البلوز والجاز... من شجن الجنوب إلى حداثة المدن
يتعايش البلوز والجاز كمرآتين لواقعين اجتماعيين وسياسيين مختلفين: البلوز صوت الجنوب المثقل بإرث العبودية وشجن الحياة اليومية، والجاز نتاج لحظة تحديث واندماج رافقت صعود الحركات المدنية.


يتعايش البلوز والجاز كمرآتين لواقعين اجتماعيين وسياسيين مختلفين: البلوز صوت الجنوب المثقل بإرث العبودية وشجن الحياة اليومية، والجاز نتاج لحظة تحديث واندماج رافقت صعود الحركات المدنية. بينهما تتباين البُنى الإيقاعية والوظائف الموسيقية، كما تتباين دلالات الهوية والانتماء
ثمّة فروقاتٌ كبيرة بين الجاز والبلوز، كنمطين موسيقيين مرتبطين بالموروث الثقافي للأميركيين من أصول أفريقية. في الأساس، بدأت موسيقى البلوز كتعبيٍر عن المعاناة التي يشعر بها السكّان الأفارقة الذين جُلبوا إلى الولايات المتحدة للعمل في المزارع والحقول والمنازل، المملوكة لإقطاعيين ومستوطنين بيض.
الشجن العميق الذي تختزنه هذه الموسيقى، بدا في ظلّ تبعات العبودية على نمط الإنتاج هناك، كمعادِل فنّي لا يوجد ما يماثِله، في الأنماط الموسيقية الأخرى التي كانت شائعة في الولايات المتحدة وأوروبا.
الأمر لا يرتبط بحجم الغضب الذي ينطوي عليه هذا الشكل من التعبير الغنائي، بل بالدينامية الإبداعية التي تجعل التعبير موسيقياً عن إيقاعات البلوز، ليس فقط مختلفاً عن سواه من أنماط، بل كذلك دافعاً لاستنباط وظائف جديدة للآلات الموسيقية، لم تكن موجودة بالمقدار نفسه، حين كان التعبير عن النغمات أو الإيقاعات، محصوراً بالسلّم الموسيقي التقليدي، سواءً الكلاسيكي منه، أو حتى المرتبط بالغناء الشعبي.
منظور زياد الرحباني في التعامل مع البلوز والجاز كمرجعيات موسيقية
في إحدى مقابلاته، يقول الراحل زياد الرحباني لدى سؤاله عن موسيقى الجاز التي عَمِلَ عليها لعقود، إنها ليست جاز بقدر ما هي خليط من أنماط موسيقية متعدّدة للأميركيين من أصول أفريقية، أهمها موسيقى «الريتم ان بلوز». مع العلم أنّ الأخيرة ليست «بلوز» بل مزيج من السول والفانك والجاز القديم، كما نعرفه من موسيقى تشارلي باركر وجون كولتراين وسواهما من عازفي الترومبيت والساكسوفون وآلات النفخ النحاسيّة الأخرى.
ثمّ يستطرد في تحليله التقني البالغ الدقّة لمميّزات موسيقى «الريتم ان بلوز» كما يحبّ تسميتها، فيقول إنها بالدرجة الأولى نتاج «تكسير» الموازير الموسيقية للموسيقى الكلاسيكية الغربية.
وهذا يعني ـــ بعيداً من الإيجاز الذي استخدمه الراحل في توصيفه ــ أنّ البنية الموسيقية للنمطين هي نفسها، ولكن مع إحداث اختلالات كبرى فيها، بحيث تصبح حصّة آلات النفخ النحاسيّة والإيقاعات أكبر، مع تراجعٍ واضح وكبير للوتريات، على رأسها الكمانات والتشيلوات المستخدمة بكثرة في الموسيقى الكلاسيكية، واستخدام مقنّن للبيانو والأرغن (الكيبورد)، بحيث يوظّفان في خدمة الارتجال الذي يقوم عليه هذا النوع من الموسيقى المتمرّدة على القوالب القديمة والكلاسيكية...
في مقابلة أخرى مع زياد، يُسأَل عن نوع موسيقى الجاز أو البلوز الذي يحبّه، بعد أن يتخلّل المقابلة عرض مقطوعة موسيقية شائعة لعازف البلوز الأسطوري، لويس أرمسترونغ، فيردّ الرجل بجواب مفاجئ للمذيع مفاده أنّه لا يستسيغ كثيراً موسيقى البلوز، ولا سيّما تلك الخاصّة بالأميركيين البيض، ويعطي موسيقى بوب ديلان كمثال (طبعاً موسيقى ديلان تنتمي إلى الروك والكاونتري أكثر منها إلى البلوز)، للتأكيد على الاغتراب الذي يشعر به تجاه هذا النوع من الموسيقى الأميركية.
المهمّ هنا ليست التفضيلات التي أعلَن عنها أحد أكثر الموسيقيين العرب اشتغالاً على موسيقى الأميركيين من أصول أفريقية، بقدر ما هي في التقاطع الذي يرى الرجل أنه حاصل بين البلوز والجاز وحتى الروك ذي الجذور الأفريقية، والموسيقى الشرقية أو الشرق عربية كما كان يفضل تسميتها المايسترو والموسيقار اللبناني وليد غلمية.
بالنسبة إلى زياد، تبدو موسيقى الروك، ومعها بالطبع الكاونتري التي تتحدّر من الجذر الأميركي الأبيض نفسه، ممتنعةً على الاستماع والذائقة العربيّين، على اعتبار أنها تقوم على نغمات وإيقاعات غير مُستساغة شرقياً، ليس فقط بسبب افتقارها إلى عنصر الربع صوت الذي يميّز المقامات والإيقاعات الشرقية، بل كذلك لأن التقنية المعتمَدة في التأليف والعزف لا توفّر للمستمع، «الألفة» التي يمكن أن يشعر بها، لدى سماعه أو تذوّقه مقطوعة من النوع نفسه، لكن بلمسة الأميركيين من أصول أفريقية. وهو ما يوفّر الأساس النقدي، حتى في الغرب، ولدى المراجع النقدية المعتمدة موسيقياً لديهم، للتمييز بين «الروك الأبيض» ونظيرِه «الأسود» إذا صحّ التعبير.
صعوبة الفصل بين الأنواع المنتمية إلى البلوز والجاز والروك
فعلياً، وبمعزل عن الفروقات بين هذين النوعين من موسيقى الروك أو حتى البلوز، فإنّ ثمّة تقاطعات بينهما أكبر بكثير مما يُعتقَد، وفي إطار يَصعُب على من هم، خارج الولايات المتحدة، حتى من الموسيقيين المحترفين، تبيّنه بدقّة.
حين نسمع مثلاً مقطوعة موسيقية من الميسيسيبي، أي في أقصى جنوب الولايات المتحدة، حيث تمتزج أنغام الكاونتري أو موسيقى الريف مع نظيرتها من البلوز والسول والفانك، لا نستطيع، بسهولة، إسباغ طابع عرقي على الغناء والعزف، فقد يكون الجينر أو النوع الموسيقي، أقرب إلى التعبيرات الفنّية «البيضاء»، ولكن من يعزفه أو يغنيه ليس أبيضَ والعكس صحيح أيضاً.
الاختلاط واستحالة الفصل هنا، هو من طبيعة الأشياء هناك، لأنّ ما بدأ كموسيقى سوداء مع البلوز والجاز ومتفرّعاتهما، انتهى، مع كلّ التهجين الذي حصل بفعل تبنّي البيض لغناء «السود» وتوسيع رقعته وإطاره، إلى حالة، يستحيل فيها فصل هذا عن ذاك، إلا لدى من يعرف بالفعل، أصول هذا النوع من الغناء والموسيقى، ومصادره الفعليّة.
بنية استخدام الآلات في البلوز والجاز
بالنسبة إلى الآلات الموسيقية التي يتكئ عليها التعبير الفنّي عن هذه الأنواع، فإنّ الغالب عليها هو آلات النفخ، لا سيّما في الجاز، إذ يَكثُر في هذا النوع أو الجينر استخدام آلات تعدّ محورية في العزف والتأليف، مثل الترومبيت والترومبون والساكسوفون... في المقابل، وبخلاف الجاز، لا تحتاج موسيقى البلوز، ومعها متفرّعاتها مثل السول والفانك، إلى كثيرٍ من آلات النفخ، على اعتبار أنّ البنية الموسيقية في البلوز، تعتمد أكثر على أسرة الغيتارات، لا سيّما الغيتار الكهربائي والغيتار بيز (وحتى الأكوستيك غيتار الكلاسيكي) اللذين يستحيل تأليف أو عزف أيّ مقطوعة أو أغنية بلوز من دون مساهمتهما، ليس فقط كآلة من ضمن آلات أخرى تتوزّع عليها المقطوعة أو البنية الموسيقية، بل كآلة تقود العزف والتأليف، إلى جانب آلات محورية أخرى مثل الكيبورد والدرامز الذي يتولّى عازفه ضبط الإيقاع، بحيث لا يخرج الارتجال الشائع جداً في البلوز، عبر العزف المنفرد على الكمان الكهربائي، عن حدود البنية المرسومة للمقطوعة أو الأغنية...
الحقبة الذهبية للجاز في الخمسينيات وبداية الستينيات ارتبطت بصعود الرأسمالية الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية
بالنسبة إلى موسيقى الجاز، يحلّ البيانو محلّ الغيتار الكهربائي، كآلة تقود العزف، ولا تتواجد الغيتارات إلا كآلات إسناد (باص)، فيما يزيد عدد آلات النفخ بشكل ملحوظ عن نظيرتها في البلوز، ويضطلع بعض آلات النفخ بدور قيادي في العزف والتأليف حتى، مثل الترومبيت وأحياناً الساكسوفون.
وهو ما يغيب تماماً عن موسيقى البلوز، بحكم عدم اتكالها على الأصوات النحاسية كثيراً، لمصلحة الصوت الآلي الذي تصدره الغيتارات، ويكون غالباً محورياً في تشكيل الهوية السمعية والموسيقية للبلوز، إلى درجة يبدو معها كأنه معادل للغناء الطربي في الموسيقى العربية أو الشرقية.
الملاحَظ هنا أنّ عازفي الغيتار الكهربائي، يكونون في حالة نشوة أثناء استطرادهم في العزف الارتجالي الشائع بكثرة في البلوز، وتزداد النشوة كلّما ازدادت وتيرة العزف ودقّته، مع تصاعد الأصوات التي يصدرها الغيتار. وغالباً ما تكون هذه الفقرة هي لحظة الذروة أثناء الحفلة المقدّمة، وتنتهي غالباً بتصفيق شديد من الجمهور كتعبيرٍ عن الامتنان للعازف على لحظة الذروة «النشووية» التي أوصلهم إليها عزفه.
«التطريب» بين البلوز والموسيقى الشرقية
يذكّرنا ذلك إلى حدٍّ بعيد، بلحظات انتشاءٍ مماثلة، ولكن في سياق التذوّق للطرب الشرقي، ولا سيّما مع غناء أم كلثوم وصباح فخري، وتحديداً في اللحظات التي يصل فيها جمهور «الستّ» إلى مرحلة الذوبان في «المتعوية الغنائية» المقدَّمة منها.
حالات تكرَّرت في سياقات عدة داخل الغناء العربي، أبرزُها وصلات الرقص التي كان يقوم بها صباح فخري، ولدقائق أحياناً، حين تصل النشوة الغنائية به إلى حدودٍ، يمّحي فيها الفاصل بين الغناء والرقص. الوَجْد الشديد في الاستماع إلى الطرب هنا يقابله بهذا المعنى، تذوّق موسيقى البلوز هناك، وهو ما يضع هذا النوع من الموسيقى لدى شرائح كبيرة في وسط وجنوب الولايات المتحدة، في مرتبة تسبق الجاز أحياناً، لجهة درجة شيوعها وشعبيّتها العارمة، رغم أنها تنتمي موسيقياً، إلى حقبة غنائية قديمة وغير رائجة، على مستوى الأدوات المستخدمة في التأليف الشعري والموسيقي، وحتى في التقنيات الموسيقية والغنائية المستعمَلة.
شيوع البلوز وشعبيتها مقارنةً «بنخبوية الجاز»
اللكنة التي تَطغى على الغناء الأميركي للبلوز، هي لكنة جنوبية، وهذا يضيف إلى قِدَم الموسيقى وتقليديّتها، بُعداً آخر، فتصبح أنماط العزف القديمة والمعتّقة، متضافرة مع تكنيك شعري وغنائي، يقوم على استحضار مفردات قديمة أو جديدة ولكن بنبرة قديمة، بحيث يتأكّد الفارق، مع كلّ التحديث الحاصل للقالب الموسيقي المستخدَم بين هذا الجينر وسواه. أي لجهة تطعيم التركيب الشعري والموسيقي والغنائي، بمفردات وأدوات، لا يمكن الوقوع عليها في غير موسيقى البلوز، رغم أنّ الجاز كنوع أو جينر، يُعدّ أغنى بكثير، لجهة التركيب الموسيقي واللحني، ولكن حداثته الشديدة بالمقارنة مع البلوز، تُبقيه في حيّز، أقلَّ شيوعاً وشعبيةً وأكثرَ نخبويةً والتصاقاً بحقبات زمنية سابقة...
موسيقى الجاز هي أكثر التصاقاً بحقبة الخمسينيات، مقارنةً بالبلوز التي لا تزال تُعيد إنتاج نفسها حتى الآن، وهي المرحلة التي شهدت صعود أبرز رموز هذا الجينر أو النوع الموسيقي، مثل مايلز ديفيس وتشارلي باركر وديزي غليسبي وجون كولتراين وآخرين.
البُعد السياسي لصعود الجاز وهيمنته فنّياً وثقافياً
الحقبة الذهبية للجاز في الخمسينيات وبداية الستينيات ارتبطت بصعود الرأسمالية الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى الصعيد السياسي الداخلي، كانت حركة الحقوق المدنية التي قادها مارتن لوثر كينغ في أوجها، أيضاً.
تطلّب الاقتران بين نهضة الرأسمالية الأميركية وبدء إدماج الأميركيين من أصول أفريقية، بالحياة السياسية والاجتماعية هناك، من بوابة الحقوق المدنية، إنتاج سرديّة فنية، تكون الغَلَبة فيها لأبناء هذه الشرائح الاجتماعية والعرقية، بحيث تكون صدارتهم لهذه الموجة أو الطفرة مدخلاً، لبلورة إجماع وطني من البوابة الإبداعية، على أمل الانتهاء من مسألة التمييز العرقي، والخلاص نهائياً من رواسب مرحلة العبودية داخل الثقافة السياسية والاجتماعية الأميركية...
توسيع قاعدة هذا الجينر، كان نتاجاً سياسياً لهذه المعادلة، أكثر منه إفرازاً فنياً بحتاً، لكنه في المحصلة، وضَعَ الجاز على رأس هرم الأنواع الموسيقية، التي حظيت بالاعتراف والتكريس الرسمي والشعبي، إلى درجة بدا فيها أنّ ثمّة تنافساً بين الموسيقيين والمغنين الأميركيين المكرّسين، على تقديم نسخ مختلفة من الجاز، وليس فقط النسخة الأفروأميركية منه.
اللكنة التي تَطغى على الغناء الأميركي للبلوز، هي لكنة جنوبية، وهذا يضيف إلى قِدَم الموسيقى وتقليديّتها
في مقابل أداء مايلز ديفيس وديزي غليسبي وتشارلي باركر، كان ثمّة معادل «أبيض» للجاز ذي الجذور الأفريقية، تبوأه فرانك سيناترا، وتم تعديل الذائقة الفنية السائدة بموجبه، لتتناسب مع التعدّدية الفنّية والغنائية، التي جعلت هيمنة الجاز فنياً، على مجمل الأنواع الأخرى، مشروطةً بتطعيمه «بنكهة بيضاء» تنفي عنه الطابع العرقي، وتضعه في مقدّمة الأنواع الموسيقية التي حصلت فيها «المساواة التامّة» بين البيض و «السود».
وهي صيغة من «الصوابية السياسية»، سبقت بعقود صعود اليسار الثقافي هناك، وأرست معادلة فنية، كانت غائبة عن حقل التعبير الثقافي والفنّي، طوال مرحلة هيمنة «البيض» على أنماط التعبير الإبداعية في الولايات المتحدة.
البلوز كتعبير موسيقي عن ثقافة الجنوب الأميركي
خلافاً للجاز الذي تزامَنَ صعوده مع بواكير الحداثة السياسية والثقافية في الولايات المتحدة، فإنّ موسيقى البلوز، بتعبيراتها المختلفة، لا تبدو تقليديةً أكثر فحسب، بل أيضاً تتحدّر جغرافياً من ولايات، كانت في معظمها جزءاً من الكونفيدرالية الأميركية في الجنوب.
هناك، حيث سادَت ثقافة العبودية لعقودٍ طويلة، قبل أن تنتهي تدريجاً مع بدايات وأواسط القرن العشرين، كان التعبير الفنّي، ولا سيّما الغنائي، عن هويّة المنطقة، مزيجاً من متناقضات عدة. فاللكنة التي تطَغى على الشعر الغنائي المُستخدَم في موسيقى البلوز هي لكنة جنوبية، وهذا يعني أنّ الأميركيين من أصول أفريقية الذين جَلَبوا هذا النوع من الموسيقى معهم، حين سِيقوا من القارّة السمراء في مرحلة العبودية، أسهموا عبر هذه الصياغة الفنّية في إدماج اللغة المحلّية للمستوطنين البيض بالإيقاعات الخاصّة بالبلوز.
لنصبح إزاء معادلة، تكون فيها اللغة المحلّية المغرِقة في «بياضها» محمولةً على إيقاعات لا تنتمي تماماً إلى المنطقة، لكنها تحوّلت مع الوقت، إلى لغة الجنوبيين الفنّية المطلَقة، إلى درجة تحوّلت معها موسيقى البلوز، بفعل عمق تعبيرها عن ثقافة الجنوب الأميركي، إلى الهويّة الفعلية لسكّان تلك البقعة من أميركا الشمالية، بعد اندثار «هويّتهم السياسية» مع انتهاء الحرب الأهلية وتفكّك نظامهم الكونفيدرالي الأبيض لمصلحة الشمال الأكثر اختلاطاً وتعدّدية وكوزموبوليتية.
قابلية البلوز للتطوّر مقارنةً بموسيقى الريف
ثمّة تفصيل تقني يؤكّد على هذا التداخل بين «الهويات الثقافية» إذا صحّ التعبير ضمن موسيقى البلوز، يتمثّل في الاختلاط الشديد بين إيقاعات البلوز والكاونتري، أي موسيقى الريف. بعد توسيع رقعة البلوز ميوزيك الاجتماعية وخروجها عن إطار عزف الأميركيين من أصل أفريقي، أصبحت قادرة، ليس فقط على استيعاب أنماط موسيقية «بيضاء»، بل كذلك على تطويرها وإعادة إنتاجها، إلى درجة أنها النمط الموسيقي الوحيد بعد الجاز والروك، الذي استطاع الاستمرار وهضم كلّ الأنماط التي أُدمجت به بعد فقدانها رقعة الانتشار السابقة، وأهمّ هذه الأنواع، موسيقى الريف أو الكاونتري ميوزيك.
بالنسبة إلى العزف، توقّفت موسيقى الكاونتري عن التطوّر لأنّ بنيتها تقوم على نغمة أو ميلودي واحدة تتكرّر باستمرار، بين المذهب والكوبليهات التي تعقبه.
الرتابة في العزف والغناء وحتى في التأليف، وضعتها على حِدة بين الأنواع الموسيقية الأخرى، لكنها أفقدتها في مقابل هذه الاستثنائية أو الميزة، القدرة على مجاراة التطوّر الموسيقي الحاصل في الأنواع الموسيقية الأخرى، مثل الروك والجاز، وحتى البلوز نفسه. هكذا بقيَت كما نعرفها مع رموز أيقونية وأسطورية مثل جوني كاش وجون براين وسواهما الكثير.
في المقابل، فإنّ قابلية البلوز على التطوّر، لا سيّما حين غادر الحساسية السوداء الصرفة، لمصلحة التهجين في التأليف والعزف، جعلته يستوعب موسيقى الكاونتري ضمن منظومته الخاصّة بالعزف، قبل أن يُعيد إنتاجها، مع الجيل الجديد من مغني ومغنيات البلوز، الذين ينتمون في معظمهم إلى الأكثرية البيضاء.
هؤلاء وسواهم لم يعودوا يستعملون الغيتار الكلاسيكي (الأكوستك) أثناء عزفهم لموسيقى الكاونتري ضمن توزيع «بلوزي» إذا صحّ التعبير، بل غدت قيادة نظيره الكهربائي للفرقة أثناء عزف مقطوعة أو أغنية الكاونتري، مدخلاً ليس فقط لانتشارها أكثر ضمن بيئات مختلفة ومتنوّعة، بل أيضاً لتطويرها، وجَعلِها تواكب الحساسية والذائقة، الخاصّتين بالأجيال الجديدة. فهذه الأخيرة لم تعد تحرّكها الجمل الموسيقية القديمة للكاونتري، كونها باتت تعبيراً فنياً عن «زمن قديم» وغير قابل للتكرار من ضمن القوالب الموسيقية والغنائية القديمة بدورها.

