ميلاد الشعر والدهشة: من فأل حافظ إلى سؤال أدونيس
في الأوّل من يناير من كلّ عام، بينما يتبادل العالم التهاني ببداية عام جديد، يحلّ عيد ميلاد الشاعر الكبير أدونيس،


في الأوّل من يناير من كلّ عام، بينما يتبادل العالم التهاني ببداية عام جديد، يحلّ عيد ميلاد الشاعر الكبير أدونيس، وكأنّ الكون يختار له هذا اليوم ليرمز إلى الولادة المتجدّدة: ميلاد العام، وميلاد الشعر الذي يتجدّد مع كلّ قصيدة. هذا العام، وفي لحظة عالمية معقّدة حيث "الخراب" الذي "ما بيسوى" - كما يقول هو- يبدو أكثر وضوحًا اتّصلت به كالعادة للتهنئة. لاحظت أنّ دهشته أمام العالم ما زالت قائمة، بل وتكاد تكون أكثر حدّة. في عالم يزداد انقسامًا وعنفًا، يبقى صوت أدونيس مساحة للتساؤل، ومقاومة بالجمال.
عتبة أولى: حافظ الشيرازي والقرآن:
نحنُ -كإيرانيّين- اعتدنا أن نلجأ إلى ديوان حافظ الشيرازي حين تداهمنا الحيرة. ففي ليلة "يلدا"، أطول ليالي السنة، نجتمع حول الديوان والمكسّرات والرمّان، ونقرأ حافظ الشيرازي لا بوصفه نبوءة فحسب، بل مرآةً تعكس أحوالنا. نفتح صفحاته عشوائيًا فنرى فيها انعكاس أسئلتنا. ونفعل الأمر نفسه حول مائدة «نوروز» في رأس السنة، التي تصادف بداية الربيع. وكمسلمين، نتفاءل بالقرآن في بدايات المشاريع والأعوام، نبحث في آياته عن الهداية والبشارة. هذان النصّان -حافظ والقرآن- يشكّلان معًا جغرافيا روحية، يُقْرَآن ليس فقط بالعقل بل بالقلب، كحوار مع الغيب ومع الذات.
عتبة ثانية: أدونيس والحاضر
وفي هذا العام، وبعد تواصلي مع أدونيس وتهنئته، قرّرت أن أضيف عتبة ثالثة لهذا الطقس القديم: ديوان "أدونيادا". فتحته كما نفعل مع حافظ، وقلت: ماذا تقول لنا يا أدونيس في زمننا هذا. فجاءت الفاتحة الأولى: "كلمات لا تتوقّف عن الخطابة،
وكلمات توصل الصمت،
كلمات آلهة وكلمات شياطين.
كلمات تهاجر وتغرق في البحر، وكلمات تبكي."
"... وتلتها الفاتحة الثانية:
"إنّه العرش والناس من حوله سكارى،
كلّ رأس طريق للوصول إليه
لا مكان لغير اسمه،
ولغير تعاليمه.
إنّه العرش، كلاّ،
لم أعد أتعجّب إن صرتُ تمرًا،
يتعبّد وجهي شقيّ أو نبيّ،
ويأكلني حين يفتقد الخبز.
كلاّ، لم يعد يتعجّب إن صار سيفًا لقطع الرؤوس، وماذا
سأقول، إذًا، للحشود التي تتدافع نحوي؟
يكرزون: "اقتلوا" - كلّ قتل مباح.
كيف لا يكتب الغبار الوقائع؟
أو كيف يجري دم الشمس في جسم هذا الفراغ؟
شتاتٌ،
يقرأ الأرضَ: بيت يودّع بيتًا...
يقرأ الأرضَ: صارت دمًا جاريًا.
يقرأ الأرضَ: منفى يجدّد منفى."
هذه الكلمات القاسية، المرعبة في دقّتها التشخيصية لواقعنا، هي نفسها مصدر الأمل. لأنّ أدونيس لا يكتب عن الخراب ليفرّ منه، بل ليواجهه، ليكشف جذوره في الفكر والثقافة والخطاب. شعره تجسيد لفكرة أنّ المواجهة تبدأ بالرؤية، والرؤية تبدأ بالكلمة. من هنا تأتي عبقريته: من قدرته على خلق لغة شعرية جديدة تتجاوز الزمان والمكان، وتحوّل الشعر من مجرّد كلمات إلى تجربة وجودية تنير العقل والروح.
لقد جسّد أدونيس روح التجديد والتجاوز، مازجًا بين تراث ضارب في العمق وحداثة جريئة، بين رمزية متشعّبة ولغة معاصرة حادّة. أعماله تخلق حوارًا حيًّا بين الماضي والحاضر، بين الذات والكون، وتجعل القراءة رحلة استكشاف لكلّ منهما. لغته الموسيقية والرمزية الغنية تجعل كل كلمة عالمًا، كلّ صورة بوابة لفهم أعمق للوجود والألم والجمال.
في عيد ميلاده هذا، وأمام كلماته التي تصف "الشتات" و"المنفى الذي يجدّد منفى"، أتمنّى من كلّ قلبي أن يكون هذا العام مختلفًا. عامًا تهدأ فيه الحروب، ويعمّ فيه السلام، وتُحتَرم فيه الكرامة الإنسانية. أتمنّى أن يجد أدونيس، وهو شاهدنا العظيم على هذا العصر، ما يكتب عنه سوى الجمال. جمال المقاومة الهادئة، جمال التسامح، جمال الأرض التي تعانق بيوتها بدلاً من توديعها، وجمال الإنسانية التي تختار الحوار على القتل.
لأنّ الشعر، في النهاية، هو الحياة نفسها. وكلّ قصيدة لأدونيس هي نافذة على دهشة الكون، حتّى في أحلك لحظاته. وربّما من هذا العمق الأسود بالذات، يولد الأمل الأكثر إشراقًا.
كلّ عام وأدونيس -شعلتنا المتجدّدة- بخير، وكلّ عام والشعر يذكرنا بأنّ للوجود معنى، وأنّ للكلمة قوّة، وأنّ للجمال آخر كلمة.
ستراسبورغ، 1 يناير 2026
