السلم الأهلي «واقف» على... رقصة!
في لبنان، دائماً ما جرى التفاخر بهامش الحرية الذي ميّزه عن محيطه، باعتباره ميزة مكتسبة ونهائية. لكن هذا الهامش، الذي بدا يوماً بديهياً، يضيق تدريجياً، لا بقرار واحد ولا بقانون صريح، بل بسلسلة ذرائع تتبدّل أشكالها


في لبنان، دائماً ما جرى التفاخر بهامش الحرية الذي ميّزه عن محيطه، باعتباره ميزة مكتسبة ونهائية. لكن هذا الهامش، الذي بدا يوماً بديهياً، يضيق تدريجياً، لا بقرار واحد ولا بقانون صريح، بل بسلسلة ذرائع تتبدّل أشكالها، من الأزمة المالية، إلى «حماية السلم الأهلي»، مروراً بحساسية الطوائف والمناطق، وانتهاءً بخطاب الخوف من الآخر. في 2025، كان واضحاً أن نكتة، أو رقصة، أو مسرحية، يمكن أن تُصوَّر كتهديد مباشر للأمن المحلي، كأنّ الفن نفسه تحوّل إلى خطر يجب تحييده أو ضبطه.
ما يحدث لا يمكن فصله عن تحوّل أعمق في بنية المجتمع والسلطة. حين تعجز الدولة عن تقديم حلول اقتصادية واجتماعية حقيقية، وتتآكل أبسط مقومات العيش، يصبح ضبط الأجساد والأفكار بديلاً من ضبط الانهيار. تُنقل المواجهة من سؤال العدالة الاجتماعية وتحمّل الخسائر، إلى معارك رمزية حول الأخلاق، والدين، والهوية. هكذا، يُستدعى خطاب «القيم» لا لحماية المجتمع، بل لتفريغ الغضب في اتجاهات آمنة للسلطة.
التطرف اليميني في لبنان لا يأتي دائماً بزيّ سياسي واضح. أحياناً يتستّر بالدين، وأحياناً بالأعراف والتقاليد، وأحياناً بـ«القانون» نفسه. لكنه في جوهره واحد، نزعة إلى فرض نموذج واحد للسلوك والتفكير، وتجريم كل ما يخرج عنه، خصوصاً حين يصدر عن فنانين، أو صحافيين، أو أجساد لا تنضبط لقواعد السوق والأخلاق السائدة.
حنان الحاج علي: نكتة تحوّلت إلى قضية وجود
بدأت حملات القمع في 16 نيسان (أبريل) 2025، بعد عرض مسرحية «جوغينغ» للممثلة حنان الحاج علي في جامعة LIU في صيدا. يومها قام أحد الحضور بتسجيل مقطع من العرض ونشره على مواقع التواصل، معتبراً أنّ المشهد يحوي «كفراً ومسّاً بالذات الإلهية وبالدين الإسلامي». سريعاً تصاعدت الحملة ضد الفنانة التي اتُّهمت بالإساءة إلى الأديان، واعتصم طلاب داخل حرم الجامعة احتجاجاً على ما وصفوه بـ«تشويه قدسية الطواف حول الكعبة». واعتبر المحتجون أن تقديم العمل في الحرم الجامعي استفزاز لمشاعرهم الدينية.
ورداً على الهجوم، دق تجمّع «عاملون وعاملات في الفن والثقافة» ناقوس الخطر تجاه هذه الحملات التي تشكل تهديداً لحرية الفنانين، داعين إلى الاحتكام للقضاء، في حين وصفت الحاج علي ما حدث بـ«حملة تحريض وتشويه وتهديدات لفظية وجسدية»، معتبرة أن القضية غير شخصية، بل جزء من مسار متنامي يفضي إلى رقابة ذاتية في العمل الفني.
انطون الصحناوي يلاحق الصحافة
في الشهر نفسه، لجأ البنكرجي انطون الصحناوي إلى المحاكم، برفع دعاوى ضد عدد من الصحافيين والمنصات الإعلامية، مثل «ميغافون» وغيرها، متهماً إياها بـ «النيل من مكانة الدولة المالية، وزعزعة الثقة بالنقد الوطني وسندات الدولة، وحضّ المودعين على سحب أموالهم وبيع السندات، وإثارة الفتنة». هدفت هذه الدعاوى إلى إسكات أي صوت يتجرّأ على تقديم سردية حول الانتهاكات المالية والنقدية، مخالفة لخطاب جمعية المصارف. ورافق الحملة توظيف إعلامي واسع لمهاجمة الأصوات الناقدة، في محاولة واضحة لقمع معارضي الصحناوي.
يؤشر هذا السلوك إلى أن أدوات التهديد والتحريض لم تعد حكراً على ما هو ديني وسياسي فقط، بل توسعت لتشمل المجال المالي والنقدي أيضاً، إذ يتم تقييد النقاش العام بواسطة ضغوط قضائية وإعلامية.
توحدوا ضد «مرحبا دولة 2»
تتابعت الحملات، لتطال مسلسل «مرحبا دولة 2». وقد أصدر «المركز الكاثوليكي للإعلام» في 9 أيار (مايو) الفائت، بياناً ضد البرنامج، معتبراً أن مضمونه «بلغ مرحلة من السخرية والإسفاف والسخافة درجةً لم يعد بالإمكان السكوت عنها، ولا سيما لجهة تعرّضه مباشرة أو مواربة للديانة المسيحية ولشخص السيد المسيح ولرجال الدين تحت ستار كوميدي، فيما هو لا يشبه الكوميديا بشيء». وطالب «السلطات اللبنانية المختصة التدخل لدى القيّمين على هذا البرنامج وتوجيه إنذار شديد اللهجة للتوقف عن بث مشاهد تمثيلية تتضمن الكثير من الذم والتحقير تحت طائلة اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحق الشركة المنتجة للبرنامج».
تعرض الفنان ألكسندر بوليكيفيتش لحملة تهديد وترهيب
لم تكد تمرّ أيام قبل أن يتولى أمين الفتوى في الجمهورية اللبنانية، الشيخ أمين الكردي، بناءً على توجيهات المفتي العام الشيخ عبد اللطيف دريان، إرسال إخبار إلى النيابة العامة التمييزية ضد المسلسل، بتهمة الإساءة للقرآن والمقدسات الإسلامية و«إثارة النعرات الطائفية». هذا التحرك القضائي يأتي في إطار استحضار مواد قانون العقوبات التي تجرم ما يُعدّ «إثارة النعرات الطائفية أو العنصرية».
أتت الحملة على خلفية مشهد في المسلسل يُصوِّر رجلَي دين، أحدهما مسيحي والآخر مسلم، يحاولان إقناع «المخلّص المفترض» بأن عنايته يجب أن تقتصر على أبناء مؤسستيهما الدينية حصراً. وسرعان ما توسّع النقاش ليمسّ العلاقة بين رجال الدين والمتديّنين، وحدود السلطة التي تمارسها المؤسسات الدينية في لبنان. غير أن الحملة آثرت اختزال هذا النقد كلّه باتهام العمل بـ«المسّ بالدين»، بوصفه الاتهام الأسهل في التحريض، والأكثر فاعلية في تعطيل التفكير النقدي، ومنع أي مساءلة جدّية لدور هذه المؤسسات وسلطتها.
حملة ضد الكسندر بوليكيفيتش
لم يسلم الرقص من التحريض هذا العام، فقد تعرض الفنان ألكسندر بوليكيفيتش، في أيلول (سبتمبر)، إلى حملة تهديد وترهيب، على إثر الإعلان عن حفلته في بيروت. وتصاعدت نبرة الهجوم بتحريض من مجموعات مثل «أبناء الصليب المقدس» وبعض رجال الدين الذين اعتبروا أن حفلته تمثل «خلافاً للطبيعة» و«ترويجاً للشذوذ»، وأنه «يخدش الأخلاق العامة».
تحولت حالة الغضب إلى تهديد جسدي لبوليكيفيتش، كما استُخدمت مواد قانون العقوبات في الحجج الداعية إلى منع الحفلة، بما فيها نصوص تتعلق بـ«تحريض على الفجور»، و«إثارة النعرات الطائفية». وقد جرى التعامل مع جسد الإنسان، الذي هو أساس الرقص، كأنه تهديد للأمن العام والخُلُق.
قمع رسمي لـ«جمعية رسالات»
في الأشهر الأخيرة من 2025، تكثّفت حملات القمع، لتطال «جمعية رسالات»، إذ قرر مجلس الوزراء اللبناني تعليق العمل بـ«العلم والخبر» الذي مُنح للجمعية لحين استكمال التحقيقات الإدارية والجزائية المتعلقة بأنشطتها. وقد برّر رئيس الحكومة نواف سلام القرار بـ«التوفيق بين الحفاظ على النظام العام واحترام حرية تأسيس الجمعيات التي يكفلها الدستور اللبناني والقوانين والمواثيق الدولية»، مشيراً إلى وجود مخالفات قانونية وإجرائية كان من الضروري التحقيق فيها قبل استئناف نشاط الجمعية.
عكس هذا القرار مسار القمع لإسكات أي اختلاف ثقافي وفنيّ، كأن المسار بات طبيعياً عند كل جماعة. وتعليقاً على قرار الحكومة، نبّه عدد من الصحافيين والناشطين والفنانين إلى خطورة هذا القرار على الحريات العامة، مؤكدين على أنّ تعليق عمل جمعية فنية قد يكون بمنزلة انطلاق قيود أوسع على حرية الرأي والتعبير والفن في لبنان.
ماريو مبارك وحرية الكوميديا
آخر القضايا، كانت الحملة التي تعرض لها الستاند أب كوميديان اللبناني ماريو مبارك في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، على إثر اجتزاء مقطع فيديو يُظهر نكتة يتناول فيها «دفن المسيح وقيامته»، ما دفع بعض روّاد مواقع التواصل إلى اعتبار الكلام إساءة للمسيح.
وطبعاً، تدخّل مدير «المركز الكاثوليكي للإعلام» الأب عبدو أبو كسم، مطالباً مدعي عام التمييز القاضي جمال الحجار باتخاذ إجراءات عقابية، مؤكداً أن «حرية التعبير لا ينبغي أن تُستغل للاستهزاء بالمقدسات الدينية أو التهكم على أقوال المسيح وتلاميذه، بل يجب أن تُستخدم كمساحة للبناء والتثقيف وليس للإهانة أو التشويه».
وزاد الموقف حدة عندما توالت الدعوات لاستدعاء مبارك أمام القضاء، وسط تصاعد حملات تحريض على وسائل التواصل، وسجلت أيضاً تحركات من الأجهزة الأمنية بإيقاف مبارك لدى وصوله إلى مطار بيروت مع حجز جواز سفره وهاتفه، في خطوة أعادت ملف «حرية الكوميديا» إلى صدارة النقاشات.
وفي بيان نشره عبر حسابه على انستغرام، قال مبارك إنّ النسخة المنتشرة من الفيديو مُجتزأة خارج سياقها الأصلي، وأنه لم يكن يقصد الإساءة للمسيح أو للمؤمنين، مقدّماً اعتذاراً لمن تأذّى من المقطع.
حرية الإبداع والفن
المشترك بين كل هذه القضايا هو منطق واحد، قائم على تبرير القمع باسم «الأخلاق العامة»، أو «حماية المشاعر الدينية»، أو «النظام العام». يبدأ الأمر برقابة ذاتية، ثم ضغط اجتماعي، ثم تدخل رسمي وقانوني. هكذا تُدار الحرية بوصفها استثناءً، لا حقّاً. وما يُقدَّم كحماية للمجتمع، ليس سوى حماية لبنية قائمة على عدم المساواة، ونقل الصراع الحقيقي من الاقتصاد والسياسة إلى الثقافة والفن.
الخلاف حول مسرحية، أو رقصة، أو نكتة، هو في جوهره صراع حول من يملك الحق في الكلام، وفي تعريف الواقع. صراع بين مجتمع يُطلب منه أن يضبط نفسه ويصمت، وبين سلطة رسمية أو شعبية، تخشى أي تعبير يخرج عن السيطرة. بهذا المعنى، ما يعيشه لبنان ليس سلسلة حوادث معزولة، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع على الدفاع عن حقه في الاختلاف.
