ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

كلير توزار: الجنون كفعل مقاومة

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

تتخمر المنطلقات الفكرية للكاتبة الفرنسية كلير توزار من منطقةٍ بينيّة يتجاور فيها إرثان فلسفيان متمايزان: الإرث الفوكوي الذي نظر إلى «الجنون» بوصفه بلاغةً مؤسساتية وخطابية تنتجه السلطة الحديثة

بول مخلوف
بول مخلوف
السبت 6 كانون الأول 2025
كلير توزار: في غزة، تتحوّل الهمجية الإسرائيلية إلى «عقلانية سياسية» بينما يُوصف الكفاح من أجل الحياة بأنه تطرّف
كلير توزار: في غزة، تتحوّل الهمجية الإسرائيلية إلى «عقلانية سياسية» بينما يُوصف الكفاح من أجل الحياة بأنه تطرّف
الخط


تتخمر المنطلقات الفكرية للكاتبة الفرنسية كلير توزار من منطقةٍ بينيّة يتجاور فيها إرثان فلسفيان متمايزان: الإرث الفوكوي الذي نظر إلى «الجنون» بوصفه بلاغةً مؤسساتية وخطابية تنتجه السلطة الحديثة، والإرث الدولوزي ــ الغواتاري الذي عرَّف «الفُصام» (الجنون) كقوّة تفكيك ورغبة، وخطّ هروب يقاوم البنى الصلبة للرأسمالية.

• رؤية معاصرة ضد سلطة المرجع

تصوغ توزار رؤية معاصرة، والأدق ما بعد ــ حداثية، للجنون، إذ ترى فيه فضاءً سياسياً مقاوماً للبنى السياسية التي تقرر ما هو مقبول وتؤصله، وتحدد ما هو مرفوض وتقصيه عبر الوصم.

كلير توزار ليست فيلسوفة، أو بالأحرى هي لا تصف- ولا تصنّف- نفسها بأنها كذلك. الشابة الفرنسية صحافية وكاتبة أصدرت عدداً من الكتب. ما يميّزها حقاً ليس انكبابها على الحقل النظري المحصور داخل أسوار الأكاديميا، إنما قدرتها على تسخير عدّتها المعرفية ونقدها الثقافيّ بعدما عبرت اختباراتٍ ذاتية «حادة»، وتصريفها لهذا التعالق بين الذاتيّ والمعرفيّ لصياغة رؤية حيال تجربة معاشة غير خاضعة لاستبداد القوالب المفروضة علينا.

كلير توزار ضد سلطة المرجع. إنّ وجود «مرجع» أو «صوت آمر» يحدد الصراط المستقيم ويلقي على الفرد مسؤولية خرابه هو ما تندد به وتسعى جاهدة إلى تهشيمه. هناك نظام جاحد يدّعي العقلانية ويسبغ على كل من لا يوائم معاييره صفة الجنون. تقدّم توزار قراءة مغايرة للجنون، وترى أن الواقع السياسي النيوليبرالي لا عقلاني وخطير، وتدعو، انطلاقاً من الجنون بوصفه «اللامعيارية»، إلى التمسّك به واعتباره أسلوب مقاومة للهيمنة.

• العيش في زمن الرأسمالية

منذ كتابها الأول الذي يصبو إلى سيرة ذاتية حول تجربتها المريرة مع الإدمان على الكحول، وصولاً إلى كتابها الأخير «الجنون والمقاومة» (المستمد من تجربتها كشخص يعاني من «اضطراب ثنائي القطب») وتوزار تقف على الجهة النقيضة من المألوف والمتعارف عليه، والعقلانيّ، أو باختصار «المعيارية» التي تفرضها النظم السياسية والثقافية. هي لا تقرّ بوجود تخوم للعقل.

لذلك، نراها تمارس تمرداً ساخطاً على الآليات التي تقولب العقل وتنفي ما لا ينسجم معه وتعاقب ما «يشذ» عنه. «أن تتوقع من شخص البقاء صاحياً في الرأسمالية ضرب من السذاجة. أن تكون صاحياً اليوم من القيم النيوليبرالية» هذا ما صرّحت به بعد خروجها من قلب العاصفة. لم تنحُ توزار نحو الإرشادية ولم تتبنَّ الوعظ في مراحل «صحوتها» إنما حافظت على موقفٍ متعاطف مع المدمنين وبقيت وفية للهشاشة. والحال هذه، يمكن إدراجها في خانة المنظرين لـ«إبستمولوجيا الهشاشة»، فهي تنطلق من جرح مفتوح خلفته أنياب النيوليبرالية حين انغرست في الذات.

• إبيستيمولوجيا الهشاشة

لا تنفي توزار إمكان أن يكون الجنون اضطراباً داخلياً في بنية الوعي وليس مجرّد وصم تسبغه «العقلانية المعيارية» على من تراه خارج حدودها. إنها لا تُضفي على الجنون طابعاً رومانسياً، ولا تنظّر له على أنّه طاقة إبداعية متعالية كما فعل دولوز وغواتاري، كما إنها لا تنزع عن صاحبه وطأة الألم، بل تُبقي على حقيقة المعاناة. غير أنها ترى في الجنون لحظة انكشاف، ووصول الذات إلى نقطة بوح بما لا يرى عادةً. الجنون طورٌ من الاختلال، لكن توزار ترى في هذا الاختلال قدرةً على التجاوز وإمكانية تحوّله إلى موقع مقاومة.

فالاختلال/ الجنون سواء كان عضوياً أم بسبب منظومة القهر الرأسمالية، يمكن أن يتحول إلى قوة تشقّ البنى التي تفرز الطبيعي والصحيح عن الخاطئ والشاذ. يبقى أنّ هذا الاختلال هو لحظة استعادة الذات لذاتها وتحرّرها من سلطة المؤسسات ومعيارية البنى. ينطق المجنون خطاباً يعتبر «لا عقلانياً» في عالمٍ يتباهى بـ«عقلانيته». يقول المجنون ما لا يُراد له أن يُسمع.

وبالتالي، فالجنون ليس مرضاً خالصاً، بل ظاهرة تحررية تكشف الاختلال البنيوي القائم. من هنا نجد تماساً واضحاً بينها وبين «أنتي ــ أوديب» (دولوز وغواتاري) وإن كانت لا تهتم بأنطولوجيا الجنون أكثر ما تهتم بما يُصنّف على أنه جنون كون خطابه لا يتوافق مع السائد، ومرفوضاً من قبل الحس العام الذي شكلته أجهزة السلطة. هكذا، تعتمد توزار على أركيولوجيا فوكو بشكلٍ رئيسيّ، تعرّي عمل المؤسسات وتفضح البنى النيوليبرالية التي تنتج ذواتاً وتدجّنها.

وفقاً للمنهجية الفوكوية، تحفر توزار وتستخلص أنّ مصطلح الجنون من الطب استبدل بمصطلحاتٍ أخرى، إلا أنه لا يزال سارياً في الاستخدام الشعبي باعتباره تصنيفاً «للآخر» المختلف عنا. تتابع تنقيبها بشكل أعمق وترى أن الجنون دائماً ما استهدف النساء تاريخياً وألصق بهنّ تحت توصيف الهستيريا، كما وصِفت به الشعوب المستعمَرة التي نظر إليها بوصفها جماعات «همجية» و«غير متحضرة» و«غير عقلانية».

ولتقويض هذا الجنون وإرسائه على خط الاستقامة، لعبت العيادات النفسية والمؤسسات المنتجة للمعرفة وللخطاب دورها كأدوات سلطة وانضباط، فأحكمت آلياتها وأعادت إنتاج التصنيفات ذاتها وأعادت إنتاج السلطة نفسها. تلتفت توزار إلى الحاضر بعد قراءتها التاريخية الطويلة، وترى أنّ الانشغال المعاصر مصبوب على التنمية الذاتية وعلى الصحة النفسية، غير أن هذا ليس سوى تلاعب خطي. هذه المراكز تُوظف كأدوات «تحسين» الفرد، و«تطوير» مهاراته، بغية دمجه في المجتمع النيوليبرالي. على هذا النحو، بات «العطب النفسي» مشكلةً فردية وليس مرضاً يصيب النظام ذاته.

من هذا السياق تقدم توزار نقداً مقذعاً لعيادات العلاج النفسي، ومراكز التنمية الذاتية، البشرية، واللايف كوتش، وكل ذلك الخطاب «الغربي» (كما تصفه) الذي يحكي عن ثنائية «الجسد» و«النفس» متأثراً بروحانية شرقيةٍ لا يني يمارس عكس تعاليمها على «الآخر» الغريب والمختلف عنه. على أنّ ذاك الخطاب الأجوف يحمّل الفرد مسؤولية تعاسته، متغافلاً عن القهر الرأسمالي الذي ينتج العسرة الوجودية، والرامي إلى تشكيل الإنسان كعامل مطيع، ومنتج، مستقر ومتوافق مع إيقاع السوق واحتياجات المؤسسة.

• الجنون كفعل مقاومة

تراهن توزار على إعادة توجيه التجربة المختلّة نحو ما تسمّيه «فعلاً مقاوماً» يخرج من قبضة الاستبداد النيوليبرالي. فما هو عقلانيّ عندها هو في جوهره أداة قمع. إنّ المجتمع النيوليبرالي الذي يشكّل الأفراد ويفرض حدوداً فاصلة بين المحظور والمقبول، ينفي كل من يراه قادراً على خلخلة بنيته. يصير الجنون فعلاً مقاوماً في اللحظة التي يفقد فيها الفرد انسجامه مع المعايير المفروضة عليه، ولحظة كشفه عن الخلل الذي يصيب علاقته مع العالم.

هكذا يصير الجنون هشاشة كاشفة، نقطة تُضيء تصدّعات النظام وتعيد تعريف الذات بما يتجاوز نظرة «الخارج» عنها والدور المطلوب منها تأديته. فالهشاشة التي يعاقب بها الفرد لمجرد أنه غير متوافق مع المعايير السائدة، هي شكل من أشكال الرفض وعدم التماهي مع القوّة، وبالتالي خروجٌ عن «العادي» الذي تنتجه المكنات النيوليبرالية.

يغدو الجنون فعل مقاومة إذاً حين لا ننصاع للمعيارية، وحين يتفلّت فيها الفرد من الإملاءات النيوليبرالية التي تزج الذات داخل قوالب الطاعة والإنتاجية والانسجام القسري. بهذا المعنى، فإن الجنون هو القدرة على زحزحة ما يبدو بديهياً، وعليه تكون المقاومة نزوعاً صوب مساحة حرّة، حيث الجنون هو فعل فكّ ارتباط مع الخطاب المهيمن والأفعال المقيِّدة بدل الخضوع لها.

• غزة والفاشيون الجدد

تستحضر توزار أفكار باربرا ستيغلر القائلة إنّ النيوليبرالية تطلب منا أشياء بل تأمرنا بفعل أشياء، وفي الوقت عينه تحدد لنا إطاراً وجب علينا البقاء فيه. «أن تكون داخل الإطار في الوقت الذي تطلب منك الرأسمالية أن تكون سعيداً على سبيل المثال، فهذا بحد ذاته، أمر غير عقلانيّ». فإذا كانت النيوليبرالية تصنّف على أنها عقلانية فيما نقيضها، أي «محاربة الإبادة التي تحدث في غزّة» جنون، فإنّ توزار لا تتردد في القول: «أنا إذاً مجنونة».

في السنوات الأخيرة، كان صوتها حاضراً بقوة في الدفاع عن فلسطين: شاركت في عرائض وبيانات تندّد بالقمع الإسرائيلي وتدين الصمت الثقافي وعدم الوقوف مع الضحايا. توزار تنظر إلى ما يحدث بأنّه إبادة ممنهجة تكشف وحشية النظام العالمي التي تبرّر العنف وتحث على التطبيع معه. تؤكد أنّ الإبادة ترتكب في ظل صمت واسع من الفنانين والمثقفين، ووسط دعاية إعلامية تحاول قلب الحقائق وتعويم الخطاب الرسمي. «في غزة، تتحوّل الهمجية الإسرائيلية إلى «عقلانية سياسية» بينما يُوصف الكفاح من أجل الحياة بأنه تطرف» تقول.

في مقابلة أجرتها أخيراً على منصة quartier general (qg)، تطرقت إلى مواضيع شتّى، مثل علاقة «الفردانية النفسية» مع الإبادة الغزيّة، وما تخفيه هذه «الفردانية النفسية» من أبعاد سياسيةٍ واجتماعية. خطاب توزار الجريء، أو بالأحرى نقدها اللاذع، أذهل الكثير من المتابعين الذين استغربوا تصريحها :«إنّ اليوغا ممارسة فاشية».

توزار التي قالت إن معظم أساتذة اليوغا مروّجون للإبادة الغزية أطلقت سهامها على النزعة الإنسانوية، وبالتحديد على أصحاب التنمية الذاتية الذين يعيشون في فقاعاتٍ مريحة ولا يدرون أن هذه الفقاعة إنما تحميهم من الآخر، لا بل إنها قائمة على الآخر. صرحت بالفم الملآن: «هؤلاء فاشيون»، من هم؟ إنهم أصحاب التنمية الذاتية والصحة النفسية ينتجون إنساناً «ذا بعد واحد» مذعناً للمعيارية، ويقمعون كل اختلاف لا ينسجم مع نموذج «العقلانية» المهيمنة. هؤلاء يهتمون بـ«راحتهم النفسية» والخلاص الذاتي أكثر من إبادة يتعرض لها شعب بأسره. ومن ورائها نحن نردد: هؤلاء فاشيون. وانطلاقاً من تحليلها نستنتج كيف تحضر الفاشية في ظلّ النيوليبرالية كنظام اجتماعي «عقلاني»، وكثقافة «ذاتية» تزعم الحرية والخلاص والنقاء «الروحي».

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

لبنانصفعة لعيسى ورجي: شيباني باقٍ في بيروت
الأخبار

25.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك