ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

وقائع عَرَضِيَّة ٭

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

أضع نفسي في وضع من ينجز شيئاً، وليس في وضع من يتكلّم عن شيء: لا أدرس منتوجاً؛ وإنّما أنخرط في عملية إنتاجه؛ فأُبْطِلُ الخطاب عن الخطاب

رولان بارت
رولان بارت
السبت 6 كانون الأول 2025
وقائع عَرَضِيَّة ٭
الخط


ترجمة: إسماعيل أزيات
أضع نفسي في وضع من ينجز شيئاً، وليس في وضع من يتكلّم عن شيء: لا أدرس منتوجاً؛ وإنّما أنخرط في عملية إنتاجه؛ فأُبْطِلُ الخطاب عن الخطاب؛ ولذلك لم يعد العالم يحضر عندي في شكل موضوع؛ ولكن في شكل كتابة؛ أي في شكل ممارسة؛ وهكذا أنتقل إلى نوع آخر من المعرفة، معرفة الهاوي.

■ ■ ■

في المغرب، منذ زمن ليس ببعيد، نادل، في مطعم محطّة، يخرج ليقطف زهرة جيرانيوم حمراء ثمّ يضعها في كأس من الماء بين آلة القهوة وحوض ممتلئ بأكواب وأطباق متّسخة.
في ساحة قبالة سوق صغير، ولد بقميص أزرق تتطاير أطرافه، علامة على اختلال (ما يعني في هذا البلد اتّصاف الشاب بكلّ سمات الجنون) يومئ لأحد الأوروبيين ويصرخ في وجهه:
— عدْ إلى بلدك!
ثمّ يتوارى. بعد هنيهة، تدلّ تراتيل على اقتراب جنازة؛ يظهر الموكب. بين حاملي النعش (بالتناوب) الولدُ نفسه، وقد صار طيّعاً، هادئاً لبعض الوقت.

■ ■ ■

اضطهاد الحلاقة: يجزم رفائيليتو أنّ والده قصّ له شعره أثناء نومه. أولاد آخرون يؤكّدون أنّ الشرطة تجزّ شعرهم حين تقبض عليهم بشكل مباغت في الشارع: تمرّد وقمع على صعيد شعر الأولاد الأسود.
أميركيتان مسنّتان تمسكان بمرفقي رجل أعمى، طويل القامة أكبر منهما سنّاً وتعبران به الطّريق وهو بينهما. لكن ما كان يبتغيه، هذا الأوديب، هي النقود: النقود، النقود، وليس المساعدة.

■ ■ ■

حاج موقّر، ذو لحية قصيرة مشذّبة بحرص شديد، وبيدين مقلّمتين بعناية، مسدلة عليه، بفنّ ومهارة، جلّابة بيضاء مثل الثلج ذات قماش رهيف جداً، يشرب كأس حليب.
ومع ذلك هذا ما وقع: لطخة، أثر خفيف لشيء ما، ربّما براز حمامة على غطاء للرأس نظيف جدّاً.

■ ■ ■

امرأة أوروبية ما عادت شابّة، مثقلة بالمساحيق، متّسخة، ملفوفة بشكل مضحك بكلّ ما يثير الحركة وتنسلّ خيوطه، شعر بجدائل، أهداب تتدلّى من فوق المعطف، حقيبة وحواشي ثوب بعضه فوق بعض، تمرّ عبر السوق. هذه التحفة المتأرجحة كالبندول (بحسب صبيّ لا تطرف عينه) «ساحرة سوڤياتية».
الطفل الذي وجدته في الممرّ كان نائماً في كرتون قديم، الرأس بارز كما لو كان مفصولاً عن جسده.
بالقرب من السوق، استقرّ زوجان أوروبيان يبيعان الطعام الخفيف للهبيّين. لافتة تقول: حفظ الصحة اختصاصنا. وتفرغ المرأة منفضة السجائر في الشارع، الأمر الذي ليس سلوكاً بريطانياً.

■ ■ ■

فتاة تعاقبها أمّها على الملأ، أمّ فلاحة. البنت تصيح والأمّ هادئة، مصرّة على العقاب؛ أمسكت بشعر الفتاة كما لو أنّه قطعة ثوب، وشرعت توجّه لها سلسلة ضربات عنيفة منتظمة على رأسها. تتشكّل حلقة على الفور. حُكم المدلّك: المرأة على حقّ
— لماذا ؟
— لأنّ الفتاة عاهرة (في الواقع، هو لا يعرف عنها شيئاً).
الطفل — لا يمكن أن يكون تجاوز الخامسة من العمر — يرتدي بنطلوناً قصيراً وقبّعة: يدقّ على أحد الأبواب، يبصق، يسوّي ما بين فخذيه.

■ ■ ■

فتيات صغيرات يبعن، بصورة غير مشروعة، النعناع والليمون. شرطي دنيء في لباس مدني يبدو غليظ القلب جداً؛ يعاملهنّ بقسوة، بخشونة، لكنّه يتركهنّ يلذن بالفرار.
فنتازيا لذيذة: محمد ذو اليدين النّاعمتين، الذي يشتغل في مصنع النّسيج، يصرّ أنّ مسجد اليهود يغرق في الظلمة يوم السبت؛ يشير لي إليه: إنّه كنيسة الكبوشيين الإسبان؛ يستخدمها اليهود (أُقرضت لهم) من أجل أن يقيموا فيها صلواتهم.
مراهق أسود اللّون، في معطف حافظ من المطر زهيد وقبّعة مكسيكية زرقاء زاهية، وفتاة هيبيّة، بقدمين عاريتين على رصيف قذر.
أن تسير، أن تمرّ أمام أبناء البلد في مقهى (السنترال): فتى تغزّل بفتاة، سوى أنّه يضحّي بنفسه على رؤوس الأشهاد من أجل نزعة غربية طائشة.

■ ■ ■

المسؤولة في شركة «إيبريا» لا تبتسم. لها صوت حازم، مكياجها كثير (لكنّه جاف)، أظافر جدّ طويلة حمراء كالدم ــ هذه الأظافر تجمّع التذاكر الطّوال، تطويها بحركة خبيرة وسلطوية.
عبد السلام، المقيم في القسم الداخلي في تطوان، جاء هذا الصباح إلى طنجة ( لقاؤنا جرى بمحض المصادفة) من أجل شراء مرهم مضاد للروماتيزم وسدّادة تصدر صفيراً لغلاية الماء.
شاب أسود يلبس قميصاً فاتحاً بلون النعناع، بنطلوناً أخضر لوزياً، جوارب برتقالية وحذاء أحمر يبدو في غاية النّعومة.
وأنا أشاهد رجلاً ملتحياً يرقص، أخبرني أحدهم أنّه فيلسوف. لكي تكون فيلسوفاً، قال، لا بدّ من أربعة أمور: أن تكون حاصلاً على شهادة في اللغة العربية؛ أن تسافر كثيراً؛ أن تكون على تواصل مع فلاسفة آخرين؛ أن تبتعد عن الواقع مثل أن ترتاد شاطئ البحر.

■ ■ ■

شهر يوليو، في السّاحة الغاصّة بالنّاس. جماعة من الهيبيّين تجلس إلى طاولة، من بينهم زوجان؛ الزوج أشقر، ممتلئ الجسم لا يرتدي تحت السالوبيت أيّ شيء؛ المرأة تلبس قميص نوم طويلاً من نوع فاغنر؛ تمسك يد طفلة صغيرة بيضاء، ذات طراوة تشجّعها على التغوّط فوق الرّصيف بين سيقان رفقائها الذين لا يبالون.

■ ■ ■

مصطفى مغرم بقبّعته الرياضية. لا يخلعها حتى أثناء ممارسة الجنس.
في باحة فندق المنزه، امرأة ذاهلة بعض الشيء، تلبس فستاناً طويلاً أحمر اللّون، ترمقني بنظرة قاسية وتسألني عن المراحيض.

■ ■ ■

حليوة (هذا الاسم الذي يتكرّر بلا انقطاع) يحبّ البنطولات البيضاء النّاصعة (عند نهاية الموسم)، لكن بما أنّ المراحيض هي ما هي عليه، فهناك على الدّوام لطخة فوق هذه الملابس ذات البياض الحليبي.
فوق شاطئ طنجة (عائلات، مثليون، فتيان) أصحاب حرف مسنّون، مثل حشرات بطيئة جداً، قديمة جداً، ينبشون الرّمل.
سلّام أحد المحاربين القدامى في طنجة، ينفجر من الضّحك لأنّه التقى بثلاثة إيطاليين لم يفيدوه في شيء: «حسبوني امرأة!».

■ ■ ■

فلاح عجوز بجلابة رمادية (اللّون الغامق للفقر المدقع) يحمل على كتفه جديلة ضخمة من البصل الإسباني ذي اللّون الوردي القديم.
«بابا» عجوز إنكليزي جذّاب ومخبول، يتخلّى عن وجبة غذائه في رمضان تعاطفاً (شفقة على الصبية الصّغار الذين يُختنون).
في التاسعة صباحاً، يجتاز شاب هيّاب ساحة السوق، وعلى كتفيه شاة حيّة رُبطت حوافرها إلى الأمام (وضع رعويّ وتوراتي). تمرّ بنت صغيرة تداعب دجاجة بين ذراعيها.

■ ■ ■

من نافذة الفندق، وكان الكورنيش مقفراً (ما زال الوقت مبكّراً من صباح الأحد: في الأفق البعيد أطفال ذاهبون إلى الشاطئ للعب الكرة)، أبصر خروفاً وكلباً صغيراً له ذيل على شكل مروحة؛ الخروف يتبع الكلب من كثب؛ يحاول في آخر المطاف أن يعتليه.
من القطار الذي غادره للتوّ في محطّة مهجورة (أصيلة)، رأيته يركض على الطريق، وحيداً تحت المطر، ضامّاً بين ذراعيه علبة السيجار الفارغة التي طلب منّي أن أعطيه إيّاها «لكي يصون فيها أوراقه».

(٭) Roland Barthes, Incidents, Paris, Seuil, 1987.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك