سيّدُ القصر *
خفِّفي الملح حتّى لا يعطش الشباب واعتني بالأرُزّ أكثر، ففي المرّة الماضية لم ينضج كما يجب، ولتخفَّ أيديكن يا بنات، فقد اقترب وقت «شوفير البغلة»


1. نارة
— خفِّفي الملح حتّى لا يعطش الشباب واعتني بالأرُزّ أكثر، ففي المرّة الماضية لم ينضج كما يجب، ولتخفَّ أيديكن يا بنات، فقد اقترب وقت «شوفير البغلة»، ربع ساعة ويصل، قالت نور مُطرِفةً نحو ساعة يدها تخطَف منها نظرةً وهي تحرّك المرق في القِدر الكبير المخصَّص للمجاهدين وأطلقت النساء لقب «شوفير البغلة» على أحد المجاهدين الذي رسخ وحدَه في قيادة بغلة المحور، البغلة الشهيرة «نارة» التي عرف ظهرُها كلّ الأشياء: الفولاذ، الخشب، قساطل البلاستيك، الطعام، القماش، غالونات الماء، الإسمنت، الشاي، القهوة وغير ذلك مما صبرَ تحته ظهرُ نارة...
ولبغلة إقليم التفاح خطوة خاصة لا تشبهها خطوات سائر البغال التي كثيراً ما تاهت براكبيها في دروبٍ مجهولةٍ أو غدرت بهم فقدّمت خططهم هديةً ثمينةً لأعدائهم، كما حصل لبغلة صومام في عام 1956 إبَّان الثورة الجزائرية بعد أن حمّل محمد سعيد الجزائريّ بغلة مؤتمر صومام، حينذاك، وثائقَ المؤتمر فمضت بها البغلة إلى ضيعة تحت الاحتلال الفرنسي، وفرّ سعيد في اتجاهٍ معاكسٍ لخطّ سَير البغلة خالي الوفاض، فيما كانت بغلته تحطّ رحال وثائقها السرية وسط عدد من القادة العسكريين الفرنسيين...
كانت نارة تخُبُّ مختالةً بصواريخ الـ 107، تتوخّى الأشجار الكثيفة المتحاذية، تتلوّى بينها من دون أن تطوي قوائمها؛ ثمّ هي ذاتها، كانت تنقل قوائمها بحنوٍّ حين تكون محمّلةً بالماء والطعام...
ولم تفضِّل بغلة الإقليم مكاناً غيرَ غابات جبلها، ولكَم استغربت سائقاً غير رفيق دربها الذي رفق بها فقايضَته رِفْقَه وخفّةَ ظلّه بالوفاء والطاعة، واستنفرت كلّ مكامن ذكائها المكانيّ فوفّرت على «شوفيرها»، كما تسمّيه النسوة المقاوِمات في الإقليم، جهدَ التأمّل في الشجر والمنعرجات والأدغال المتشابهة، وجنّبته عُسْرَ المرتفعات الشاهقة بتوخّي الدروب المرنة!
ولكم أنِست به وهو يريحها في منتصَف الطلعة، يطعمها بيديه ويسقيها ويحادِثها راصداً غمزات عينيها الكبيرتين ليضحك!
وكثيراً ما كان القلق ينتاب «شوفير البغلة» حين يُكلَّف بمُهِمَّةٍ أُخرى فتُرسَل نارة وحدها إلى المطبخ في إحدى القرى المنخفضة، أو يُكلَّف مُقاوِم آخر بمُهِمَّة سَوقِها في الغابات وبين التلال والوهاد ما يزيد على ثلاث ساعات، يُقضّيها «شوفير البغلة» مُكْمَداً، تتناوب على مخيّلته تصوّراتٌ: كمينٌ، قصفٌ جويٌّ يستهدف نارة، قنصٌ من أحد المواقع المشرِفة، عبوةٌ تَسلَّلَ الأعداء وزرعوها في الطريق...
كانت الحاجّة أم حسين تعرك الكبة ونور «تنشنش» ما تعركه زميلتها ببعض الماء ليَلين؛ وما إن مالت بطرفها نحو أحد القدور حتّى تهادى في ذاكرتها يوم دخولها بيتَ الزوجيّة المستأجَر في عين بوسوار، فجالت في غرفه الثلاث، فإذا انتهت إلى المطبخ وقفت مستغربةً:
— لِمَ ستّة قدور يا حسن، ونحن شخصان؟ قدور بعدد «الطراريح»!
لم تتلقَّ نور من حسن الذي ظلّ منشغلاً بتعليق الستائر، سوى ابتسامة ومزيد من الصمت.
— لاحقاً عرفتُ لِمَ كلّ هذه القدور حين عانيتُ وجعاً في الظهر والرجلين وبرى الماء وغَسلُ الصحون الجلدَ في بطن كفَّيّ، حدّثتِ الحاجّة نور نفسها ولم تنفض رأسها من ذكراها تلك إلا مع صوت الحاجّة أم حسين:
— رشّي الماء، بعدُ يا نور، لتلين العركة أكثر...
بأوعيةٍ مجوَّفةٍ أفرغت النساء الحَلّة الكبيرة وسكبنَ الطعام المطهوّ في أربعة قدورٍ أحكمْن إغلاقها وانتظرن «شوفير البغلة».
مع اقتراب الوقت، بدأت عيون بعض النساء تتسمّر على الشجرة أول الغابة، تنتظر إطلالة نارة يتقدّمها سائسها وهو يلوح بيده محيّياً، إشارةً منه إلى وصوله، فتُسرِع النساء إلى تجهيز الحِمل المغلّف بالأبخرة الشهيّة.
ولم تُنهِ الأُخرَياتُ صفَّ القدور حتّى دوّى انفجارٌ قويٌّ، فأخذت النساءَ اللواتي لم يتفوّهن بكلمةٍ صدمةٌ يتغلغل فيها الخوف، وتبادلْن نظراتٍ في كلّ واحدةٍ منها إجابةٌ وحيدةٌ محتملةٌ.
— شخصٌ ما يُطِلُّ مترنّحاً من هناك، انظرن، انظرن، قالت إحدى النساء صارخةً.
— أي والله، أي والله، الله يلطف، الله يلطف، أجابت أخرى.
— يا زهراء، يا زهراء! إنّه «شوفير البغلة»، صرخت النسوة.
اقترب «شوفير البغلة». ولكن، هذه المرّة، بوجه امتزجَ فيه الكمَد والوجع، يخطُّ فيه «الشحبار» خطوطَه العشوائيّة وقد تغلغلت في شَعره أوراقٌ صغيرةٌ من أغصان الشجر النفضيّة وتهَلْهلَ لباسُه العسكريّ.
— ما ضربتُها قطّ، إلا في هذه المرّة، صرختُ بها: نارة؛ ورميتُها بحجرٍ، لكنّ القذيفة لم تترك لي فرصةَ أن أصرخ: اهربي، سبقتني القذيفة اللعينة، يا ليت القذيفة اللعينة استقرّت في جسدي. كم من أشيائنا الثقيلة قد أكلَ من ظهر نارة ولم تئنَّ تحته! كنت أقرأ في عينيها رضى التعب والوجع فأمسحهما بكفَّيَّ. مسحةٌ واحدةٌ كانت كفيلةً لتتألق عينا نارة بالحياة من جديد؛ سأظلّ أراها تحت كلّ شجرة سنديان أو بلّوط، وستظل نارة بطيفها تقطع ذلك الدرب الترابي الوعر الذي يُتقِن تخفّيه تحت اكتظاظ الشجر، قال «شوفير البغلة» بصوتٍ لم يشبه صوته المعتاد، لأوّل مرّة ينكسر صوت «شوفير البغلة».
لم تمرَّ تلك الليلة في إحدى المغارات كسابقاتها، إذ حظيَ الليل كلُّه بأخبار نارة ومآثرها، همساً، إلا «شوفير البغلة» فإنه ظلّ صامتاً ينكت التراب بعودٍ يابس، حتّى هزَّه الحاج أبو علي فرحات ثمّ ضمَّه إلى صدره قائلاً بصوتٍ خافتٍ: — لن تغيب نارة، هي في كلّ أشيائنا، سيأتي يومٌ يا أخي، تُشير فيه إلى أشيائنا الكثيرة هنا، وتُخْبر كلّ من يقصد هذا المكان: هذا حملته نارة من سفح الجبل ولم تسترح، وذاك أثقل، لقد ناءت به قليلاً، وكثيرٌ من هذا السلاح الذي يملأ عيونكم بالدهشة كان الفضل فيه لظهر نارة، ثمّ ستختم كلامك بفخرٍ: وكنت أنا «شوفير البغلة».
2. صبر أيّوب
— احفر يا أيّوب، احفر من دون أن تضرب الأرض بالمعول بقوّةٍ، وأمّا مَن خلْفَك فواحدٌ يملأ الأكياس والآخر ينقلها ويدشّم في نقطة الحرج؛ يعينك الله يا أيّوب، احفر حتّى تغيب في الأرض فتحجبك عن كلّ ما في الخارج. بعد ذلك أحضرُ أنا «الكمبرسور».
— ولِمَ لا تحضرها الآن يا حاج أبا علي؟
— لأن صوتها يُسمَع من فوق الأرض يا أيّوب، أمّا ما في بطن الأرض فتستره الأرض؛ جوفُ الأرض ستّارٌ يا حبيبي، وعملُك هذا خيرٌ لك من أن تثأر من مئة جنديّ محتلّ استفحلوا في ظلم الناس.
— لو أمرتني أن أحفر في بطن الأرض من هنا إلى فلسطين يا أبا علي، لفعلْت أو أهلك في الحفر.
— هل تعلم يا أيّوب الغالي، أنّك بعملك هذا تحقّق أمرين: تقتل عدوّ الأرض وتدرأ القتل عن المجاهدين من أبنائها؟
— نعم، أعلم يا حاج، وببركة الله أحفر متراً فتنفتح أمامي في بطن الأرض أمتارُ.
— مشروعُنا هذا طويلٌ وأنت أيّوب؛ واعلمْ أنّك بعد أيّامٍ قليلةٍ لن تكون وحدك، سيتناوب على هذا العمل كثيرٌ، ولكن تبقى أنت المدشّن، يا أيّوب؛ سيأتي يومٌ تدرك فيه كم من الدم بقي يجري في شرايين أصحابه بسببك فتكون كمن أحيا الناس جميعاً يا أيّوب.
— رجلٌ عليه وقارٌ غريبٌ عند مدخل المغارة، يلملم فُتات الخبز اليابس ويجمعه في كيس، مضى عليَّ هنا خمسةُ أيّام ولم أره من قبل، قال أحد الشباب المجاهدين لأبي جعفر.
— أما زال في الخارج؟ سأل أبو جعفر.
— تركتُه عند مدخل المغارة، أجاب الشاب. خرج أبو جعفر وخلفه الشاب الذي فوجئ برفيقه ينحني هو أيضاً، ويجمع ما تبقّى من كسرات الخبز، ويضعها في الكيس نفسه، ويضحك ملتفتاً إلى الشاب الذي وقف واجماً مستغرباً ما يرى:
— أبو جعفر، مسؤول الموقع، ينحني إلى جانب هذا الرجل!
انتظر الشاب حتّى أنهى الرجلان جمع الفتات، ثمّ دخل الثلاثة إلى حجرة المغارة، وهناك أخذ الرجل يستفسر من أبي جعفر عن تجهيزات الموقع بالتفصيل، وعن مدى جهوزيّة الشباب، ويستوقفه عند التفاصيل؛ حادثه ساعةً ثمّ مال إلى بقيّة الشباب يطمئن إلى أحوالهم ومعنويّاتهم ويُعظّم دورهم قبل أن يصافحهم ويقبّل جباههم فرداً فرداً وينصرف.
— يبدو هذا الرجل مختلفاً جدّاً!، التفت الشاب إلى أبي جعفر قائلاً باهتمامٍ بالغٍ.
تبسّم أبو جعفر وهو يربّت كتف الشاب، ويقول:
— كيف أحدّثك عن هذا الرجل الذي لا تُحصى إنجازاته؟ سنواتٌ وهو يوجع العدوّ، عشرات العمليات في رقبته، هو مسؤولنا جميعاً؛ إذا سمعتَ يوماً يا حبيبي، باسم الحاج أبي علي فرحات فاعلم أنّ كثيراً من العمليّات التي خرجت من تحت الأرض وراءها هذا الرجل الذي رأيتَه يلملم فتات الخبز ويجمعها بصمتٍ في الكيس.
* فصلان من رواية بالعنوانِ نفسِه، وهي سيرة روائية للقائد الجهادي الحاج حسن محمود فرحات (أبو علي)، للكاتب سُدَيف حمادة، الصادرة حديثاً عن «جمعية إحياء التراث المقاوم» و«دار المودة للترجمة والتحقيق والنشر» في بيروت.
