ماريو مبارك... لا قيامة لمجتمع يخشى النكتة!
تتحوّل النكتة في لبنان إلى جريمة تُلاحق قضائياً ويُحرَّض ضدها طائفياً. السخرية لم تعد خلافاً على الذوق، بل صراع على السلطة التي تخاف انكشاف هشاشتها.


تتحوّل النكتة في لبنان إلى جريمة تُلاحق قضائياً ويُحرَّض ضدها طائفياً. السخرية لم تعد خلافاً على الذوق، بل صراع على السلطة التي تخاف انكشاف هشاشتها. تحت شعار حماية المقدسات، يجري تطبيع القمع، ومراكمة الخوف، وبناء رقابة ذاتية تُخضع الأجساد والكلمات وتضيّق المجال العام
انطلقت دعوة إلى التجمّع أمس أمام قصر العدل في بيروت، تزامناً مع استدعاء الكوميدي ماريو مبارك إلى التحقيق، بتهمة «التعرّض بالإساءة إلى مقدّساتنا الدينية»، وفقاً لنصّ الدعوة. وكان الكوميدي الشاب قد تعرّض لمصادرة هاتفه وجواز سفره وجهاز اللابتوب يوم السبت الماضي لدى عودته من كندا، بناءً على إشارة النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار.
• الصراع ليس على المعنى
القول لمؤمنٍ مغالٍ إنّ النكتة لا تتعدّى كونها رأياً أو تعبيراً ساخراً، بات اليوم ضرباً من الخيال، ليس لأن الفكرة معقّدة، بل لأن الصراع ليس على المعنى، بل على السلطة. هنا يقف طرفان على نقيض لا يلتقيان. كما يشرح المفكر السلوفيني سلافوي جيجك، نحن لا نختلف حول «الذوق العام»، ولا حول ما إذا كانت النكتة مضحكة أو سمجة، بل حول وظيفة السخرية نفسها. النكتة، في التحليل النفسي ــ السياسي الذي يعتمده جيجك، ليست تسلية عابرة، بل لحظة انكشاف. هي تشبه زلّة اللسان، التي لا تختلق ما لا وجود له، بل تُفلت ما هو حاضر ومقموع في الوقت نفسه، ما يُعرف ضمنياً ويُمنع التصريح به.
لهذا السبب تحديداً تقوم القيامة على نكتة، وقد قامت مراراً في هذا البلد. لكن ما يتبدّل في كل مرة هو مستوى العنف في ردّ الفعل. مع كل استدعاء جديد، تصبح الردود أكثر حدّة، أكثر هستيريةً، وأكثر وضوحاً في خوفها. خوفٌ لا ينبع من «الإساءة»، بل من إمكان أن تكشف النكتة هشاشة البنى التي يُفترض أنها مطلقة، ومقدّسة، وغير قابلة للمساءلة. وهذا العنف، المتزايد والمتطبع، لا يبشّر بشيء سوى مستقبل أكثر قتامة للحرية في لبنان.
• بلاد الطوائف... أوطاني!
في كل مرّة يتغيّر اسم «المُساء إليه». هذا الكوميدي اتُّهم بالاستهزاء بالطائفة الشيعية، وذاك قيل إنّه «تجاوز الخطوط الحمر» لدى أهل السنة، واليوم يُقال إنّ المسيح أُهين. غداً قد يكون الاسم مختلفاً، لكن الآلية واحدة. وبين هذه وتلك، أجساد تُحاسَب، وحركات تُراقَب، وأنماط حياة تُجرَّم.
يُستحضر رجل يلبس بزة رقص شرقي ويرقص على مسارح بيروت بوصفه دليلاً إضافياً على «الانحلال»، كأنّ الجسد ذاته صار مساحةً للرقابة والعقاب. الضحك هنا لا يُقاس بما يقوله، بل بمن يقوله، ومن يُفترض أن يُحمى منه، ومن يُسمح له بأن يغضب.
نعرف أزمات البلد، ونعرف أنّ الانهيار شامل، اقتصادياً، واجتماعياً، وسياسياً، وبات التذكير به روتيناً مملاً. الأكثر فجاجة ليس الاستدعاء بحد ذاته، بل هذا الإجماع الضمني عليه.
نظام يُحوّل كل طائفة، وكل منطقة، إلى كانتون أخلاقي مغلق
فغالبية رجال الدين، الذين لا يوفّرون مناسبةً للتحريض المباشر أو المبطّن على الطوائف الأخرى، يتحوّلون فجأة إلى حرّاس الأخلاق العامة والسلم الاجتماعي إذا تجرّأ كوميدي على السخرية من رجال الدين. هنا، ولمدة قصيرة لكن كاشفة، تتوحّد السلطات الرمزية المتخاصمة ظاهرياً لخلق عدو واحد: الرأي الحرّ. وكما يقول جيجك بوضوح، حين تُجرَّم النكتة، فهذا لا يكون دفاعاً عن الإيمان، بل دفاعاً عن سلطة تخاف أن يُنظر إليها بلا رهبة.
• «عم يستوطي حيط المسيحيين»!
هذا الانحدار المتواصل لا توقفه حملات تضامن، ولا بيانات استنكار موسمية. فالتعصّب بلغ مرحلة أخطر، رفض المعرفة نفسها. رفض السؤال، ورفض التفكير، ورفض الاعتراف بأن ما يُقدَّم باعتباره مقدّساً قد يكون في جوهره ممارسةً للسلطة. يكفي أن تقول إحدى المذيعات على قناة mtv إنّ مبارك «عم يستوطي حيط المسيحيين»، ليتحوّل النقاش فوراً من حرية التعبير إلى منطق الغلبة، ومن الحق إلى ميزان الطوائف، حيث يُحاسَب الكلام لا بمعناه، بل بالجهة التي يُنسب إليها.
نور حجار استُدعي بسبب نكتة عن الجيش. شادن معلوف استُدعيت بتهمة الإساءة إلى الجيش، ثم لاحقتها بعد سنوات حملة أوسع بتهمة الإساءة إلى النبي. واجه مسلسل «مرحبا دولة 2» حملةً مشتركةً من مسلمين ومسيحيين بعد الحلقة الثانية. واليوم ماريو مبارك. ليست هذه حوادث منفصلة، بل سلسلة متصلة: مسار واضح من التطبيع مع القمع، يبدأ باستدعاء الكوميديين، ويمرّ بتجريم السخرية، وينتهي بمجتمع يتعلّم ببطء كيف يخاف من الضحك، وكيف يراقب نفسه قبل أن يضحك.
• الادعاء الأخلاقي أداة هيمنة
وإذا كانت الكوميديا، كما فهمها الشاعر الايطالي دانتي أليغييري، ليست ضحكاً بقدر ما هي رحلة في الجحيم لكشف الخطيئة، فإنّ ما يُمنع هنا ليس السخرية، بل الكشف.
دانتي لم يسمِّ عمله «كوميديا» لأنها خفيفة أو مرِحة، بل لأنها تنطلق من القاع، من الجحيم، لتسمية الخطايا واحدةً واحدةً، ووضع رجال الدين الفاسدين، والحكام، والمرتابين في دوائر العقاب.
الكوميديا عنده لم تكن استخفافاً بالمقدّس، بل مواجهة لهشاشة البشر وسلطاتهم، وتشريحاً للادّعاء الأخلاقي حين يتحوّل إلى أداة هيمنة. وتجريم الكوميديا اليوم يعني، ببساطة، منع النظر في المرآة، ومنع تسمية الأشياء بأسمائها.
الاعتراض حق، والغضب حق، والاحتجاج حق. لكن الأخطر من أي وقفة هو التطبيع مع مسار التهديد والترهيب لكل نكتة أو فكرة مختلفة.
هذا المسار يؤسّس، بهدوء ومن دون إعلان، لنظام قمعي مبطَّن، لا يفرض الصمت بالقانون وحده، بل بالخوف. نظام يُحوّل كل طائفة، وكل منطقة، إلى كانتون أخلاقي مغلق، يحدّد للناس كيف يعيشون، وكيف يفكّرون، وماذا يضحكون عليه، ومتى يجب أن يصمتوا. نظام لا يخشى الضحك لأنه مسيء، بل لأنه قد يكون صادقاً أكثر مما يحتمل.
