معرض يبرز التضامن الاجتماعي خلال الحرب الإسرائيلية في لبنان: «اللقاء» يجمع ذاكرة النزوح
في إطار مشروعٍ توثيقيّ يلامس واقع النزوح والتضامن الاجتماعي خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، أُقيم مشروع بعنوان «اللقاء» بالتعاون بين «جمعية مهرجان الصورة - ذاكرة»، و«المنظمة اللبنانية للتنمية والسلام»، و«دار المصوّر».


في إطار مشروعٍ توثيقيّ يلامس واقع النزوح والتضامن الاجتماعي خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، أُقيم مشروع بعنوان «اللقاء» بالتعاون بين «جمعية مهرجان الصورة - ذاكرة»، و«المنظمة اللبنانية للتنمية والسلام»، و«دار المصوّر». خضع 13 متطوّعاً لتدريب على التصوير، بهدف نقل واقع النزوح عبر تجارب النازحين والمجتمع المضيف، في عدد من بلدات إقليم الخروب في الشوف.
العيش المشترك في زمن الكارثة
لم يُطرح «اللقاء» بوصفه مجرّد مشروع تصوير أو توثيق بصري، بل كمحاولة للاقتراب من التجربة الإنسانية المركّبة التي فرضتها الحرب، بما تحمله من خوف وقلق وأسئلة يومية حول معنى العيش المشترك في زمن الكارثة. انطلق المشروع من فكرة أساسية مفادها أنّ النزوح لا يطال المهجّرين وحدهم، بل يشمل أيضاً المجتمعات المضيفة التي وجدت نفسها فجأة أمام تجربة استثنائية، أعادت طرح العلاقة مع الآخر، ومع المكان، ومع مفهوم التضامن نفسه.
من الإقليم إلى الجنوب
يوضح رمزي حيدر عن «دار المصوّر»، في حديث معنا أنّ المشروع استهدف المهجّرين إلى الإقليم كما المجتمع المضيف، في محاولة لنسج علاقة مباشرة بين الطرفين، بعيداً من الخطاب النظري أو الشعارات الجاهزة، لمصلحة الاحتكاك اليومي والمرافقة والإصغاء إلى القصص الفردية. في هذا السياق، لعبت النائبة حليمة قعقور دوراً أساسياً في وصل المشاركين بالعائلات والبيئات المعنية، ما فتح قنوات التواصل الأولى التي سمحت للمشروع بأن يتحقّق على الأرض. أمّا «دار المصوّر»، فكان حضورها محورياً عبر تدريب المتطوّعين، ومرافقتهم خلال تجربتهم الميدانية، والإشراف على مسار العمل تقنياً وإنسانياً في آنٍ واحد.
-
(هيثم الموسوي)
امتدّ المشروع على تسعة أشهر، من آذار (مارس) حتى كانون الأول (ديسمبر) الجاري. ويشرح حيدر أنّ الدعوة للمشاركة كانت مفتوحة من دون شروط محدّدة، إذ لم يكن الهدف انتقاء محترفين أو أصحاب خبرات مسبقة، بل إتاحة المجال أمام كل من يرغب في خوض التجربة بجدّية. غير أنّ الالتزام الفعلي استقرّ في نهاية المطاف عند 13 مشاركاً فقط، تابعوا العمل حتى خواتيمه. شارك في المشروع كل من علي أبو خشفة، وعلي المعوش، وسعيد دمج، ونور شبو، وحلا حميّة، ورين علي محمد، وطارق صعب، وعلاء الدين حمزة، وخليل شبو، ونورة حمزة، وعلي قعقور، ومحمود علي الزعرت، ومريم حمدان.
عمل رغم القصف
واجه المشاركون صعوبات جمّة، ولا سيّما على المستوى الأمني. فقد توجّه عدد من الشبان والشابات إلى قرى الخيام وعيترون والنبطية وبنت جبيل، وهي مناطق لا تزال عرضة للقصف الإسرائيلي ومهدّدة بالتصعيد المستمر. ويلفت حيدر إلى أنّ معظم المشاركين ليسوا من أبناء الجنوب، ولم يختبروا سابقاً معنى العيش تحت هذا النوع من التهديد المباشر. ومع ذلك، شكّلت الزيارات المتكرّرة عاملاً حاسماً في تقليص المسافة بينهم وبين الواقع الجنوبي، إذ تحوّلت التجربة تدريجاً من خوف وحذر شديدين إلى نوع من التآلف الحذر، مع تراجع ملموس في حدّة القلق مع كل زيارة جديدة.
ما شجّع حيدر على خوض هذا العمل، كما يقول، هو إمكان التعاون بين أشخاص من بيئات اجتماعية وثقافية مختلفة، ونقلهم من سياقاتها المعتادة إلى بيئات أخرى، بما يحمله ذلك من صدمة معرفية وإنسانية.
تجارب المتطوعين
من بين التجارب التي يسلّط حيدر الضوء عليها، تبرز مشاركة رين محمد، التي توجّهت إلى بلدة عيترون. في اليوم التالي لوصولها، تعرّضت القرية للقصف، في لحظة كان يمكن أن تدفعها إلى الانسحاب. غير أنّها عادت مجدداً وأصرّت على استكمال العمل. شاركت رين في المشروع بدافع حبّها للتصوير وفقاً لما تقول لنا، لكنها لم تفصل هذه الهواية عن التزامها الإنساني، إذ كانت في الوقت نفسه ناشطة على الأرض لمساعدة النازحين ضمن «اتحاد الشباب الديموقراطي».
-
(هيثم الموسوي)
عملت رين مع عائلة نازحة من عيترون، ورافقت تفاصيل حياتها اليومية، من القلق إلى محاولات التكيّف، ومن الحنين إلى القرية إلى البحث عن معنى للاستمرار. كما انتقلت إلى برجا لمقابلة العائلة المستضيفة، فعاينت من قرب ديناميات العلاقة بين الطرفين، بما تحمله من تعاطف وتوتر وتحدّيات. وتؤكد أنّها لم تخف من التوجّه إلى هذه المناطق بقدر ما تحمّست للتجربة، وتعلّمت كيف تعبّر عمّا تريد قوله بصرياً بالطريقة التي تؤمن بها، من دون قيود أو رقابة مسبقة. هذا الهامش من الحرية، الذي مُنح للمشاركين، أتاح لكل منهم نقل ما شاهده وعايشه كما هو، من دون تلميع أو اختزال.
في المقابل، اختارت حلا حميّة من برجا العمل مع المجتمع المضيف، في مقاربة موازية لا تقلّ أهمية. فضّلت عدم التوجّه إلى الجنوب لأسباب أمنية، لكنها وجدت في الإقليم مساحة غنيّة بالقصص التي تستحق التوثيق. ركّزت عدستها على تجربة خديجة، المرأة التي استقبلت نازحين في منزلها، رغم ضيق مساحته.
في زمن الحرب، حيث تتكاثر الأرقام وتبهت الوجوه، يحاول «اللقاء» إعادة الاعتبار للتجربة الفردية، وللقصة الصغيرة التي تختصر معنى التضامن الاجتماعي. لا تكمن أهمية المشروع فقط في نتائجه البصرية، بل في التحوّلات التي أحدثها لدى المشاركين أنفسهم، وفي قدرتهم على النظر إلى الحرب والنزوح بوصفهما واقعين معيشين، لا مجرّد أخبار عابرة.
* «اللقاء»: حتى 18 كانون الأول (ديسمبر) - «دار المصور» (الحمرا). للاستعلام: 21/749344 - 71/233374
