هو أحد شعراء جيل الحرب اللبنانية: فادي أبو خليل... الاختفاء الأخير
ثمّةَ مَن يعيشونَ أمواتاً، وثمّةَ من يرقدون وهم لا يزالون في قلب الحياة. لكن ماذا عن أولئك الذين علقوا بين غيابين؟ عن الذين انتحروا وجودياً، فتوقفت علاقتهم بالعالم من دون أن ينقطع نبضهم؟


ثمّةَ مَن يعيشونَ أمواتاً، وثمّةَ من يرقدون وهم لا يزالون في قلب الحياة. لكن ماذا عن أولئك الذين علقوا بين غيابين؟ عن الذين انتحروا وجودياً، فتوقفت علاقتهم بالعالم من دون أن ينقطع نبضهم؟
ينتمي جيلنا إلى مرحلة لم تعرف فادي أبو خليل إلا أثراً شحيحاً، أو صورةً معلقةً في الذاكرة. يوم اختار اعتزاله الطوعي، كنا لا نزال في طور الطفولة، وكانت بيروت حينذاك تودّع صباها، ويجفُّ ضرعُها ترهلاً. وقبل أيام، أيقظنا خبر رحيله، إلا أن الحكاية لم تبدأ من هناك. كثيرون أرّخوا لغيبته منذ ربع قرن، كأنَّ ذاك الانكفاء لم يكن سوى تمرينٍ طويل على الرقاد الأخير.
هكذا بدا الشاعر والممثل فادي أبو خليل في خريفهِ الأخير، كائناً في المنطقة الرماديّة، لا هو في الحياة تماماً ولا خارجها، إلى أن جاء الرقاد ليطوي سيرةً كانت ـــ رغم العزلة ـــ مليئة بالأدوار والنصوص والقصائد.
البحث عن الغياب
حينَ تقرأُ شعرهُ، تلمسُ صدقَ ما رواهُ رفاقهُ، أنّهُ شاعر استثنائي، ممثل ومسرحيّ، لطيف الرفقة وعميق الحضور، قلق الجلسة، على عَجَل دائم، كأنّه في كل مرة ينهض ليغادر شيئاً أكبر من المقهى: ينهض ليغادر حياته نفسها.
قصائده القصيرة ومجموعاته الثلاث: «غيوم طويلة... إني أتذكّر»، و «لا شيء تقريباً»، و «فيديو» تشبه رسائل مستعجلة. شذرات تومض وتختفي. جمل حادّة، مباشرة، بلا بلاغة فائضة. كان فادي أبو خليل يحاول أن يحرّر القصيدة من فخامتها، وأن يكتب اليوميّ، العابر، المتكسّر، محاولاً التقاطَ اللحظة قبل أن تفلت منه.
ابنُ الحرب و... المقاهي أيضاً
وُلد فادي أبو خليل في الأشرفية، وتردّد طوال شبابه بين بيروتين: الشرقية والغربية. لم يكن يعبر خطّ التماس فقط، بل كان يعبر الخطوط داخل الذات نفسها.
كتب شعر الحرب، لكنه كتب حنيناً غريباً إليها أيضاً. كان يرى في زمن الحرب كثافةً وحرارةً لا يجدها في السلم، وربما لذلك ظلّ مرتبطاً بالمقاهي التي صاغت ذاكرته: «الويمبي» و «كافيه دو باري» والـ «مودكا». وحين تغيّرت المدينة وأقفلت أماكنه، بدا وكأنه فقد آخر خيط يصل بينه وبين العالم.
من يعرفه، يروي عنه هذا الدفق القلِق، وهذه الحاجة إلى الانسحاب. فجأةً، قبل نحو ربع قرن، توقّف عن الظهور. لم يعد إلى شارع الحمرا، ولا إلى المسرح، ولا إلى صداقاتٍ شكّلت حياته الثقافية. أغلق الباب خلفه، وترك صورةً واحدة تتكرّر: شاعرٌ يمارس اختفاءه بوصفهِ شكلاً آخر من أشكال الكتابة.
المسرح… ثم الصمت
عرفه الجمهور في مسرحية «العائلة طوط» لجوزيف بونصّار مطلع الثمانينيات، ثم في «بوب كورن» و «راديو وشعر وحديث» و «سوق سودا حبيبي ما تنسى». كما شارك في أفلام ومسلسلات لبنانية أبرزها فيلم «خلص» للمخرج الراحل برهان علويّة.
ومع ذلك، ظلّ يحاول أن يكون خارج الصورة، حتى وهو في قلبها. كأن المسرح نفسه كان تمريناً على الغياب.
سيرة يشبهها الصمت
ما الذي يبقى؟
يبقى السؤال:
هل نملك الحقَّ في أن نكتب عن شاعرٍ قرّر أن ينسحب من الكتابة ومن الناس؟
ربما نعم، إذا كان ما نريده ليس أن نُعرّف به، بل أن نعترف بما تركه في القلب واللغة.
فادي أبو خليل، الشّاعر والطفل الكبير المشاغب المتمرد كما وصفته صديقته منى غندور، هو أحد شعراء جيل الحرب الذين حاولوا أن يكتبوا بيروت وهي تتكسّر ثم تتبدّل. رحل فادي أخيراً. لكنه كان قد ودّعنا منذ زمن.
رحل… ولم يمت! فالموت حدٌّ واضح. أما فادي أبو خليل، فقد عاش طوال سنواته الأخيرة في منطقةٍ لا اسم لها: هناك حيث يختلط الغياب بالحضور، والشعر بالصمت، والانسحاب بالبحث عن خلاصٍ أخير.
ولعلّه الآن، للمفارقة، عاد مرئياً أكثر من أي وقت مضى!
