ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

بدأ مساعداً ليوسف شاهين ونقل رواية إبراهيم أصلان إلى الشاشة: داوود عبدالسيد... آخر روّاد «الواقعية» المصريّة

ثقافة
|سينما
حفظ المقالة

برحيل المخرج المصري الكبير داوود عبدالسيد (1946- 2025)، تخسر السينما العربية أحد آخر من آمنوا بها كفعل تفكير لا كسلعة ترفيهية، وكحالة شك دائمة لا كحكاية تُغلق على نهايات مريحة. 

عبد الله رامي
عبد الله رامي
الإثنين 29 كانون الأول 2025
بدأ مساعداً ليوسف شاهين ونقل رواية إبراهيم أصلان إلى الشاشة: داوود عبدالسيد... آخر روّاد «الواقعية» المصريّة
الخط

القاهرة | برحيل المخرج المصري الكبير داوود عبدالسيد (1946- 2025)، تخسر السينما العربية أحد آخر من آمنوا بها كفعل تفكير لا كسلعة ترفيهية، وكحالة شك دائمة لا كحكاية تُغلق على نهايات مريحة.
لا يمكن التعامل مع داوود عبدالسيد كمخرج قدم عدداً محدوداً من الأفلام، ثم انسحب بهدوء من المشهد لأن مشواره مشروع فكري كامل. اختار أن يتقدم ببطء، وأن يطرح الأسئلة بدل أن يقدم إجابات جاهزة ومعلّبة.

سينما عبدالسيد لا تُطمئن ولا تُجامل، ولا تنفصل عن السياق السياسي والاجتماعي الذي خرجت منه، حتى حين تتخفّى وراء الحكاية أو الرمز.

محطة التكوين

بدايته المبكرة كانت شديدة الدلالة. قبل أن يقدم أفلامه الخاصة، عمل مساعداً ليوسف شاهين، وشارك في فيلم «الأرض» (1970)، أحد أهم أفلام السينما المصرية سياسياً واجتماعياً... هذه التجربة لم تكن تفصيلاً عابراً، بل محطة تكوين أساسية.
فيلم «الأرض» بما يحمله من اشتباك مع السلطة والعدالة والفلاح المهمّش، ترك أثره الواضح على رؤية عبدالسيد اللاحقة، التي ستنحاز دائماً إلى تفكيك «بنية القوة» لا الاكتفاء بإدانة نتائجها في أعماله.

هذا الانشغال يظهر بوضوح في فيلمه التسجيلي «عن الناس والأنبياء والفنانين» (1981)، الذي تناول المولد الشعبي لا بوصفه طقساً فولكلورياً، بل كمساحة تتداخل فيها الأسطورة بالدين، والناس بالسلطة الرمزية.
منذ تلك اللحظة، بدا واضحاً أنّ عبدالسيد مهتم بكيفية صناعة الوعي، لا بالاكتفاء بوصف الواقع، ليختار بذلك طريقه الخاص ضمن تيّار ما سمي بـ«الواقعية الجديدة» في السينما.

مع أول أفلامه الروائية «الصعاليك» (1985)، اقترب مباشرةً من التحولات التي أحدثها الانفتاح الاقتصادي. صديقان يصعدان اجتماعياً عبر شبكة مصالح فاسدة، من دون أن يقدم الفيلم أي عزاء أخلاقي بسيط. الفساد هنا ليس انحرافاً فردياً، بل نتيجة منطقية لمنظومة مختلة. هذا المنظور البنيوي سيظلّ حاضراً في معظم أعماله اللاحقة.

وفي «البحث عن سيد مرزوق» (1990)، انتقل عبدالسيد إلى مستوى أكثر تجريداً، فالفيلم أقرب إلى متاهة بيروقراطية، حيث السلطة بلا وجه، لكن حاضرة في كل التفاصيل. سيد مرزوق ليس شخصاً، بل فكرة ومركز قوة غير مرئي، يربك الجميع ويتركهم في حالة انتظار دائم. كأن الفيلم يجسد حالة مواطن يبحث عن قواعد اللعبة فلا يجدها.

الخوف من نجاح «الكيت كات »!

ثم يأتي «الكيت كات» (1991 ـــ مأخوذ عن رواية إبراهيم أصلان الشهيرة)، أحد أكثر أفلامه انتشاراً جماهيرياً، من دون أن يتنازل عن عمقه. داخل حيّ شعبي، تتحول السخرية إلى وسيلة مقاومة.

الشيخ حسني، الكفيف الذي يرى ما لا يراه الآخرون، يصبح رمزاً لإنسان يخلق حريته الخاصة داخل واقع خانق. الضحك هنا ليس هروباً، بل وعيٌ ساخرٌ بالقهر. رغم النجاح الكبير الذي حققه الفيلم، إلا أنّ عبدالسيد حكى خلال ندوته في «مهرجان القاهرة السينمائي» عام 2022 أنه ظل يردد لنفسه أنّ «الكيت كات» فيلم سيّئ الصنع والصناعة، هروباً ممّا أسماه «الطمأنينة القاتلة» التي قد تجعله يتهاون في ما بعد في صنع أفلامه أو يرى في نفسه «المخرج العبقري»!

وفي «أرض الأحلام» (1993) مع فاتن حمامة، ناقش عبدالسيد حلم الهجرة بوصفه وهماً للخلاص الفردي. البطلة تطارد «الحلم الأميركي»، لكن الفيلم يكشف تدريجاً أنّ الهروب لا يحلّ الأزمة، بل يعيد إنتاجها بشكل آخر. مثّل هذا الفيلم مرحلةً انتقالية في مشواره، أكثر هدوءاً من حيث الشكل، لكن حادة في رؤيته.

لا إجابات جاهزة

وصل مشروع داوود عبدالسيد إلى ذروته الفكرية في «أرض الخوف» (1999). تناول العمل ضابط شرطة مكلّفاً بمهمة سرية داخل عالم تجارة المخدرات. لكنه مع الوقت يفقد القدرة على التمييز بين دوره الحقيقي والهوية التي ابتلعته. سؤال الفيلم المركزي ليس أخلاقياً بقدر ما هو فلسفي: ماذا يحدث حين يذوب الفرد تماماً في الشرّ باسم القانون؟ وهل يمكن العودة بعد تجاوز هذا الحد؟.

هذا الالتباس المقصود هو جوهر سينما داوود عبدالسيد، التي ترفض التقسيم السهل بين الخير والشر من دون تقديم إجابة قاطعة، بل تترك المشاهد في منطقة رمادية مقلقة.

فيلم «مواطن ومخبر وحرامي» (2001) يبدو أخف ظاهرياً، لكنه شديد القسوة في عمقه. ثلاث شخصيات تمثل أضلاع المجتمع: المواطن البسيط، ورجل الأمن، والمجرم. المفارقة أنّ الحدود بينهم ليست ثابتة كما نتصور. الجميع ضحايا منظومة واحدة، والجريمة هنا ليست فعلاً فردياً، بل نتيجة اختلال شامل في توزيع السلطة والعدالة.

بعد غياب طويل، عاد عبدالسيد بـ «رسائل البحر» (2010): فيلم شاعري عن العزلة والهروب المؤقت. اتجه المخرج الراحل هنا إلى نبرة أكثر شاعرية وتأملاً. إذ يحكي الفيلم عن رجل يهرب من ضجيج المدينة إلى الإسكندرية، بحثاً عن سلام داخلي. لكن البحر لا يمنحه خلاصاً كاملاً، بل يضعه وجهاً لوجه مع وحدته وأسئلته. الهروب هنا ليس حلاً، بل محطة مؤقتة في صراع لا ينتهي مع الذات.

نهاية مفتوحة

قدم عبدالسيد آخر أفلامه «قدرات غير عادية» (2015)، الذي ناقش صناعة المعجزة وكيف تتحول القداسة إلى أداة للسيطرة، عبر طفل يُعتقد أنّه يتمتع بقدرات خارقة.

وفي نهاية عام 2021، أعلن المخرج الكبير اعتزاله، قائلاً إنّه لم يعد قادراً على فهم الجمهور الجديد من روّاد المولات مع انحسار الطبقة الوسطى. لم يكن اعتزالاً درامياً أو لفتاً للانتباه، بل قرار فكري مرتبط بتغيّر مناخ الإنتاج، وغياب المساحة التي تسمح بسينما تقوم على «السؤال» لا «السوق». انسحب كما عاش فنياً، بهدوء ومن دون مساومة. لكن في المحصلة، خلال تسعة أفلام روائية طويلة، كتب غالبيتها، لم يتعامل عبدالسيد مع السينما باعتبارها حكايات تُروى، بل كأداة تفكير. شخصياته دائماً في حالة بحث، في عوالم غامضة، ونهاياته مفتوحة.

هو مخرج رأى أنّ السينما لا يجب أن تمنح الطمأنينة، بل أن تزرع القلق الذي يدفع إلى السؤال. لذلك، يظل مشواره واحداً من أكثر المشروعات تكاملاً في تاريخ السينما المصرية الحديثة. مشروع لا يراهن على اللحظة، بل على الزمن، ولا يخاطب جمهوراً بعينه، بل «عقلاً» أياً كان موقعه. ربما لم يصنع سينما مريحة، لكنه صنع سينما ضرورية.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك