ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

Rage-bait كلمة «أوكسفورد» لهذا العام | الخوارزميات في خدمة الفتنة: لبنان يبتلع «طُعم الحنق»

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

اختار معجم أوكسفورد «طُعم الحنق» كلمة العام بوصفها مرآةً لزمن يتغذّى على الغضب. محتوى يُصمَّم عمداً للاستفزاز، تدفعه الخوارزميات، ويُستثمر سياسياً وإعلامياً واقتصادياً.

بول مخلوف
بول مخلوف
الأربعاء 10 كانون الأول 2025
Rage-bait كلمة «أوكسفورد» لهذا العام | الخوارزميات في خدمة الفتنة: لبنان يبتلع «طُعم الحنق»
الخط

اختار معجم أوكسفورد «طُعم الحنق» كلمة العام بوصفها مرآةً لزمن يتغذّى على الغضب. محتوى يُصمَّم عمداً للاستفزاز، تدفعه الخوارزميات، ويُستثمر سياسياً وإعلامياً واقتصادياً. من «طُعم النقرة» إلى «طُعم الحنق»، تحوّل التفاعل إلى وقود للانفعال، وصار الغضب سلعةً رابحة، يمتد من منصات الترفيه إلى صلب الخطاب السياسي، ويُعيد تشكيل وعينا الصدام. وفي لبنان، تحوّل إلى أداة اشتباك يومي يغذّي الاستقطاب ويُضاعف التوتر، من الشاشات إلى منصّات التواصل


مرة جديدة هذه السنة، توجه معجم «أوكسفورد» إلى «لغة» الإنترنت ليستخرج منها «كلمة العام» ويدرجها في معجمه. حصدت عبارة Rage-bait («طُعم الحنق») المرتبة الأولى بعدما رأى الخبراء اللغويون أنها الكلمة الأدلّ على روح المرحلة، إضافة إلى كونها الكلمة الأكثر رواجاً بين الكلمات المرشحة الأخرى مثل bio hack («قرصنة حيوية»، أي الاعتماد على العلم والتكنولوجيا لتحسين الصحّة النفسية والجسدية) التي حلّت في المرتبة الثانية و aura farming («الاستثمار في الهيبة»؛ «صورة» الشخص الافتراضية) في المرتبة الثالثة.

محتوى استفزازي أو مسيء

كلمة «طُعم الحنق» التي تضاعف استعمالها هذا العام كما نوّهت أكسفورد تعني «محتوى إلكترونياً ينشأ عمداً لإثارة الغضب والحنق لكونه مُحبطاً أو استفزازياً أو مسيئاً، وينشر بهدف زيادة عدد الزوّار أو رفع معدّلات التفاعل مع المنصات الإلكترونية أو مع صفحات صانعيه على وسائل التواصل الاجتماعي».

انتقلنا من مرحلة «طُعم النقرة» الـ Clickbait الذي كان يهدف إلى إثارة الفضول عند المستخدم وإغرائه بزيارة الرابط، إلى مرحلة «طُعم الحنق» الـ Rage-bait وهو المحتوى الذي يفرُض نفسه على المستخدم، عبر التلاعب بانفعالاته. كان الأوّل تلويحاً وإغواءً، أما الثاني فهو تلاعبٌ ومماذقة. تعظيم التفاعل المشوَّه بطبيعته، وتضخيم الحدث المستفز أصلاً وقالباً: ظاهرة غروتيسكيّة معاصرة.

ما يمنح «طُعم الحنق» مساحةً طليقة هو صلابة وذكاء الخوارزميات التي باتت بوصلةً تقود المتصفح من دون وعيه (وتداعب لا وعيه أيضاً) إلى خياراته، وتفتح طرقاً جديدة أمامه، وترميه في دهاليز غالباً ما يتخصّب فيها محتوى «طُعم الحنق».

المحتوى الرقمي الزاخر الذي يطالعنا على السوشال ميديا؛ من فيديوهات وعناوين صحافية تنهال علينا، مثل فيديوهات قطط شريدة متروكة تحت المطر، أو الأخبار التي تُصاغ بأسلوب مستفزّ (أخبار قناة «إم. تي. في» مثلاً) نموذجاً عن «طُعم الحنق».

استهلاك المواد المزعجة

يعوّل هذا المحتوى على إيقاع المستخدم في شركه؛ إنه فخ محكم ومنصوب بعناية، يتقصد دفع المتصفحين إلى استهلاك مادة يبلغ فيها الإزعاج ذروته. يعجز المستخدم عن مقاومة هذا المحتوى رغم الإزعاج والإرباك الذي يسبّبه له، فهو يندفع إليه ويتورّط في مشاركته وتداوله، والتعليق عليه، غالباً عبر الشتم وردود الفعل الحانقة التي تغذّي انتشاره وتزيده زخماً.

دأب الإعلام اللبناني طويلاً على بثّ
محتوى مستفز يثير الغضب والحنق


لعلّ ما يقدّمه تمام بليق هو المثال الأوضح لما تعنيه كلمة «طُعم الحنق». بليق الذي يستقدم ضيوفه وينهمر عليهم بفظاظته حتى وهم داخل التابوت الذي أودعهم فيه، يعتمد «طُعم الحنق» كأسلوب «إعلامي».

في مقالةٍ نشرت العام الماضي تحت عنوان «ماذا يعني طعم الحنق؟ ولماذا هو مربحٌ؟» روت «بي. بي. سي» قصة فتاة تدعى وينتسا زيسو وهي من أبرز صانعي محتوى «طعم الحنق»، إذ حققت عبر «إثارتها للحنق» مبلغ 150 ألف دولار.

آلية تشكيل للخطاب السياسي

غير أنّ هذا «الطُعم» ليس مقتصراً على هذه الألاعيب الإعلامية القابعة في فضاء التسلية والتداول (بمعناها التداولي الخطابي) والتي يمكن التنصل منها بسهولة، كقول زيسو إنّ ما تقدّمه لهو مجرد طرائف، أو تبرير بليق لسماجته بأنها مدرسة إعلامية (Hard-talk)، بل غدت آلية تشكيل للخطاب السياسي، وهو ما عبّر عنه رئيس مجمع «أوكسفورد» كارل غراثتهول في قوله «تطوّر الأمر إلى ممارسات مثل «زراعة الحنق» (rage farming) (...) ولا سيّما على هيئة معلومات مضلّلة متعمّدة أو موادّ تقوم على نظريات المؤامرة».

  • استشرف بيونغ تشول هان واقعنا في كتاب تحدّث فيه عن تحوّل المشاعر العامة في العصر الرقمي
    استشرف بيونغ تشول هان واقعنا في كتاب تحدّث فيه عن تحوّل المشاعر العامة في العصر الرقمي

ورد مصطلح «طعم الحنق» للمرة الأولى على الإنترنت عام 2002 في منشور على Usenet للإشارة إلى ردود الفعل العنيفة عند بعض سائقي السيارات عندما يومض أحدهم لآخر بأضواء سيارته طالباً تجاوزه. سرعان ما خرج هذا المصطلح من قمقمه وتطوّر دلالياً ليستقر على معناه الراهن.

ساد تعبير «زراعة الحنق» (rage farming) الذي استخدم لانتقاد الخطابات والممارسات السياسية الهادفة إلى إثارة القلق والغضب. فالسياسة تشحذ العواطف، وتراهن عليها، وقد تبيّن أنّ الرسائل السياسية التي تستثير الغضب فعّالةً جداً في تحقيق أهدافها.

اتضح أنّ تحفيز الغضب يزيد الرغبة في البحث عن المعلومات، ما يفضي إلى زيادة في النقر على المواقع، فالتفاعل مع المحتوى والاشتباك الضاري مع «الآخر»، وهكذا كان «طُعم الحنق» مسبوقاً بزراعة الغضب نفسه.

اليمين الأميركي متورّط

إذا كانت للخوارزميات قد أدت دوراً حاسماً في انتشار «طُعم الحنق»، فإن اليمين الأميركي أيضاً أسهم بصورة بالغة في خلق هذه الظاهرة وترسيخ حضورها.
مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، وجد اليمين الأميركي قابلية تحويل الغضب الذي دائماً ما استثمر فيه إلى طاقة سياسية، وإلى أداة تعبئة فعّالة قادرة على شدّ الأنظار وحشد المؤيّدين.

لقد أتاحت الخوارزميات توسيع بثّ محتوى «طعم الحنق» حيث يُصقل بعض منصات التواصل الاجتماعي المحتوى الأكثر انفعالاً وتضعه أولاً، ما أتاح لليمين توسيع أثر رسائله عبر إنتاج مواد تستفزّ المتلقّي وتدفعه إلى التفاعل، فتتحوّل ردود الفعل الغاضبة نفسها إلى محرّك للرأي العام ومضاعِف لانتشار الخطاب.

وفي وسعنا ضرب برنامج جو روغان كمثالٍ بارزٍ على هذه الظاهرة. روغان الذي يروّج لنظريات المؤامرة، ويفسح المجال لتُرّهات لا تستند إلى أي أساس علمي كما فعل ضيفه المخرج ميل غيبسون حين زعم بأنّ في وسع مرهم مخصص للبشرة (الإيفرمكتين) أن يشفي من السرطان؛ وهو بذلك يستحضر مبالغات (ترّهات) ترامب الذي دعا الناس إلى حقن أنفسهم بالديتول خلال فترة جائحة كورونا.

تتجاوز التعليقات على محتوى روغان حدود الاستقطاب (polarization)، والاختلاف/ الخلاف وتكشف عن سخط هائل. تعد مقابلته مع عالم الآثار المصري زاهي حواس مثالاً فاقعاً على انفعالاتٍ هستيرية لا مبرر لها سوى ما بات يعرف اليوم بأنه ظاهرة تدعى «طُعم الحنق».

«طُعم الحنق» في لبنان

على غرار وسائل الإعلام الأميركية التابعة للمحافظين الجدد واليمين الأميركي، وبالأسلوب نفسه الذي يعتمده المؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي لجني الأموال، أو لاستبطان انفعالاتٍ سلبية لدى المتلقي، تمارس القنوات الإعلامية اللبنانية ومعها السياسيون «الطُعم الغاضب» بشكل «مهني جداً» ولا غبار عليه.

في مجتمع قائم على «الاستقطاب» والتنازع الشرس بذريعة التعددية والاختلاف، دأب الإعلام اللبناني طويلاً على بثّ محتوى مستفز يثير الغضب والحنق، لا يكاد يضاهيه حدّة سوى ما تفوّهت به مورغان أورتاغوس. اشتدّ «طعم الحنق» خلال حرب الإسناد ولا يزال حتى الآن.

هناك من يستثمر في اقتصاد الغضب هذا لأسبابٍ عدة، أوّلها ممارسة «الاغتيال الرمزي» الذي اعتاده، وسعيه إلى خلق واقع «لخيالٍ» سياسي راسخ عنده، هو الذي لا يفتأ يستفز ويثير السخط في الجماعات الندية.

مجمع اللغة العربية ينأى عن البحث عن كلمات تتجاوز لغة مسلسلات الدراما


ولا يعود من المستغرب -ولا يمكن تبريره- أن تعيد تلك الجماعات الساخطة تكرار «طعم الحنق» بدورها، فتلقي بصابورتها لتوقع خصومها في شباكها وتحكم عليهم حالة من السلبية الشديدة. «برمة» سريعة على إكس، في أي يوم وأي ساعة، وتجد أمامك حرباً أهلية.

مجتمع السراب

«طعم الحنق» كتب عنه بيونغ تشول هان في «مجتمع الحنق». لم يكن مصطلح «طُعم الحنق» قد راج بعد، ولا ظاهرة «طُعم الحنق» قد شاعت. التسمية تأتي بعد وجود الظاهرة، حين كتب المنظر الكوري الجنوبي بيونغ تشول هان كتابه «آفاق رقمية: مجتمع السراب» (2010). نعثر في هذا الكتاب على فصل معنون بـ«مجتمع الحنق». يتكلم بيونغ تشول هان في الكتاب عن تحوّل المشاعر العامة في العصر الرقمي، وكيف يتراجع الحوار العقلاني لمصلحة السعار والانفعالات الهائجة.

إنه ليس استشرافاً بقدر ما هو تحليل متأنٍ من مفكر يرى أننا نعيش في الجحيم. يشرح هان في هذا الكتاب كيف تغذي وسائل التواصل الاجتماعي ردود الفعل الفورية وتحوّل الأفراد إلى منتجين دائمين للسخط، وتبدّد طاقة الغضب في جعله حالةً سريعة الاشتعال. حالة مبعثرة وتستهلك ذاتياً، بدل أن تكون طاقة «سلبية» تميل إلى التحوّل الإيجابي فتكتسب بُعداً ثورياً.

ويشرح هان في «مجتمع الحنق» كيف تتحوّل الذات الرقمية إلى ذات متوترة تعيش في حالة استنفار دائم وسط تدفّق لا نهائي للصور وللآراء. إن السيولة الرقمية تفتت القدرة على الإصغاء كما يقول، وتحوّل «العلاقات إلى مرايا تعكس رغبات الأنا فقط»، وهكذا يصبح الحنق حالةً وجودية تُنتجها شاشة لا تمنح سوى سراب تجعل الإنسان مجرد رقم، أو نسخة مستنسخة أو ذاتاً نرجسية منفوخة متضخمة حد التورم.

مجمع اللغة العربية ودور اللغة

غدت كلمة «طعم الحنق» مفردة دالة على ظاهرة تلخّص أحوال هذا العصر إذاً، وستستند إليها الدراسات النقدية والإعلامية بما تحمله من حمولةٍ سلبية تجاه الخطاب المعاصر ولغة الإنترنت. بات من البائد تكرار حقيقة أن تطوّر اللغة الإنكليزية، وغيرها من اللغات، يتحقق عبر إدخال مفردات جديدة منتقاة من المحكيّ والشعبي ومن الإنترنت على قاموسها.

على النقيض منذ ذلك، تبدو المفردات «الداخلة» إلى قاموسنا ركيكة وهزلية. «ترويقة» و«ترند»... يبدو كأنّ مجمع اللغة العربية ينأى عن البحث عن كلمات تتجاوز لغة مسلسلات الدراما، وما ينطق به «الأنتروبرونيرز»، ومستوى منصات الموضة وصالونات الأزياء نحو كلماتٍ تمتلك دلالات أو تختزن مفاهيم.

لسببٍ ما، لم ينتق معجم «أوكسفورد» كلمة شائعة في الإعلام المكتوب وفي الإعلام المرئي وعلى الإنترنت: Gazacide، وهي تركيب لفظي يجمع بين كلمتي غزة والإبادة، وتعني «الإبادة الغزية». يُقال إنّ على مجمع اللغة العربية التفكير في هذه المفردة مرتين، خصوصاً أن تريند بقيت أعجمية. والقائل سأل: أليست الإبادة الغزيّة سفك دماء عربية، وتمسّ العرب مباشرةً، وعليها التجذر في لغتنا كي نتذكرها حتى لا «تنتعاد»؟

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك