ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

إسكندر.. من «زمن زياد»

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

شتاء 1977. بيروت تصدّق خروجها الموقت من «حرب السنتين». آخر ما كان يتوقعه إسكندر، ابن الرابعة عشرة، أن يجد نفسه، وجهاً لوجه، في «شي آندريه» أمام زياد الرحباني.

طلال شتوي
طلال شتوي
الخميس 20 تشرين الثاني 2025
إسكندر.. من «زمن زياد»
الخط

شتاء 1977. بيروت تصدّق خروجها الموقت من «حرب السنتين». آخر ما كان يتوقعه إسكندر، ابن الرابعة عشرة، أن يجد نفسه، وجهاً لوجه، في «شي آندريه» أمام زياد الرحباني. مثل الكثير من رفاقه، كان مسحوراً بزياد، ويحفظ مقاطع من «نزل السرور»، ويستمع إلى «سهرية». عند عرض هذين العملين، عامي 1973 و1974، كان أصغر من أن يتمكن من الذهاب لمشاهدتهما على خشبة «الأورلي».

كان لدى إسكندر شيء آخر، غير الانبهار بزياد. كان قد بدأ يقرأ ويكتب. علاقته بالقراءة بدأت مع اندلاع حرب لبنان عام 1975. كنت صغيراً، يروي لي، وبدأت أخاف مثل كل الصغار. يومذاك أقفلت المدارس وبقينا في منازلنا. لتمضية الوقت، رحت أبحث في مكتبة خالي عن شيء أتفرج عليه. لفتني كتاب صغير. غلافه زهري اللون، ويحمل عنوان «طفولة نهد». سألت خالي ما معنى «نهد»، وأجابني: صدر المرأة. لم أفهم كثيراً هذه العلاقة بين الطفولة والنهد. قرأت الكتاب. استهواني دون أن أفهمه كثيراً. بعد أيام تشاجرت والدتي مع خالي. قالت له: هذه الكتب ليست لمن هم في عمره، «ما تنزع الصبي». رنّت في مسامعي كلمة «تنزع»، وصمّمت أن أقرأ بقية دواوين هذا الشاعر. كان اسمه نزار قباني، وكان خالي من المعجبين به. أمام إلحاحي على القراءة، بدأت الكتب تتوافد إليّ، كانت كتباً «لمن هم في عمري». لكنني أعتقد أنها «نزعتني» أكثر من ذلك الديوان، لأنها جعلتني مسمّراً طوال الوقت والكتب بين يديّ، ما إن أنتهي من واحد حتى أبدأ بالآخر.

***

ذات يوم، يروي إسكندر، سمعت أمي تقول لأبي: لماذا لا نقدّم أوراق الهجرة. فالسفارة السويدية فتحت أبوابها أمام اللبنانيين الراغبين في الرحيل. لم يُجِب أبي. ولم يأخذ الموضوع حيزاً جدياً في النقاش. تمّ إقفاله بسرعة. كانا يعرفان، أبي وأمي، بأنه لم يعد أحد، في عائلته أو في عائلتها، يرغب بهجرة جديدة. بعد الاجتياح الإسرائيلي، حضرت مجدداً هذه الأسئلة. كنت في سنتي الجامعية الأولى، وخيّرني أبي بين أن أبقى في لبنان أو أن يرسلني إلى ألمانيا، بعد أن استطاع تأمين منحة دراسية لي. قلت له إنها منحة للدّراسة في أحد الفروع العلمية، وأنا أريد أن أدرس الأدب. أجبته: لا يعرفون «المتنبي»! قال لي: ولكن لديهم «غوته» و«شيلر» و«ريلكيه» وسواهم. كان جوابي: أستطيع قراءتهم وأنا هنا. بعد أشهر، ألقى أبي نظرة على الكتب التي أحملها: أشعار بودلير بالفرنسية، رواية لبلزاك، ودفتر محاضراتي الذي لا يتضمن أي كلمة بالعربية. لم يفهم ما رأى! أبلغته أنني أدرس الأدب الفرنسي. سألني فوراً: والمتنبي؟ أجبت: سأقرأه بمتعة بعيداً عن دروس الإعراب. هزّ رأسه ومضى. أستطيع الآن أن أشرح هزة رأسه هذه. كان همه الوحيد ألا أنخرط في أي حزب من الأحزاب. ألا أتحول إلى مقاتل في هذه الحرب، ولأفعل بعدها ما أشاء. لم تتحقق رغباته كلها. صحيح أنني لم أخمل السلاح، ولم أنخرط في «ميليشيا»، إلا أنني بدأت في نشاطات سياسية في إطار الحركات الطلابية في الجامعة اللبنانية. اقتربت بادئ الأمر من السوريين القوميين الاجتماعيين، وسرعان ما وجدوا أنني أحمل أفكاراً ماركسية لا تتناسب مع عقيدتهم. اقتربت بعد ذلك من الشيوعيين، فوجدوا أنني فوضوي ولا أنفع لأكون عضواً صالحاً. هل كان همّي أن أجد حزباً لأنخرط فيه، لأكون لبنانياً حقيقياً؟ سرعان ما نجوت من هذه الادعاءات. لست بحاجة إلى أي نوع من الالتزام الحزبي. الحرية والعدالة والحق أقوى من كل تنظيم. يستطيع المرء أن ينادي بذلك عبر أدبه. من الصعب الادعاء أنني اخترت الكتابة وطناً لي في تلك الفترة. ولكن، على المرء أن يختار وطناً في نهاية الأمر، لا ليحبّه ويكتب فيه أشعاراً، بل أن نختار وطناً لنشتمه. إننا بحاجة إلى هذا الوطن، في كثير من الأحيان، لنوجّه له هذه الشتيمة. لا يستطيع من لا وطن له أن يقوم بذلك.

تطلّب الأمر مضي ثلاث سنوات، ليكتشف إسكندر، وهو في الثامنة عشرة من عمره، وفي «شي أندريه»، بأن زياد يعرفه «أيضاً»، بل ويبادر بأول حديث بينهما، بلا أي مقدمات، مبدياً إعجابه ببعض ما يُنشر في «ميكروب»، محدداً مقالات بعينها، ذاكراً أسماء عدد ممن يكتبون فيها. أتوقع أن إسكندر أدرك، في تلك اللحظة، أن اكتساب قارئ اسمه زياد الرحباني هو النجاح الاستثنائي لتلك المجلة المجنونة التي أطلق عليها اسم «ميكروب».

***

بذلك المزيج الجميل من الحماسة والعبث، والإيمان بالقدرة على تغيير الكون، قام إسكندر مع صديقه ورفيق أيام الدراسة شبيب الأمين، بإصدار «ميكروب» عام 1981. كانا في سنتهما الجامعية الأولى في «كلية الآداب» في الجامعة اللبنانية. إسكندر يدرس «الأدب الفرنسي»، وشبيب يدرس «الفلسفة». والاثنان يكتبان الشعر، ويتشاطران تلك النقمة، التي لا تخلو من القسوة، على مجمل المناخ الثقافي ومنابره في بيروت.

أتت «ميكروب» لكي تحقق هدفاً وحيداً، يبدو التصريح به اليوم فكاهياً، لكنه لم يكن كذلك زمن الأحلام الخائبة. إنها نشرة «ثقافية» متخصّصة بتوجيه انتقادات لاذعة للمثقفين، ولا بأس إذا أمكنها أن تساهم في تدمير البنى الثقافية السائدة. قلنا، يروي إسكندر، سنفتك بكل هذه الأجساد الأدبية المريضة. كنّا نجد أن المسيطر على الأدب اللبناني، في تلك المرحلة، وبخاصة الشعر منه، الخطابية والمنبرية النضالية التي لم نكن نستسيغها. كنّا نعتقد أن هذه القصائد تسيء إلى النضال أكثر مما تخدمه. رأينا أن المرء يستطيع أن يعبّر عن نضاله، وعن موقفه من هذه الحرب، بدون كل هذا الصراخ. هكذا كانت آراؤنا يومذاك. كان همّنا أن نبحث عن قصيدة أخرى، عن تجارب بعيدة، متناسين ما قرأناه.

إسكندر يطبع المقالات على الآلة الكاتبة، «الدكتيلو»، وشبيب يقوم بسحب نسخ مصورة، «فوتوكوبي». ويشارك الرفاق في توزيع الأعداد على الصحف والمقاهي، ومن بينها «شي أندريه». ويتصدّر كل عدد من «ميكروب» الشعار الذي تكفّل باجتذاب المهتمين والفضوليين: نشرة غير دورية توزّع مجاناً حسنة! يذكر إسكندر، أنه وشبيب ومن انضم لاحقاً إليهما، لم «يقصّروا» مع أحد، لا مع بول شاوول، ولا مع سليم سحاب، ولا مع نزيه خاطر الذي منح جيلنا لقبه، «جيل الحرب»، وصولاً إلى ملحق لجريدة «السفير» عن الحرب الأهلية صدر في تلك الفترة. لقد أطلقوا «رصاص» أقلامهم على الجميع.

***

إسكندر، هو إسكندر حبش. كان حلمه أن يصبح «بارمن»، لكنه أصبح شاعراً، «لا يكتب خراب نفسه وحدها، أخاله يكتب خراب كل الكون. لا يكتب موته وحده، بل يكتب موت العالم كله»، كما قال عنه وديع سعادة.

لا يزال إسكندر يكتب. ولا يزال يتساءل عن جدوى الكتابة، وعن جدوى أية شهادة علمية غير شهادة «محو الأمية»! أحياناً، يقول لي، أقنع نفسي بأنني بحاجة إلى لغة أخرى. ربما لأنني أصبحت أشعر بأن الكتابة لم تعد تشكّل هذا التوازن الذي يتملكني كلما حملت قلماً وورقة في طفولتي وشبابي. ربما أصبحت الكتابة هي حربي، هي لا توازني. وربما أيضاً لأن الحروب التي عشتها كسرت لغتي، كسرت وطني الذي اخترته واخترعته. لم أعد أريد أوطاناً حقيقية. لم أعد أريد أصولاً. اخترت المنفى منذ زمن بعيد. أي اخترت الكتابة. كل ما أستطيعه اليوم هو ألا أجعل يدي تتوقف عن شرح هذا الفراغ الذي أقع فيه كلما أردت قول شيء ما.

يسألني عن زياد، وأصارحه بأنني لا أعرف عنه شيئاً عنه، سوى أنه غائب عن الأنظار منذ صيف 2015. يرجح، متمنياً، أن يكون زياد في «عزلة كتابة». وأشاركه التمني. يقول لي: زياد لم «يؤلف» جمهوراً، بل «أنجب شعباً» حقيقياً يسير وراءه، يدخل معه في اللعبة، يعرف مسبقاً ماذا ينتظره، يعرف بشكل يقيني بأن ما سيسمعه ويشاهده يمسّه فعلاً، ويعبّر عنه، ويتكلم بصوته. إنه «الاتحاد» الاستثنائي بين الفنان والناس.

ما الذي يجمع بين إسكندر وزياد، بعد كل تلك السنين التي تبدو طويلة إلى الحد الذي يشي بانتهاء الأشياء والحماسات، والمدينة التي لم تعرف كيف تخرج من ماضيها، وإلى أين ستخرج، في حال حصل هذا الخروج.

ما الذي يجمعنا؟ كل شيء، ولا شيء. ما الذي يجمع بينه وبين «أبطال» ذلك الجيل الذي يرتب الباقون منهم، انسحاباتهم من الحياة، بلا عناقات حزينة، تاركين كل تلك السنين القديمة في الأمكنة التي تختفي وتتلاشى بوتائر بطيئة ومملة. لم يبقَ غير تلك الأمنية التي تشبه استغاثة من لم يطلب النجدة أبداً: أشعر أنني أصبحت مثل ألم الأشياء التي أتناساها. لم أعد شاعراً، بل كائناً بملايين الجروح. «أرغب في أن أكون إنساناً، لا كثير الاستقامة، ولا كثير المرارة. يموت بهدوء، يموت طويلاً. ويعيش أحياناً، لأن لا شيء آخر ممكناً». قالها فرنسي يدعى إيف مارتان، كان شاعراً. مات عام 1999، قبل أن يطأ الستين، وقبل أن يتفرج على الألفية الثالثة.

• مقاطع متفرقة من فصل بعنوان «إسكندر» في كتاب «زمن زياد» (قديش كان في ناس) لطلال شتوي الصادر عن «دار الفارابي للنشر والتوزيع» في بيروت عام 2016.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك