ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

عُد إلى البيت يا خليل (*)

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

قال الرجل إنه رأى جثة يوسف مع أربع جثثٍ أخرى في أسفل الوادي. «ويلي ...قتلوه»، صرخت ثريا، وركضت باتجاه الوادي، لكنهم منعوها من الذهاب.

كفى الزعبي
كفى الزعبي
السبت 13 كانون الأول 2025
صخرة تذكارية لضحايا مذبحة دير ياسين (حديقة متحف Kelvingrove ـــ غلاسكو الاسكتلندية)
صخرة تذكارية لضحايا مذبحة دير ياسين (حديقة متحف Kelvingrove ـــ غلاسكو الاسكتلندية)
الخط


قال الرجل إنه رأى جثة يوسف مع أربع جثثٍ أخرى في أسفل الوادي. «ويلي ...قتلوه»، صرخت ثريا، وركضت باتجاه الوادي، لكنهم منعوها من الذهاب.«سيبيت يوسف في العراء»، قالت بذبول. «نحن الذين سنبيتُ في العراء يا ثريا، أما يوسف فقد أصبح عند ربّه»، أجابتها أختها فضية.

أخذت الساعات، ساعةً إثر ساعةٍ، توغل في الليل. السماء بعيدة جداً، والنجوم فيها كثقوبٍ تطل على الخواء. والأرض لم تعد كما هي. تقف عليها ثريا وتشعر بنفسها تغرق في الضياع والألم.

أناس يستلقون تحت الأشجار، وآخرون يجلسون. وأصوات نحيب تتصاعد إلى الفضاء مثل أعمدة دخان، وتتلاشى فيه من دون أن يبقى لها أثر.

«متى سينحسر الليل؟»، تساءلت ثريّا في نفسها وهي تتأمل أطفالها النيام. فكرت أن الأطفال يغفون بسهولة، فقلقهم مثل الريش، خفيف، سرعان ما يطيّره النعاس. الأرض من تحتهم باردة والأفق المظلم يغطّيهم، وهم نيام. فضية أيضاً تنام مستلقية على جنبها وسطهم.
فجأة جمدت أفكار ثريا وحملقت في الفراغ، إذ سمعت النباح. ثمّ تردّد صدى النباح. «إن رائحة الدماء تجذبها حتى وإن كانت في آخر الدنيا». فكرت. استندت فضية: «لماذا تحدّقين بنا هكذا؟».

«يجب أن أذهب!» قالت ثريّا.
«إلى أين؟». «يجب أن أدفن يوسف! لا يصحّ يا فضية أن يبقى جسده مرمياً في العراء، عرضة للكلاب. ذلك حرام وخطيئة لا يغفرها الله! إنني أسمع روحه تصرخ في كل مكان، وليس في وسعي احتمال هذا العذاب! سأعود سريعاً»، وقامت من دون أن تصغي لتوسلات فضية.

صبغة نحاسية تزحف ببطء من الشرق نحو السماء. والسماء لا تزال رمادية قاتمة. عمّا قريب ستنهض الشمس وتفيق العصافير وتأخذ في الغناء، وستضحك السماء «كأن شيئاً لم يكن»، جال في خاطر ثريا.
نسمات الهواء باردة تلفّ جسدها، وهي تمشي مسرعة. قديماً، كانت هذه النسمات ذاتها تثير في جسدها ارتعاشة لذيذة، أما الآن فيبدو لها أن العالم بات صقيعاً.

«إلى أين تذهبين يا ثريّا؟» يسأل يوسف من دون أن يفتح عينيه أو يحرّك ساكناً تحت الغطاء. «سأرد الغطاء على الأطفال، فهم ينكشفون ليلاً، ونسمات الفجر باردة». «غطّيني أنا أيضاً يا ثريّا».
«لكنك مغطّى».
«غطّيني بجسدكِ، فلا شيء يدفئني غيره».

أشرقت الشمس ونثرت ضياءها في الفراغ بلا مبالاة. ورمت الصخور البارزة ظلالها بعيداً مغطية الأرض قبل أن تبدأ بالانحسار، كي تفسح المجال للأعشاب والزهور الصغيرة بلقاء الصباح.

سارت ثريّا مسرعة متعثرة الخطى، غير أن وجهها لم يصطبغ بلون الشروق الوردي. ظل مسوداً، كما لو أنه لم يخرج من الليل بعد. «لا أريد هذا الصباح. أريد أن أذهب إلى الأمس وأبقى فيه. غير أن جميع الطرق لا تؤدي إلا إلى اليوم والغد. أريد أن أذهب إلى تلك الصباحات المغموسة برائحة الخبز والقهوة. أن أعود إلى فراشنا الدافئ وإلى تلك الساعات التي كانت توقظني فيها العصافير وأحاديث الجيران وخطى المارين على الشارع، وحرارة جسدك. لكن ذلك انتهى. وليس ثمّة درب توصلني إليه. هل تسمعني يا يوسف؟

وهل عرفت بما حدث، أم أنهم قتلوك قبل أن تعلم أنهم نسفوا القرية فلن نعود إليها، ولن نسير على طرقاتها، ولن يأتي أبداً ذاك المساء الذي أقف فيه خلف السياج أنتظر عودتك. كل ذلك حدث بالفعل يا يوسف، وها أنا كما تراني أمضي باكراً أبحث عن فأس لأحفر به قبراً لك».

كان الوقتُ وقتَ صحوة الناس عندما وصلت ثريّا القرية المجاورة لقريتها. وقت ذهابهم وإيابهم، وقت فتح النوافذ ورشّ الأرض الترابية أمام البيوت بالماء. وقت «صباح الخير، وصباح النور»، وثرثرات النساء المستعجلة بجانب الأسوار.

بيد أنها لم تصادف شيئاً من هذا. كأن القرية مهجورة. شوارعها خاوية، نوافذها مغلقة، أبواب بيوتها موصدة.
سارت في الشوارع على أمل أن تصادف أحداً، إنما من دون جدوى. وشيئاً فشيئاً، لم تعد تسمع صخب العصافير ولا ضوضاء الطبيعة، إذ ذابت الأصوات جميعها في صمت القرية الكئيب. وأمسى طعم الهواء مراً فيما هي تلوك أفكارها وتبتلع عصارتها بصعوبة: لقد هُجرت القرية ولم يبقَ فيها أحد، وهي الآن تطوف طرقاتها وحيدة مثل روح هائمة تبحث عن الخلاص.

طرقت أحد الأبواب ولم تسمع جواباً، ثم طرقت باباً ثانياً فثالثاً. وفجأة سمعت خربشة في أحد البيوت وهي تتوقف عن طرقه. وإذ لم يُفتح الباب دفعته بحذر ودخلت. في تلك اللحظة كان باب إحدى الغرفتين الطينيتين القائمتين في وسط الساحة، يصدر صريراً وهو يُغلق بحذر. اتجهت إليه مسرعة وراحت تطرقه وهي تهتف: «أرجوكم افتحوا، جئت أطلب المساعدة!».

انفتح شقّ صغير في الباب أطل عليها من خلاله وجه امرأة عجوز، ثم انفتح الباب كاملاً ووقفت فيه العجوز تقابل ثريّا. ومن دون أن تلقي أيٌّ منهما التحية على الأخرى، بقيتا للحظة تحملقان ببعضهما. ثم سألت ثريّا: «ألا تعرفين أين هم أهل القرية؟ لا أجد أحداً منهم».
«لقد فروا بالأمس. لم يجرؤ أحد منهم على البقاء والمبيت فيها. قال الرجال إنهم سيعودون عندما يجدون السلاح الذي يدافعون به عن عائلاتهم وأنفسهم. ألم تسمعي بالمذبحة التي حدثت البارحة في دير ياسين؟».
«أنا من الذين نجوا منها».
«حقاً؟».
«أجل».
«وهل رأيت بعينيك ما حدث؟».
«أجل».
«وهل قُتل لك أحد؟».
«زوجي وأظن أن أهلي وأهل زوجي قد قُتلوا، فلم أجدهم بين الناجين». «وكيف نجوت أنت؟».

«أرجوك لا وقت لدي للحديث. فقد قالوا لي إن جثة زوجي مرمية في العراء مع أربع جثث أخرى، ولهذا جئت إلى هنا. أريد أن أدفنهم وأحتاج إلى مساعدة الرجال، أو على الأقل أريد فأساً».
«من الصعب أن تجدي هنا رجالاً أو فؤوساً، إذ حمل الناس كل ما يمكنهم أن يدافعوا به عن أنفسهم، ابتداءً من السكاكين وانتهاءً بالفؤوس والبلطات».

«ماذا سأفعل إذن؟» تساءلت ثريّا بيأس.
«لا أدري». قالت العجوز وصمتت قليلاً ثمّ أردفت: «حسناً. انتظري هنا».
ودخلت بيتها وعادت تحمل سكيناً، قدمته قائلة: «هذا كل ما أملك! وهو أفضل من لا شيء. يمكنك أن تأخذيه. ربما يساعدك، فالأرض ما تزال طرية وقد يسهل حفرها به!» أخذته ثريّا وسألت: «وأنت؟ لمَ‎ لم تهربي معهم؟!» «لأنه لا يمكن للمرء أن يهرب من موته. فلن يحدث إلا ما كتب الله لنا!»
سمعتها ثريّا وأرادت أن تسأل: «لماذا الله إذن بهذه القسوة؟» بيد أنها بلعت ريقها الجاف واستغفرته في نفسها، من دون أن تقول شيئاً آخر.

تجاوزت طرقات القرية راكضة حتى أشرفت على السهول. وباتت الدنيا تتماوج أمام ناظريها مغبّشة تشبه الوهم.
«هل تذكر يا يوسف تلك الصباحات عندما كانت الشمس تضيء بصخب فتبدو الأشياء واضحة كما لو كانت هي التي تشع؟!»
«أذكر».
«لماذا إذن لا تقوى شمس هذا الصباح على الإضاءة فتتماوج الدنيا وتنطفئ مثل الحلم؟»
«لأن عينيك مغرورقتان بالدموع يا ثريّا!»

وقفت على حافة الهضبة تجول ببصرها في أسفل الوادي، لكن شجيرات الدفلى حجبت الرؤية عنها فلم تر شيئاً. انحدرت مسرعة تثب فوق الحجارة، والحجارة تتدحرج بسرعة نحو الأسفل كأنها بانتظار من يدفعها كي تستقر في القاع.

لكنها لم تعثر على الجثث في الأسفل. سارت باتجاه اليمين مسافة ثم عادت باتجاه اليسار مسافة أخرى، من دون أن تصادف أي جثث. وبينما هي تتطلع حولها باحثة، استوقفتها دماء. دماء لم تجف بعد، تغطي بقعاً متفرقة من الأرض. توقفت للحظات تدقّق بها ثم لاحظت أن آثار الدماء تتجه إلى الأعلى.

خفق قلبها باضطراب كأن أملاً ما عبث به. أسرعت بانفعال نحو الأعلى. تلهث وتسابق خطواتها. بيد أنها وما إن وصلت أعلى الهضبة حتى تسمّرت في مكانها واقفة تحدّق بالأرض أمامها. لم يعد ثمّة داعٍ للتقدّم أو البحث أو النظر باتجاهات مختلفة. ذلك أنها وجدت نفسها تطل فجأة على أربعة قبور حديثة ما يزال ترابها متناثراً.

«مر إذن أناس طيبون من هنا ودفنوهم». قالت في نفسها بخيبة وأسى لا يُحتملان.
جلست إلى جانب القبور. تداعت شظايا الأمل في داخلها وجرّحت روحها. كانت الشمس تضيء، وهواء نيسان يلعب بمرح في السهول، والطيور سعيدة. تذكر ثريّا أنها كانت تئنّ بصوت مرتفع من دون أن تقوى على البكاء. بينما روحها تجفّ وتتشقق وتتكسر مثل الصحراء وتمتلئ بأخاديد الألم.

لم تكن تعرف في أي قبر يرقد يوسف، فراحت تمسّد بيديها القبور جميعها. ثمّ لملمت فتات روحها ونهضت. وما لبثت أن تسمّرت في مكانها بلا حراك. تذكرت أن الرجل قال لها إنه رأى خمس جثث، فأين هو القبر الخامس؟ تأملت القبور، عدّتها مرّة أخرى، وظلّت أربعة. مكثت زمناً لا تدرك طوله، وهي تدور حول القبور تارة، وتارة تجلس إلى جانبها وأخرى تتفرّس في التراب.

ثمّ بدا على وجهها القرار. اقتربت من القبر الأول، انحنت عليه وراحت تحفر التراب بيديها وتلقي به كيف ما اتفق. يعفر ملابسها ووجهها من دون أن تعبأ به. إلى أن لامست الجسد. ارتدّت إلى الوراء ترتجف وتلهث وأسنانها تصطكّ بينما قلبها ينبض بعنف.
«ماذا لو كانت هذه الجثة هي جثة يوسف؟». بقيت لدقائق مبتعدة تحاول التقاط أنفاسها. إنما يجب عليها أن تنظر إلى الوجه. يجب أن تتأكد إن كان هذا يوسف أم لا.

اقتربت من القبر ثانيةً، وراحت بيديها المرتجفتين تزيل التراب بحذر عن الوجه. في البدء بان الجبين، ثمّ العينان المغمضتان، والأنف. وتوقفت حين فهمت أن القتيل ليس يوسف. وقبل أن تهيل التراب عليه، اتجهت إلى القبر الثاني مسرعة تحفره بالتوتر ذاته، حتى وصلت إلى الجسد، أزالت التراب عن الوجه واكتشفت أنه ليس وجه يوسف. ثمّ لم تعثر على جثة يوسف في القبر الثالث ولا في الرابع.
تهاوت على الأرض منهكة القوى، معفرة بالتراب تحدّق بعينين جاحظتين في المجهول.
(*) فصل من رواية تحمل العنوان نفسه للكاتبة الأردنية كفى الزعبي، صدرت حديثاً عن «دار الآداب» في بيروت.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك