ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

من المزة إلى صيدنايا... العمارة بصفتها أداة قمع

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

حين نعود إلى الأدب الذي تناول تجارب الاعتقال، غالباً ما ننشغل بحكايات السجناء ونغفل قصص المباني نفسها؛ تلك التي كُتب لها أن تكون سجوناً، فتحولت مساحاتها وأقسامها إلى أماكن لصناعة الخوف.

مروة جردي
مروة جردي
السبت 13 كانون الأول 2025
سجن صيدنايا
سجن صيدنايا
الخط

حين نعود إلى الأدب الذي تناول تجارب الاعتقال، غالباً ما ننشغل بحكايات السجناء ونغفل قصص المباني نفسها؛ تلك التي كُتب لها أن تكون سجوناً، فتحولت مساحاتها وأقسامها إلى أماكن لصناعة الخوف. السجن ليس مجرد جدران، بل مبنى له ذاكرة وطبقات زمنية تتراكم: عثمانية، فرنسية، ثم سورية.

ولهذا حظيت الأساطير المرتبطة بالأقبية والأبواب السرية في صيدنايا، تحديداً، بالاهتمام الأكبر بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، بينما بقيت شبكة السجون شاهدة على انتقال السلطة وتعاقب أدوات القمع في سوريا.

وتُظهر قراءة السجون السورية من منظور عمراني كيف تُستخدم الهندسة بوصفها تقنية للسيطرة، وكيف يتحول البناء إلى جهاز يعمل على إنتاج الخضوع. فالموقع، والشكل، ونظام المراقبة، كلها عناصر تحدد طبيعة السجن وتجربة المعتقلين فيه. ومن هنا يمكن فهم الفارق بين سجن داخل مدينة كالـمزة، وسجن في صحراء كتدمر، وسجن محصّن على جبل كصيدنايا؛ فلكلّ منها جغرافيا عنف مختلفة وأساليب قمع صُنعت داخلها.

المزة: سجن داخل المدينة

يقع سجن المزة في قلب المشهد العمراني لدمشق، فوق تلة تشرف على المدينة. هذا الموقع وسط التجمع السكاني والسياسي يكشف عن طبيعة وظيفته: سجن سياسي مرئي، لكن مغلق. بُني في عهد الانتداب الفرنسي، ثم تحول إلى سجن عسكري بعد الاستقلال، قبل أن يصبح في عهد حسني الزعيم معتقلاً سياسياً. مرّ عليه قادة ورؤساء أمثال شكري القوتلي وأمين الحافظ ونور الدين الأتاسي وصلاح جديد، كما سُجن فيه حافظ الأسد نفسه خلال فترة الانفصال. أُغلق السجن عام 2000 مع وصول بشار الأسد إلى السلطة ضمن ما سُمي بسياسة «التحديث والإصلاح».

يمثل سجن المزة نموذجاً لبناء ذي ذاكرة متراكمة، من الاحتلال إلى دولة الاستقلال والوحدة ثم حكم «البعث»، حيث تُعاد تعبئة المبنى وظيفياً مع تبدّل الأنظمة، من دون محو أثر الطبقات السابقة.

تدمر: الصحراء بوصفها عقوبةً

في قلب الصحراء السورية، وعلى مقربة من آثار تدمر الساحرة، بُني السجن وفقاً لنموذج البانوبتيكون؛ ذلك التصميم الإشرافي الذي يسمح بمراقبة السجين بلا توقف. الفضاء هنا لا يقل قسوة عن الممارسات داخله: صحراء مفتوحة، عزلة مطلقة، وانقطاع تام عن المدن. هذا شكل من الحبس الكلّي Total Institution حيث تمحى الحدود بين الزمن والمكان والذات.

شيده الفرنسيون، لكنه اكتسب شهرته الرهيبة في عهد «البعث» تحديداً مدة الثمانينيات. صار رمزاً للقمع المنهجي بحق المعتقلين السياسيين، خصوصاً المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتناوله عدد من الأعمال الروائية، أبرزها «القوقعة» لمصطفى خليفة. بدأ تفريغه بعد بناء صيدنايا عام 1987، خصوصاً بعد المجزرة التي ارتكبتها سرايا الدفاع عام 1980 التي قُتل فيها أكثر من ألف معتقل إسلامي، في رد عبر الإعدامات الميدانية على مجزرة مدرسة المدفعية في حمص عام 1979.

أعلن إغلاقه عام 2001، لكنه عاد للعمل مع اندلاع الثورة. وفي 30 أيار (مايو) 2015، دمّر تفجير ضخم مبناه بالكامل، لكن ذاكرته بقيت معلّقة فوق الركام.

صيدنايا: هندسة التحصين والعزلة

يبقى صيدنايا المثال الأكثر وضوحاً على استخدام العمارة كأداة قمع. بني عام 1987 على سفح جبل يطلّ على العاصمة، محاطاً بطبقات من التحصين الطبيعي والبشري، ما جعله أقرب إلى قلعة معاصرة للعقاب. ينقسم السجن إلى مبنيين: «الأحمر» للمعتقلين السياسيين والمدنيين، و«الأبيض» للعسكريين. حمل ألقاباً مثل «المسلخ البشري» و«السجن الأحمر».

الجبل هنا ليس خلفية جغرافية فحسب، بل جزء من آلة العقاب، عزلة تامة، صعوبة الوصول، وانقطاع بين الداخل والخارج. وهذا ينسجم مع مفهوم جغرافيا العنف الذي يجعل من المكان عنصراً مشاركاً في عملية الإخضاع رغم قربه من «دير السيدة». وفي 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، تمكنت قوات المعارضة من اقتحام السجن وتحرير معتقليه، بالتزامن مع دخولها دمشق وإعلانها سقوط نظام الأسد.

دوما للنساء: الغياب في السرديات

ورغم أنه لا يُذكر عادة ضمن أشهر السجون السورية، يبقى سجن دوما للنساء جزءاً مهماً من المشهد السجني، لكنه وُضع على هامش السرد بسبب هيمنة الروايات الذكورية في أدب السجون.

يقع السجن في واحدة من أبرز مدن الثورة السورية، وقد ضمّ خلال الحرب معتقلات من المدنيين والعسكريين الموالين للنظام، وأطلق على السجن الذي أحدثته الفصائل المعارضة ضمنه اسم سجن «التوبة» ولم يكتب حتى اليوم أي نص عن تجربة هذا السجن الحديث. ظهر سجن دوما للنساء للمرة الأولى في رواية «الشرنقة» لحسيبة عبد الرحمن، بوصفه فضاءً مغيباً عن الذاكرة العامة، رغم ثقل تجربته.

تُظهر قراءة هذه السجون الثلاثة أنّ المبنى ليس إطاراً محايداً للعقاب، بل فاعل سياسي يحمل ذاكرة وطبقات زمنية، ويعيد إنتاج السلطة عبر هندسته وموقعه ووظيفته. بين سجن داخل مدينة، وآخر في صحراء، وثالث على جبل، تتشكل ثلاثة نماذج من الهندسة السلطوية التي صنعت تجارب الاعتقال في سوريا، وطبعت الذاكرة الجمعية لعقود طويلة.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك