الأولى. وغالباً ما تأتي لحظة ولادة العنوان مبكراً، منذ أولى مراحل الكتابة، فتصبح خيطاً يقود كل مفصل من مفاصل الرواية، كأنها بوصلة سرّية مثلاً تدل الكتابة على الطريق.
■ لقد انتقيتَ مدةً تاريخيّةً مفصليّةً في تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية في وقتٍ بات فيه تركيز الأدب اللبنانيّ على المدة السابقة أو اللاحقة للحرب. لِمَ هذا الاختيار كفضاءٍ لرواية «صيف أرملة صاروفيم»؟
ـــ أعتقد أنّ حرب لبنان تستحقّ التأمّل في جميع مراحلها، ليس فقط لما تحمله من فصول وتفاصيل عن تاريخنا غفل عنها الأدب والفنون البصريّة، بل لأنّها المرحلة التي أسّست، بل زرعت جذور السلوكيات التي لا تزال تتحكّم بنا حتى اليوم. مَن يراجع الصحافة اللبنانية إبّان حرب السنتين مثلاً (1975- 1976)، يرى كيف تعامل بعض سكّان بيروت مع الأزمة وتبعاتها وكأنّها طارئ شاذ يصعب التآلف معه: بعضهم يطالب بحقّه في التوقف عن دفع بدلات الإيجار بسبب انقطاع خدمة التدفئة في بنايته مع أولى جولات المعارك، وآخرون يستنكرون تقاعس المالك عن ريّ أزهار الحديقة!
حيدر: حرب لبنان تستحقّ التأمّل في جميع مراحلها لأنّها زرعت جذور السلوكيات التي لا تزال تتحكّم بنا حتى اليوم
أمّا اليوم، فقد أصبحت لمولّدات الكهرباء الخاصة تسعيرة رسميّة تحدّدها هيئة حكومية (!). أعود إلى هذه المفارقات لأؤكد على أنّ مفاتيح فهم الحرب متعدّدة، فهي ليست مجرّد رمز للاقتتال، بل دليلٌ أيضاً على مراحل التطبّع مع ما لا يمكن أن يتقبّله أي عاقل. فـ«حرب التحرير» عام 1989، شكّلت المعركة ما قبل الأخيرة في حرب لبنان، وكانت فاصلة بين نزعتين: نزعة للعودة إلى المنطق والعيش في بلد بلا حرب، وأخرى للتطبّع مع الوضع الشاذ والتمادي في الانغماس فيه. وللأسف، غلبت النزعة الثانية على أكثر من صعيد.
■ رغم الزمن الحسّاس للرواية، نجد التركيز على التعليم وأهميّة التسلّح به لبطلة الرواية الشابّة وللصّغار. هل يعكس ذلك واقعاً أو تمنّياً خاصاً تسقطه على الواقع اللبنانيّ اليوم؟
ـــ المفارقة أنّ حرب لبنان نفسها رسمت أسساً للتكيّف مع ظروفها المتقلّبة، فأصبحت للتعليم واستكمال المناهج في فترات الاقتتال، أطرٌ شبه مقوننة، تفرض حضورها مهما كان السياق أو الإطار. وقد بدأ ذلك مع التعليم التلفزيوني وما عُرف بـ«التيلي إيكول» في نهاية عام 1975، ما جعل لبنان من أوائل الدول في العالم، إن لم يكن الأوّل، التي استخدمت التلفزيون لهذا الغرض في ظروف أمنية استثنائية. وإلى جانب ذلك، ظهرت برامج تعليمية بديلة كانت المدارس تعدّها خلال فترات الإقفال القسري. في الحالتين معاً، كانت المثابرة على الدراسة إما تشبّثاً بالتعليم، أو ببساطة وسيلةً للهروب من قسوة الحياة اليومية وملاذاً لعدد كبير من الشبّان والمراهقين. أما واقع اليوم في لبنان، فلا يختلف كثيراً عن تلك الأجواء باستثناء سهولة التواصل ومواكبة الدراسة من بعد.
■ لمَ الصيف وليس الخريف أو الربيع؟ هل هو أملٌ مبطّن يشي بموسم حصاد سلامٍ حقيقيّ؟
ـــــ لأنّ الصيف في الريف اللبناني كان تاريخياً: هو موسم اللقاء بين سكّان المدينة المصطافين وسكّان القرى المقيمين. غير أنّ فترة الحرب والمعارك المتركّزة ساحلاً في معظم الأحيان، قد أعطت هذه المعادلة معاني جديدة. إذ صار المقيمون في القرى، الذين شاء الخلل الاجتماعي أن يكونوا أقلّ شأناً أو مكانةً مقارنةً بأهل بيروت، هم الأكثر حظاً بعدما نعموا بقدرٍ من الأمان، بينما تحوّل أبناء المدن المصطافون إلى نازحين. أمّا الخريف في الرواية، فقد كان الأمل بعينه هذه المرّة. وكأن برودته جاءت لتخفّف من حرارة الصيف اللاهب بأخبار المعارك. وأمّا العودة إلى بيروت في خريف الرواية، فهي تمثّل استرجاع التوازن والهدوء بعد صيف مضطرب.
■ هل في التفاتك لتفاصيل الثمانينيات، مثل عدم القدرة على التواصل الفوري عبر الهاتف، حنين ما؟ أم هو نقلٌ صادقٌ وموضوعيّ كليّاً بعيداً من الرومانسيات التي تعتري جيل هذه الحقبة؟
ــــ إنه في الواقع نقل لتفاصيل الحياة في تلك المرحلة، مع تركيز على ما تغيّر في أساليب العيش اليوم، حتى أثناء الأزمات. فصعوبة الاتصال آنذاك، وأزمة الوقود التي تعيدها الرواية إلى الواجهة، إضافةً إلى الملاحق الإخبارية المتتالية وبعض إعلانات الراديو لمواد غذائية كثُر استهلاكها خلال الحرب، كلها عناصر تضيف للزمن الروائي بُعداً ملموساً. لا، ليس حنيناً، بل استعادة لتفاصيل ترسم الإطار الزمني وتمنحه بُعداً واقعياً إلى حدّ ما.
■ «صيف أرملة صاروفيم» هي روايتك الثالثة؛ كيف اختلفت تجربة الكتابة والنشر فيها، مقارنةً بالتجربتَين السابقتَين؟
ــــ أعتبر أنّ ملامح تجربتي الروائية قد بدأت تتبلور بشكل أوضح مع روايتي الثانية «الرجاء استبدال الأكاليل»، إذ أخذت العلاقة بالذاكرة والتاريخ حيّزاً أكثر وضوحاً وصراحة، مقارنةً بروايتي الأولى التي كانت أقرب إلى تراكمٍ بصريّ غزير، لكن غير مصقول بعد، حمل ربّما بذور ما سيأتي لاحقاً. في «صيف أرملة صاروفيم»، بقي للبناء السردي شيءٌ من الثقل المقصود كما في التجربة السابقة، لكنّه اتخذ هذه المرّة شكلاً دائرياً، ببداية ونهاية تتقاطعان على نحوٍ قد يترك أثراً لدى بعض القرّاء، أو على الأقل، هذا ما كنتُ أطمح إليه وأنا أكتب.
■ ترتكز كتاباتك على لبنان رغم مكوثك في الخارج. هل تفكّر في الكتابة عن تجربتك الفرنسية، أم ما يزال يلازمك طيف الوطن الأم؟
ــــ إقامتي خارج لبنان منذ سنين كانت حافزاً من دون شك على اتّخاذ لبنان كمسرحٍ أساسي للتجربة الأدبيّة والمسرحيّة العابرة وحتّى في البحث الأكاديمي. ربّما أتاح هذا البُعد المكاني مسافةً لازمةً لتوضيح الرؤية، أو على الأقل فقد أتاح قراءةً أكثر صفاءً للتاريخ والذاكرة، تحتفظ بشيء من المسافة من دون أن تدّعي موضوعيةً كاملة.
حيدر: أتاح البُعد المكاني عن لبنان قراءةً أكثر صفاءً للتاريخ والذاكرة
أما تجربتي في فرنسا، وإيطاليا قبلها، حيث أمضيت ثلاثة عشر عاماً من عمري، فلم تلفتني تفاصيلها بعد إلا من زاوية الاغتراب حتى اللحظة. لربما تأخذ هذه التجربة معنى آخر يوماً ما… أو لا.
■ أيّ شعور أو فكرة تتمنى أن تصل إلى قارئك؟
ـــــ أتمنّى أن يلتمس الأفكار والخيوط المنسوجة فيها، علّها تقوده إلى أحلامٍ وصورٍ لم تخطر في بالي أثناء الكتابة.
■ كيف تؤثّر دراستك للهندسة في بناء رواياتك؟
ـــ أتعامل مع مهنتي كمهندس في الترميم، ومساري الأكاديمي، وتجربتي الأدبية، جميعها بأسلوب الباحث الذي يغوص في خبايا الذاكرة، ويركّز على الإنسان ومُعاشه كبطل أساسي في هذا السياق، سواء في السكن أو في تحولات العمارة والمدينة. العمارة والرواية والبحث تشكّل أوجهاً متكاملة من تجربة واحدة بالنسبة إليّ.
■ هل من موضوع تتردّد في طرحه روائيّاً، على الأقلّ حالياً؟
ــــ ليس فعلياً. ربّما ما لم أقترب منه بعد هو الخروج من الفضاء اللبناني في الرواية، كما أشرت سابقاً. لم يخطر لي بعد، أو ربما لم تتهيأ له اللحظة المناسبة.
■ أيّ نصيحة لكاتبٍ/ة مبتدئ/ة؟
ــــ أن يستمع/ تستمع أولاً إلى شغفه/ شغفها، ثمّ يستدعي/ تستدعي ما راكمه/ راكمته من خبرات سواء في التنظيم، أو الترتيب، أو البناء، أو حتى في الطهي (!) حيث يأتي الشغف حينها مثقَلاً بقدرة على التوازن، وعلى تحويل الفوضى الأولى إلى أشكالٍ تحمل أثراً ومعنى.
■ هل من عملٍ مستقبليّ تشكّلت رؤيته لديك أو باشرت به؟
ـــ نعم ... على نارٍ هادئة.
نبذة عن الرواية
عين سْرار... قريةٌ جبليّة متخيَّلَةٌ في لبنان. إليها تنزح أسامة لتقيم في بيت خالها، هرباً من الحرب الدائرة في بيروت، حيث بقيَ والداها. أعلى تلّ اللزاب في بيت الراحل صاروفيم، تقيم أرملتُه غريبةُ الأطوار حارسةً جبّانةَ المتاولة. ما الذي يكتنفه بيتُها؟ وما الذي ستكتشفه أسامة عن المقبرة المواجِهة له؟ كيف ستروّض قلقها على والدَيها، أبقراءة كتب الأدب؟ بتدريس طفلَيْن نازحَيْن؟ أم بمغامرات فكّ ألغاز الدفائن؟
تُسلّط الرواية الضوء على سرقة الآثار في الحرب، غامزةً إلى حدثٍ لم تتكشّف حقيقتُه خلال حرب المئة يومٍ عام 78، إذ أشاعت الصحافة نقل آثارٍ من متحف بيروت الوطنيّ، إلى متحف نيقوسيا في قبرص ضمن معاهدةٍ دوليّةٍ لحمايتها. فهل نُقلَتْ الآثارُ أم سُرقَتْ؟
روايةٌ لبنانيّة تسجّل يوميّات «حرب التحرير» عام 1989، وتُحيي ثقافة حماية الآثار بسردٍ مشوّق، أبطالها فتيةٌ يحاولون فكّ رموزٍ محفورةٍ على شواهد قبور، تقود إلى دفائن وكنوز.

