إلى المنسيين
أشاهد صورتك على شاطئ بيروت، لا أعرف إن كانت الصورة جديدة، وبالتالي لا أعرف إن كنت تمكنت من الخروج من غزة، ووصلت إلى هذه المدينة.


قبل أشهر كتبت لك، كانت الكتابة رسالة، كنت أريد أن أقول لك، إن شخصاً في العالم يفكر بك، يتذكرك، يتذكر أنك إنسان جميل، ويتذكر أنه يحبك..
الآن أشاهد صورتك على شاطئ بيروت، لا أعرف إن كانت الصورة جديدة، وبالتالي لا أعرف إن كنت تمكنت من الخروج من غزة، ووصلت إلى هذه المدينة. المدينة التي احتضنت حلم الفلسطينيين يوماً. وأنا في حيرة من أمري، لأني قرأت ما كتبته قبل يومين، وبدقة قبل يوم وساعات قليلة، عن مشوارك من دوار الأقصى إلى مفترق النص، وقلت إنها مسافة لا تزيد عن كيلو متر تقريباً. هذه الأماكن التي لا أعرفها إلا من وسائل الإعلام، هي بالنسبة إلي حيثيات لحياة بشر أنقذتهم الصدفة.
الآن هذه ليست رسالة، هذه حكاية ليلة رأس السنة. أكتبها وصوت الرصاص في بعض مدننا لا يمكن أن تفهمه، فكل من يطلقونه، حياتهم في الغالب غير جيدة، ولا يجدون ما يعملون به، لكنهم يوفرون بضع دولارات من أجل إطلاق بعض الرصاص في ليلة رأس السنة، ربما يشعر بعضهم بأن له قيمة مضافة على المجتمع، وربما يريد أن يثبت لأحد أنه "قبضاي". هذا هو الرصاص في أيدي بعض شبابنا، أو "ذكورنا" بحسب توصيفات المنظمات والمؤسسات غير الحكومية..
أما في عواصم أخرى، فلا أسباب للرصاص، هناك ما يعوض، أنتجته البشرية منذ سنين، "الألعاب النارية"، والآن فقط، أفكر بأن سبب اختراعها هو التعويض فقط، التعويض عن رغبة بعض البشر باستخدام السلاح، لما يمنحهم من شعور ما بالقوة، ولما تطورت بعض المدن في العالم، كان لا بد من وقف هذه الاستباحة، فكانت هذه الأصوات المضيئة، تخيل هذه الثنائية، أصوات وتضيء. لن يهتم أحد بهذه الثنائية سواي، على الأغلب، الذين فكروا بالأمر كحل للسلاح في المدن، نسفوا أسباب اختراعه، لأنهم يسعون لإبراز صورتهم "الحضارية" المتفوقة على الآخرين.
أن يموت إنسان في ليلة رأس السنة، يعني أن غيمة في السماء قررت أن تحمل روح القتيل إلى السماء، ولا تمطر، وقررت أن تسمح لإخوتها بالمطر، شريطة أن تشعر القاتل بالمطر الدم، وأن تحيك كل غيمة من غيمها عباءة سوداء كالحة للسماء والأرض.
في غزة، وعلى مرّ يومين مثل هذا اليوم، رأس السنة، واليوم ثالثهم، عاش الناس هذا الموت، عاشوا تحت المطر الدم. وها هي الآن تمطر في العواصم حول بلادنا، تمطر ماء، سيسقى الأرض، لو شربناه، أو أكلنا من نبته، تحسسنا جسد فلسطيني من غزة، أو من شمال الضفة، أو لبناني من جنوب لبنان. لكن من يبالي في هذا العالم، أن يشرب دم الميت، أو يأكل لحمه. من يهمه أن يستل من بطن الأرض عظام أهله ليعلن أنهم أهله، وأنه لن يدافع عن طفل خرجت الدبابة لتدوسه وهو على ثدي أمه يرضع حليبها المقطوع من رعب الموت القادم. من يبالي ومن يهتم، لا أحد في أمة لا إله إلا الله، وأمة ابن الله.
قبل أشهر كتبت لك ما قاله محمود درويش: "كم كنت وحدك يا ابن أمي.. يا ابن أكثر من أب.. كم كنت وحدك" والآن أقول لك: أنت وحدك، "ولا أحد إلاك في هذا المدى المفتوح للأعداء والنسيان، فاجعل كل متراس بلد، لا، لا أحد".
