لمحات


■ عقل العويط
يكتب الشاعر والناقد اللبناني عقل العويط في «الغرفة» (دار نوفل/ هاشيت أنطوان) سيرة روائية شعرية تجعل من غرفةٍ واحدة كوناً متكاملاً. يحوّل الكاتب هذا المكان الضيق إلى مساحة يستدعي فيها حياته كلها: ذاكرته، لغته، وجروحه القديمة، وحيوات جيلٍ لبناني وُلد في الخمسينيات وعبر أزمنة الحلم والحرب والخراب. النص ليس رواية تقليدية، بل كتابة مفتوحة تنساب بين الاعتراف والتأمل وتيار الوعي. في الغرفة تتجمع الأزمنة، ويصبح السرير والكتب والطاولة والقهوة الصباحية علاماتٍ على حياة تتأمل نفسها، كأن الكاتب يُعيد خلق جنّته الخاصة بعدما خسر جنّة العالم الأكبر. من الطفولة إلى الصحافة، من الجامعة اللبنانية إلى بيروت الليلية، ومن الحب وتجارب الجسد إلى الموت ومعناه، يعيد العويط تفكيك وجوده كلّه عبر هذا المكان الذي يتحوّل إلى شريك كتابة لا مجرد جدران. الكتاب في النهاية شهادة شعرية على جيلٍ بكامله، وعلى علاقة كاتب بمكان صار ذاكرة وجسداً ومسرحاً لأكثر اللحظات حميمية ووجعاً وصدقاً.
■ رفيق شامي
تتميز رواية «سر الخطاط الدفين» (2008) للكاتب السوري ــ الألماني رفيق شامي الصادرة عن «منشورات الجمل» بترجمة خالد الجبيلي بأنها تجربة سردية فريدة تمزج بين الحب والتاريخ والخط العربي. تدور أحداث الرواية في دمشق القديمة في الفترة الممتدة بين ربيع 1954 وربيع 1958، إذ يتّتبع القارئ حياة الخطاط العبقري حميد فارسي وزوجته نورا، التي تهرب مع عشيقها الصعلوك، ليكتشف عبرها سراً دفيناً يخصّ تطوير الأبجدية العربية. تُقدّم الرواية دراسة دقيقة لمشكلات الخط واللغة، وتستكشف العلاقة المُعقدة بين الحب والهوية والسلطة، مع إبراز الصراعات الفردية والجماعية. تطرح أسئلة جوهرية حول تأثير الثقافة في الفرد والمجتمع، وتركز على العزلة العاطفية والحب المستحيل، في إطار سردي يمزج بين الواقعي والخيالي. عبر سرد مشوّق، تنسج الرواية أحداثاً متشابكة تجمع بين الحميمية الشخصية والمغامرة الفكرية، مستعينة بالخط العربي كعنصر فني وجمالي يقود القارئ إلى فهم أعمق للشخصيات وللزمان والمكان.
■ حسام الدين محمد
يتناول الكاتب السوري حسام الدين محمد في كتابه «رسالة اللاغفران: نقد ثقافي على تخوم مضطربة» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) ظواهر تتداخل فيها الحدود بين الجغرافيا والاجتماع والثقافة والعلمانية والدين والجندر والسياسة، عبر مقالات مترابطة بخيوط خفية. يدرس الكاتب آثار هذه الظواهر في الحاضرة العربية، كاشفاً العلاقات بين التاريخ القديم والواقع المعاصر، وتناقضات الشخصي والعام، والإشكاليات التي تحيط بالعمل الثقافي والسياسي. يحتل موضوع فهم وتفكيك الاستبداد مكاناً رئيسياً في الكتاب، لكنه يتعداه إلى اللغة والثقافة، والعلاقات غير المألوفة بين الكُتّاب والشعوب والحيوانات، وصولاً إلى رسائل من شعراء وكتّاب متوفين، وتورّط بعض الزعماء السياسيين في الأدب، واستعراض رذائل الفلاسفة. كما يعالج الكتاب موضوعات غير معتادة مثل خصومات المثقفين، وعلاقة الأدب بالسلطة، وسجالات الحجاب، وصراع العلم والدين، وتداخلات خفية بين شخصيات وأحداث تبدو متباعدة، من محمود درويش وسليم بركات إلى الطيب صالح وأغاثا كريستي.
■ راجي بطحيش
تدور أحداث نوفيلا «سيدة الكونتينر» (دار خان الجنوب) للكاتب الفلسطيني راجي بطحيش في بيئة مشحونة سياسياً داخل مصنع للأدوية في حيفا خلال الانتفاضة الثانية، حيث يتحوّل الفضاء المُعقم للمصنع إلى بوتقة تنصهر فيها الرغبة الشخصية والسلطة والصراع الجماعي. تتبع الرواية بطلتها الفلسطينية ليال، التي تصطدم بخيانة شخصية عميقة في لندن، فتجد نفسها أمام الصدمة الجماعية للصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، لتدخل عالماً من الخدر العاطفي والاغتراب والتجارب المختلفة في الرغبة والسلطة. تركز الرواية على «الكيمياء» المتقلبة بين الحب والهوية والسلطة، وتطرح السؤال المحوري: هل يمكن للحب أن يوجد في فراغ، أم أنه ملوث بالبيئة المحيطة؟ في «الكونتينر»، حيث تُخزَّن الأدوية وتُختبر في ظروف متطرفة، تتشابك العلاقات العابرة، الشغف والخيانة، لتكشف كيف يتحول فضاء العمل العلمي إلى مسرح للمغامرة العاطفية، والبحث عن خلاص مؤقت في الحب والفوضى.
■ منتصر الحسناوي
يُقدم الباحث المغربي منتصر الحسناوي في كتاب «ثقافة الإلغاء» (دار الرافدين) تحليلاً نقدياً شاملاً لظاهرة ثقافة الإقصاء التي أفرزتها الثورة الرقمية. يُعرّف الحسناوي هذه الظاهرة بأنها حملات رقمية منظمة تستهدف إقصاء الشخصيات العامة وتجريدها من مكانتها بسبب مواقف أو تصريحات اعتُبرت مسيئة. ويُشدّد الكتاب على التمييز الواضح بين النقد البناء والمحاسبة المشروعة وبين الإلغاء كأداة للقمع والإقصاء التام. يرى الكاتب أن الإلغاء انزلق من كونه وسيلة للمحاسبة المشروعة إلى إرهاب فكري وسلطة شعبية جائرة تسعى مباشرة إلى تدمير السمعة وتكميم الأفواه، بدلاً من الدخول في نقاش عقلاني. يشرح كيف أن غياب المؤسسات التقليدية للتحقّق والمحاسبة يمنح المتنمرين الرقميين قوة مفرطة للإدانة السريعة. كما يُسلط الضوء على تداعيات هذه الثقافة في السياق العربي، إذ تُعزز من الاستقطاب وتُقيد مساحة الاختلاف حول القضايا الدينية والاجتماعية.
■ زهير هواري
يُقدّم زهير هواري، في كتابه «حكي وفي فمي تراب الكلام – سيرة حياة وسط الحروب» (دار الفارابي)، سيرة ذاتية ذات نَفَس ملحمي وفلسفي عميق، تقع عند تقاطع الحياة والموت. يفتتح الكتاب ويختتم بتأملات وجودية في عالم الآخرة، مستعرضاً الأسئلة الدينية حول الحساب والنعيم، بينما يغوص في الحياة اليومية عبر انخراطه المباشر في النضال السياسي والطبقي. يُسجّل هواري شهادة حية ومؤلمة على تفكك المجتمع اللبناني في مدة الحرب الأهلية، وما رافقها من خوف وعذابات وأحقاد فجّرت البنية الاجتماعية. لقد عاش المؤلف في خضم هذا الواقع المشتعل، وشهد كيف طبعت الحروب تاريخ المنطقة. لكن رغم مرارة الأحداث، يصر على البحث عن مساحات ضوء في حياته، تتجسد في العمل والدراسة والصحافة، وفي قوة الحب والعلاقات الإنسانية الدافئة مع الأهل والرفاق.






