«فن المرمطة» يخيّب جمهور الدحيح في بيروت
بين شاشة يوتيوب وخشبة «بيروت هول»، اصطدم جمهور «الدحيح» بتجربة حيّة كشفت حدود الانتقال من المحتوى الرقمي إلى المسرح. «فنّ المرمطة» مع أحمد الغندور بدا حلقة مباشرة بلا جديد، كلفة مرتفعة، وتفاعل مرتبك، ليطرح سؤال الفارق بين شعبية الشاشة وصدق الخشبة


عزيزي «الكابتن أحمد الغندور»، مساء الخير وأهلاً وسهلاً بك في بيروت. يا «عزيزي» انتظرناك طويلاً، منذ الإعلان عن حفلتك مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. وبنينا، نحن «فانز الدحيح»، آمالاً كبيرة على محتوى طلتك الأولى في لبنان، لنفاجأ بأنّ محتواها عبارة عن حلقة من حلقات برنامج «الدحيح» على «يوتيوب»، لا جديد فيها سوى بعض التفاعل مع الجمهور.
لكن هذه الحلقة «لايف» لا يمكن إيقافها بكبسة زر في حال الملل. وهي ليست مجانية، إذ راوحت كلفة مشاهدتها من 20 دولاراً على الأقل، إلى 80 دولاراً، ما يعني أنّ إجمالي مداخيل المنظمين وصلت إلى نحو 75 ألف دولار على الأقل. ورغم تحصيل هذا الرقم مقابل 50 دقيقة من العرض فقط، اضطر الجمهور إلى تحمّل فظاظة المنظمين.
«عزيزي الدحيح»، خرج معظم الحاضرين من حفلتك في «بيروت هول» (بتنظيم من awk.word) وعلى لسانهم عبارة واحدة: «خيبة الأمل». بعضهم غادر المسرح باكراً قبل نهاية العرض. ورغم خيبة الأمل الكبيرة التي أصبنا بها، نعدك بأن نستمر في مشاهدة حلقات برنامجك على «يوتيوب». إلا أننا من الآن وصاعداً سنضرب ألف حساب لكل حفلة تنظم لـ«يوتيوبر» على المسرح. فالدقائق الخمسون التي اعتليت فيها خشبة المسرح أثبتت أنّ مخاطبة الناس من وراء عدسات الكاميرات وبوجود فريق إنتاج ضخم يُعيد رسم وتركيب الصورة، مختلف عن مخاطبتهم في العلن. للمسرح أهله الذين يجيدون كيفيّة التواصل مع الجمهور، ويعرفون نوعية الناس أمامهم، فئاتهم العمرية ومستواهم الفكري. أما أنت، فلم تكن أنت يا «عزيزي»، أو ربما كنت، إذ أخبرتنا ليلة الجمعة عن «عدم إجادتك التكلّم مع الجموع الكبيرة».
حسناً، هذه تُحسب لك. ويُحسب لك أيضاً تواضعك على المسرح، إذ برهنت لجمهورك بأنّك «الدحيح» نفسه الذي نشاهده وننتظر حلقاته على «يوتيوب» أسبوعياً، منذ عام 2014. ولكن «فن المرمطة» التي وُعدنا بمشاهدتها تخيّلناها أكثر من حلقة مباشرة على المسرح، ربما قصة صعودك، أو كيفية إدارة وإنتاج حلقاتك... إلا أنك يا كابتن لم تعرف حتى نوعية الجمهور المتنوع الذي يتابعك وأتى لمشاهدتك في بيروت. ورغم طغيان العنصر الشاب فيه، حضر أشخاص تزيد أعمارهم على 50 سنة، وأتوا وحدهم من دون أن يرافقوا أولادهم مثلاً. وهذه إشارة إلى أنّ متابعيك جدّيون وأوفياء.
محتوى العرض كان عبارة عن حلقة من حلقات برنامج «الدحيح» على «يوتيوب»
في محاولاتك لجعل الحلقة تفاعلية، تحولت إلى أستاذ في صفّ يتكلم من التلامذة برفع الأيدي، وانتظار الأجوبة، التي لم تعجبك في المناسبة، فاستمرّيت في طلب «إجابات ساذجة» لتتمكن من التعليق عليها. وهذه تحسب عليك لا لك. كأنّك لا تعرف نوعية الناس التي تتابعك، وأنت لا تقدّم برنامجاً فكاهياً أو «لايت»، بل تقدّم مادةً علميّة.
وفي كلّ حلقاتك، تطالب «أعزاءك» المتابعين بـ«مراجعة المصادر». تلامذتك يا «دحيح» هم من نفس فئتك، أي «دحّيحة» أيضاً. بمعنى آخر هم أذكياء، ويعطون إجابات عميقة، وهذا ما قاموا به حرفياً في الحلقة.
وأنت، وعند كل إجابة، كنت تبدي انزعاجاً من هذه الإجابات العميقة والمطوّلة أحياناً، وتقول إنّك «صاحب الحكمة هنا»، وتريد «سذاجة للتعليق عليها»، وهذا ما لم يتمكن الجمهور من إعطائك إياه، فوصل إلى نقطة الانفصال عن المحتوى باكراً، وفهم أنّه «أكل الضرب». فالعرض عبارة عن حلقة عادية تعالج فكرة السعادة والتوقعات، وتطرح شكلاً للعلاج على شكل «فنّ المرمطة».
إنه «فن المرمطة» الذي اخترعته رأسمالية متعهدي الحفلات والمنتجين، الذين حاولوا أن يستفيدوا من «الكابتن أحمد الغندور» إلى أقصى الحدود ويستخدمون صورته لتحصيل المزيد من الأموال.
لكن بدلاً من أن يعطيه المسرح دفعاً إضافياً على المسرح أنزله، وأوضح للجمهور بأنّ الإنتاج الفنّي الجديد عبر المنصات مثل يوتيوب وتيك وتوك وأخواتهما لا علاقة له بالمسرح والتفاعل مع الناس بشكل مباشر.
«اللايكات» والتعليقات في ساحات التواصل الاجتماعي لا تشبه الصيحات والتصفيق، أو الوجوم على الوجوه في المسارح.
و«صاحب المحتوى» أو content creator ليس بالضرورة «كوميدياناً» يجيد فنّ المسرح والتواصل.
هذا لجهة المحتوى، أما «فن المرمطة»، فامتدّ أيضاً ليطال علاقة الجمهور مع المنظمين (awk.wor)، من تجميع الناس في قاعة جانبية وتأخير دخولهم إلى المسرح للجلوس قبل الانطلاق، إلى تعديل المقاعد في اللحظات الأخيرة قبل العرض، إذ وصلت رسائل إلكترونية عن التعديلات على المقاعد قبل دقائق من بدء العرض، ما جعل الجمهور الذي ملأ المسرح ينتظر قرابة الساعة قبل الانطلاق. ويذكر هنا أنّه قبل إطلالة أحمد الغندور، قدم «الكوميديان» اللبناني وسام كمال فقرة من ربع ساعة، أخبر الجمهور فيها عن زواجه ورحلته إلى مصر، حيث عانى من ظاهرة التسوّل، وفقاً لروايته، فتنمّر على متسولة مصرية وطفلتها لتمرير الوقت.
