الإعلام اللبناني يخاف بلطجي البيت الأبيض
مع إعلان خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، انتقلت القنوات اللبنانية إلى تغطية مباشرة، قدّمت قراءات متباينة للحدث. بعض الشاشات ركّز على تغيّر النظام الدولي، وأخرى برّرت التدخل الأميركي أو ربطته بمحاور إقليمية.


مع إعلان خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، انتقلت القنوات اللبنانية إلى تغطية مباشرة، قدّمت قراءات متباينة للحدث. بعض الشاشات ركّز على تغيّر النظام الدولي، وأخرى برّرت التدخل الأميركي أو ربطته بمحاور إقليمية. هذه المقاربات عكست اصطفافات سياسية واضحة، وكشفت كيفية تعامل الإعلام اللبناني مع حدث دولي خارج سياقه القانوني والسيادي
كما الإعلام العالمي، ما إن انطلق العدوان الأميركي على فنزويلا وانتشر خبر خطف رئيسها ابتداءً من صباح السبت حتّى انتقلت القنوات اللبنانية إلى النقل المباشر. كان لافتاً عدم تواني بعض القنوات المهيمنة عن انتقاد الولايات المتّحدة ونواياها، رغم محاولة حصر ما يحصل بشخص الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا بنظامه حكومةً أو دولةً عميقة. استراتيجية دأب الإعلام الغربي بشكل خاصّ على اتّباعها. كما صُوّر الأمر من زاوية تغيّر النظام العالمي والتنافس بين قطبَيه الجديدَين.
على سبيل المثال، أوردت مقدّمة LBCI في نشرتها مساء السبت أنّ «مَن استهدف فنزويلا ليس مجرّد بلد، هي الولايات المتّحدة، الدولة العظمى. والدولة المستهدَفة ليست مجرّد بلد؛ هي صاحبة أكبر احتياطات النفط في العالم، حليفة الصين وروسيا ومحورهما، والواقعة في نقطة حسّاسة في مجال النفوذ الأميركي الحيوي». وأضافت أنّ «إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاوزت ما رُسم من خطوط حمر في التعامل بين الدول، فوصلت الرسالة والإشارة من كراكاس إلى بكين وموسكو وطهران وكلّ الدول التي تبني أو تحاول بناء نفوذها في مواجهة واشنطن». واعتبرت أنّه «دخلنا قصّة نظام عالمي يتغير. والقصّة ليست قصّة فنزويلا فقط. إنّها قصّة وصفتها إسرائيل بدقّة اليوم عندما رحّبت بالعملية وبالولايات المتّحدة التي تصرّفت بوصفها قائدة للعالم الحر».
وكان لافتاً استفاضة mtv في وصف الجبروت الأميركي في مقدّمتها. لكن بما أنّها mtv، كان لا بدّ لها أن تحشر محور المقاومة بأيّ طريقة. هكذا، اعتبرت أنّ «العملية لا تبعث إشارة فحسب بل إشارات» أولاها «أنّ سيّد البيت الأبيض يريد أن يُفهم الجميع أنّ مصيرهم أسود إذا خالفوا توجّهاته وطلباته وأوامره، أو إذا لم يراعوا مصالح الولايات المتّحدة الأميركية. الإشارة الثانية أنّ عصر الإمبراطوريات الكبرى عاد، وأنّ عصر مجلس الأمن والأمم المتّحدة ولّى. والعصر الإمبراطوري الحديث تختزله اليوم دولة واحدة: أميركا، وإمبراطور واحد: دونالد ترامب (...) ما يعني أنّ القانون الأميركي يحكم العالم لا القانون الدولي، وأنّ أميركا شرطي العالم لا الأمم المتّحدة والمنظّمات الدولية. الإشارة الثالثة أنّ العالم بأسره عاجز أمام القوة الأميركية متى قررت التحرك، ومتى كان على رأسها شخصٌ استثنائي كدونالد ترامب».
تعتمد OTV أسلوباً انهزامياً أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة
كان بإمكان mtv أن تنهي مقدّمتها هنا من دون أن ينقصها شيء، لكنّها فضّلت حفظ خطّ الرجعة، فأكملت أنّ «الإشارة الرابعة أنّ أخطاء مادورو القاتلة، من الاصطفاف السياسي وصولاً إلى تهريب المخدّرات، هي التي سمحت للولايات المتّحدة الأميركية بوضع يدها على أكبر احتياطي للنفط في العالم وعلى احتياطيّات كبيرة من الغاز الطبيعي والحديد والذهب»! وبالطبع، لا تكتمل مقدّمة للقناة من دون نجم العرض عندها، أي المقاومة.
اعتبرت «الإشارة الخامسة أنّ العملية الأميركية في فنزويلا وجّهت ضربة جديدة وقوية إلى محور الممانعة في الشرق الأوسط. ففنزويلا شكّلت موطئ قدم لإيران والحرس الثوري و«حزب الله» في قلب القارّة الأميركية، والشبكات الخارجة عن القانون في فنزويلا أمّنت التمويل للحزب في لبنان. وبالتالي، فإنّ عملية فنزويلا تشكّل أيضاً ضربة إضافية لإيران و«حزب الله»، وتُكمل سلسلة الضربات التي تلقّتها قوى محور الممانعة منذ خريف عام 2023»!
وفي مقدّمتها، أشارت «الجديد» إلى أنّ «ترامب يكرّر اليوم ما سبق وقام به بوش الأب في بنما قبل 36 عاماً حين تمّ اعتقال الرئيس البنمي نورييغا». وأضافت أنّه «تحت ستار مكافحة المخدّرات، يبقى نفط فنزويلا وغازها الهدف الأكثر دقّة». وأضافت أنّ «حكاية واشنطن مع نفط فنزويلا تشكّل فيلماً أميركيّاً طويلاً يعود تاريخه إلى عشرينيّات القرن الماضي».
من جهتها، سألت OTV بأسلوب حملَ في طيّاته نوعاً من الروح الانهزامية التي تعتمدها أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة: «ماذا بعد إسقاط مادورو؟ هذا هو السؤال الكبير، في العالم كما في الشرق الأوسط، وحتّى في لبنان. فالمدّ الأميركي يتوسّع، والمحور المقابل في تراجع مستمرّ. أمّا الأفرقاء المحليّون، فمدعوّون أكثر من أيّ يوم مضى إلى مراجعة ما مضى والبناء على وقائع الحاضر لا الأوهام للحفاظ على الوجود كما الحدود في المستقبل».
«المنار» أطلقت مقدّمتها كالآتي: «عالم خارج الضوابط والقوانين الدولية والأعراف السياسية، يستحكم به مقامر مجنون، غير آبهٍ بكلّ مآلات الأمور». وأضافت: «رئيس منتخَب من الشعب قرّرت أميركا اعتقاله، فيما أكّد الفنزويليّون الذين نزلوا إلى الشوارع دعم رئيسهم المختطَف وحكومتهم وجيشهم اللذين أكّدا على ثبات حكمهم بوجه العدوان الأميركي. بلطجيَّة أميركية جعلت خيارات العالم بأسره ضيّقة ما لم يتحرّك بوجه هذه العدوانية والعنجهية، ولن يكفي إعلان عدد من الدول التضامن مع فنزويلا وشعبها أو دعوة مجلس الأمن الدولي إلى الانعقاد.
وإن كانت عملية اعتقال مادورو مسبوقة بمثيلتها عام تسعين في بنما، يوم اعتقلت قوّات جورج بوش الأب رئيس بنما السابق مانويل نورييغا من قصره الرئاسي، فإنّ توقيتها اليوم وبعنوان الهيمنة على النفط الفنزويلي وخيرات تلك البلاد، هو تكريس لمنطق شريعة الغاب وتفجير لما تبقّى من هيكل النظام الدولي وتجويفه وتفريغه من أيّ مضمون يمكن أن يشكّل ضمانة أو أماناً للشعوب والدول، كما جاء في بيان «حزب الله» الذي أبدى ثقته بإرادة الشعب الفنزويلي الحرّ المنحاز دائماً إلى قضايا الحقّ والمظلومين في العالم، وفي مقدّمتها القضيّة الفلسطينيّة».
