لم أعد أحلم بمغادرة غزّة
أنا أيضاً أحلم. ألا يحق لي أن أحلم؟ طبعاً كنت أحلم بألا أكون هنا في غزّة.


أنا أيضاً أحلم. ألا يحق لي أن أحلم؟
طبعاً كنت أحلم بألا أكون هنا في غزّة.
أن أكون حصاناً مدلّلاً في مزرعة كبيرة.
أن آكل الجزر والخضار الطازجة بدلاً من أن أجرّ عربة قديمة فيها خضار شبه ذابلة.
كنت أحلم بأن أكون حصان سباق ينظر إليّ الناس بإعجاب، لا أن أجفل كل مرّة تطلق فيها السيارات أبواقها المزعجة وهي تجتازني مسرعةً وينظر إليّ السائقون وكأنهم لا يرغبون في وجودي.
وحدهم الأطفال كانوا ينظرون إليّ بفرح، كأنني كائن خياليّ خارجٌ من إحدى قصصهم الملوّنة فيلتفتون إليّ من الزجاج الخلفيّ للسيارات ويلوّحون لي بأيديهم فأبتسم لهم وأحيّيهم على طريقتي.
أطفال الحيّ ينتظرون يوم الجمعة حيث يقوم نعيم بتنظيف العربة، فيجتمعون حولي وأسمع صيحاتهم وأصواتهم وأرى عيونهم تتلألأ فرحاً بانتظار تلك الجولة الأسبوعية المعهودة في عربتي الخشبية القديمة.
بعضهم كان يطعمني بيديه وبعضهم يتكلّم معي ويخبرني أسراره الصغيرة.
أمّا نعيم، فقد كان صديقي الذي لم أكن أحلم بصديق غيره في الدنيا. فقد كان وجوده يكفيني ولقد كان ينتقل معي بأحلامي إلى تلك المزرعة الفخمة أو إلى ميدان السباق الصاخب أو إلى رحلة هادئة على شاطئ البحر.
كنت أعرف الأحلام، لكن لم أعرف الكوابيس يوماً إلى أن أصبح الوقت كابوساً ثقيلاً مستمراً رافقني فيه صديقي نعيم في كل دقيقة.
أصوات القنابل ما عادت تجفلني الآن وما عاد الغبار الكثيف يخنقني، وما عادت الحُفَر في الطرقات المدمرة تتعبني.
كم تمنيت أن أكون مجنّحاً كما في الأساطير، فلا أجرّ الجرحى بل أطير بهم بلمح البصر إلى المستشفى علّني أنقذ حياتهم.
كم تمنيت أن أفقد حاسة الشمّ، فأرتاح من رائحة الدماء والموت التي عشّشت في عربتي الخشبية.
كم تمنّيت أن أفقد الذاكرة، فلا أرى عيون أصدقائي الأطفال وقد حملهم نعيم بين يديه وهم هادئون صامتون وادعون ووضعهم في عربتنا. أمّا أنا، فقد كنت أجرّهم ببطء شديد إلى تلك المقبرة علّني أطيل لقائي بهم ولو قليلاً.
اليوم وبعد شهور طوال من الألم، لم أعد أحلم بأن أغادر غزّة ولا أن أكون في مزرعة فخمة أو في ميدان سباق.
أنا اليوم أنظر إلى السماء برضى وأرى أنني أقوم بما لا يستطيع بشر فعله. ربما جُلّ ما يفعلونه هم هو أن ينظروا إلينا عبر شاشاتهم إمّا بلا رحمة أو بلا حيلة.
أشعر أن أهل الأرض قد تركونا وحيدين في ساحة المعركة، فأشفق على إنسانية البشر.
في أوقات راحتنا القصيرة بعد نهار مضنٍ يفترش نعيم العربة وينام. يبدو أنه قد اعتاد رائحة الموت.
الليلة الماضية، شعرت بموجات لطيفة آتية من تحت الأرض. تجمّدت في مكاني وإذا بهم يخرجون من حفرة صغيرة حاملين سلاحهم.
ها هم يمرّون كالطيف من جانبي مدجّجين بالثقة والبطولة.
عاهدت نفسي أن لا أخبر أحداً حتى نعيم بسري الكبير.
ولكنّ لقاءهم كان كالسحر. هذا اللقاء أبعد عني الكابوس وجعلني أجرؤ أن أحلم من جديد.
ألا يحق لي أن أحلم من جديد؟
أحلم بأن هؤلاء الأبطال سوف يحفرون بصبرهم وعزمهم التاريخ كما حفروا تلك الأنفاق وسوف ينتصرون!
وعندما ينتصرون، سأذهب في جولة أنا ونعيم وعربتي إلى القدس ويافا وأريحا ونابلس.
وأصل إلى نهر الأردن فأشرب من مياهه وأرتوي. أرتوي كما لم أرتوِ يوماً من قبل.
* لبنان
