الموت الذي هربت منه
كانت ذكرى ميلاده بعد يومين، فجلس مطرقاً يفكر في طريقة تجعله ينأى عن تلك اللعنة. إذ كان ينتمي إلى عائلة يموت أفرادها فور بلوغهم الأربعين. نعم، هذا ما كان يحصل، ولو بدا غير قابل للتصديق.


كانت ذكرى ميلاده بعد يومين، فجلس مطرقاً يفكر في طريقة تجعله ينأى عن تلك اللعنة. إذ كان ينتمي إلى عائلة يموت أفرادها فور بلوغهم الأربعين. نعم، هذا ما كان يحصل، ولو بدا غير قابل للتصديق. ظن الناس لمدة طويلة بأن ما يحدث مجرد مصادفة حمقاء، ولم يتأكدوا إلا بعدما رأوا بأم أعينهم كيف أنّ الموت غيّب هؤلاء التعساء واحداً تلوَ الآخر.
فكر طويلاً، وفي كل خطة كان يجد فجوات وشقوقاً يمكن للموت أن يتسلل منها لأخذ روحه. خطر في باله مثلاً أن يقضي ذلك اليوم المشؤوم في البيت وأن لا يخرج أبداً، لكنه تذكر خاله الذي سبقه إلى نفس الفكرة الفاشلة. لم يستطع خاله أن يهرب من قدره وقد عثروا عليه ميِّتاً في فراشه. كما فكر، على النقيض من ذلك، في أن يواجه هذا المصير بشجاعة ويخرج للعالم بقلب صلب. أن «لا يقلق من الموت» هكذا فكر. لكنه سرعان ما استدرك أنه لم يعش حياته بعد، وأن كل أحلامه ما تزال معلّقة تنتظر الفرصة لتتحرر وتتحقق.
تجنّب كل محاولات أسلافه السابقين، التي بطبيعة الحال لم تجد نفعاً، إذ لم يتبق من أهله سوى إخوته الأصغر سناً، والذين قرروا عكسه أن يتزوجوا في سن مبكرة، ليتسنى لهم تكثيف تجربة الحياة واختبارها. اعتاد أحد إخوته أن يقول له إنه يعيش حياته وكأنه لن يبلغ الأربعين أبداً. أما هو فلم يتزوج، رغم أن نساءً كثيرات أحببنه وتمنين أن يعشن معه حتى ولو لأيام معدودة.
فكيف يعقل أن ينجب أبناء ليتركهم في معترك الحياة بعده!
استيقظ صبيحة يوم عيد ميلاده، غير مصدق أنه حي يرزق، أخذ يلمس جسده ليتأكد، ولكن مهلاً ألم يتوف خاله وهو يشرب كأس الشاي وقت الفطور؟ ألم يحضر دفن عمه تحديداً بعد صلاة المغرب؟
أجهضت هذه الذكريات فرحته الطارئة، فجلس فوق الكنبة يفكر من جديد، ويجتر كل الأفكار التي اقتنع بها في الماضي. فدائماً ما كان المستقبل بالنسبة إليه هالةً من الغموض تحيط بالوجود، ولم يكن يثير فيه الغد أي مشاعر، لأنه ببساطة لم يكن يهوى التخطيط؛ فحتى عندما كانت أخته تنصحه بأن يحاول جمع بعض المال تحسباً لمصائب الدهر، كان يضحك بسخرية.
ارتدى ملابسه وخرج إلى الشارع، بينما فكرة اقتراب الموت منه لا تفارقه. قصد حانة كانت على بُعد خطوات قليلة.
كان يضع رأسه بين يديه حينما سمع صوت شاب يجلس على الكرسي في الجهة اليمنى.
— هيه أنت؟ هل أنت وحيد؟ أنا أيضاً أشعر بالوحدة؟
— لست وحيداً، لكن هذا آخر يوم لي في هذه الدنيا.
— يبدو أنك سكرت قبل حتى أن تنهي كأسك.
— أو سأغادر حتى قبل أن أنهي ما تبقى لي من الحياة.
— كيف عرفت ذلك؟ أعني كيف عرفت أنه لم يحن بعد وقت الرحيل. إذا سألت أي إنسان عاقل، سيقول لك إنّه يتمنى لو يبقى خالداً أبداً.
— كل أسلافي وعائلي ماتوا فور بلوغهم الأربعين من عمرهم.
— هذا هراء، هناك سرّ ما وعليك أن تكتشفه.
— ليس لدي وقت، اليوم أتممت الأربعين من عمري.
خرج من الحانة يمشي مترنحاً من السكر. لم ينتبه إلى أن المساء قد حلّ وأنه تأخر في العودة، بل لم يفكر حتى في أنه ما يزال يتنفس ويمشي... ولديه رغبة في التبول سيشبعها خلف ذلك الحائط.
مرّ كل هذا الوقت، وهو غاف عما كان يقلقه قبل ساعات. وفي لحظة، فطن إلى أنه ما يزال حياً يرزق، فعاوده القلق والخوف مجدداً من الموت.
تابع السير بخطوات مترددة لكنها تعرف طريقها، ليهوي من على أعلى الجرف إلى الأرض.
* رُوُونْ/ المغرب
