كأننا نعيش سنوات ما بعد النكبة الفلسطينية
في 2025، واجهت الثقافة الفلسطينية اختباراً وجودياً غير مسبوق، تحت الإبادة والحصار والسجون. قُتل مبدعون، دُمّرت مؤسسات، وتقلّصت شروط الإنتاج، فيما استمرّ الفن والأدب والسينما بوصفها أفعال توثيق ومقاومة.


في 2025، واجهت الثقافة الفلسطينية اختباراً وجودياً غير مسبوق، تحت الإبادة والحصار والسجون. قُتل مبدعون، دُمّرت مؤسسات، وتقلّصت شروط الإنتاج، فيما استمرّ الفن والأدب والسينما بوصفها أفعال توثيق ومقاومة. عامٌ أعاد طرح سؤال جدوى الثقافة ومعناها، في زمن يذكّر بما تلا نكبة 1948
في تموز (يوليو) 2025، نشر الفنان طه أبو غالي مقطعاً مصوراً يحطم فيه أعماله الفنية لاستخدامها في طهي الطعام. بعد انتشار المقطع على نطاق واسع، كتب في منشور آخر: «ما يُبكيني ويقتلني أنني لم أجد أحداً تعاطف مع الشهداء والجرحى، بينما تعاطف هذا العالم الغريب مع بعض الخربشات. والآن، وبعدما مزَّقت أعمالي، يعرض كثيرون المساعدة وشراء اللوحات».
كأننا نعيش سنوات ما بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، حيث يمر الإنتاج الثقافي الفلسطيني في أصعب تحدياته. بلغ عدد الشهداء من العلماء والأكاديميين والمعلمين في قطاع غزة 1023، وعدد المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية المدمرة 835 منذ بداية العدوان.
أما الجغرافيات الأخرى فتعيش تحديات كبيرة، أولها جغرافيا السجون التي تضم آلاف النخب من الأسرى والأسيرات، ولا تتوافر لهم أدنى مقومات الإنتاج الثقافي من كتب وورق وأقلام، لأن الطعام والشراب والملابس نفسها ممنوعة. وفي الجغرافيات الأخرى (الضفة، القدس، الداخل المحتل، والشتات) فإن الإنتاج يصطدم بسؤال الفنان طه أبو غالي حول دور الإنتاج الثقافي في الإبادة.
شهداء الثقافة
بعد انتهاك العدو الصهيوني للهدنة الأولى في 18 آذار (مارس) 2025، نفّذت قواته مجازر مروّعة أودت بحياة أكثر من 400 شخص، بينهم الفنان ضرغام قريقع وزوجته.
وبعد أقل من شهر، استُشهدت فاطمة حسونة «قنّاصة اللحظات»، وهي مصوّرة وكاتبة في منصة «فلسطين غير المحكية »، وكانت شغوفة بالفن والموسيقى. وفي أواخر حزيران (يونيو)، استهدفت قوات العدو مقهى «الباقة» المعروف كملتقى للفنانين والطلاب، حيث استُشهدت الفنانة آمنة السالمي والصحافي إسماعيل أبو حطب مع العشرات من الشهداء والجرحى.
وفي 17 أيلول (سبتمبر) 2025، اغتال العدو الصهيوني الفنان محمد أبو ليلة في قطاع غزة، المعروف برسم الجداريات التي تخلّد المناسبات الوطنية.
كما نعت المؤسسات الثقافية المسرحي عادل الترتير الذي وافته المنية في 10 تموز (يوليو)، وهو أحد أبرز روّاد الحركة المسرحية، أسّس فرقة «بلالين» ومسرح «صندوق العجب» في سبعينيات القرن الماضي. ونعت أيضاً الدكتور عبد الكريم أبو خشّان، أستاذ الأدب الفلسطيني والعربي في «جامعة بيرزيت».
غزة تعيد «تركيب» الحكاية
تُعدّ «مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي» إحدى أهم المؤسسات التي واصلت العمل الثقافي والفني خلال الحرب في قطاع غزة والضفة الغربية ومصر.
بيسان نتيل، إحدى عضوات طاقم المؤسسة في غزة، عملت على توثيق التجارب الحيوية تحت وطأة الحرب واللجوء، وأصدرت كتاب «كيف نعيد تركيب الحكاية؟» الذي يجمع قصصاً حيوية لأطفال نازحين، وكتاب «ذاكرة العدوان»، وهو يوميَّات توثِّق الذاكرة الجَماعية للإبادة في غزة عبر سرديَّات شخصية. وفي مجلة «الجنوب»، نشرت نتيل بحثاً بعنوان: «البحث عن «المفقود» الذي يوثق قصص عائلات فقدت أحد أفرادها خلال الحرب ضمن منهجية تاريخية وسردٍ قصصي تضع قضية المفقودين كجزء مؤسس في الهوية الفلسطينية.
شكّل «بينالي غزة» إحدى أبرز المبادرات الفنية
كما عملت المؤسسة على تنظيم معارض فنية للأطفال، كان أحدها بعنوان «ماذا حدث للعيد؟» ضمّ رسومات أطفال غزة، وكذلك معرض «مسار العودة إلى البيت» في «جمعية المغازي للتأهيل» في مخيم المغازي جنوبي القطاع. تألف المعرض من 140 لوحة من رسومات الأطفال تتخيّل مسار العودة لأولئك الذين عاشوا سنوات الحرب وهم نازحون في أماكن مختلفة داخل القطاع وخارجه.
من جهتها، واصلت «مؤسسة عبد المحسن القطَّان» عملها الثقافي رغم الظروف الإنسانية الكارثية في غزة، فأطلقت برنامجها الثقافي الطارئ «رَحَى» الهادف إلى توفير مساحات آمنة للتعبير والدعم النفسي للأطفال والعائلات. كما تعاونت مع مبدعي غزة الصغار عبر مشروعي «قمر حزين فوق مخيمات النزوح» و «يوميات الحزن العادي» ضمن سلسلة «الحرب كرة سنركلها بعيداً» التي جمعت قصص الأطفال بإشراف الأديب المتخصص في أدب الأطفال هاني السالمي.
أما على صعيد الإصدارات الأدبية، فقد أطلقت منصة «مجتمع شعراء غزة» العدد الأول من مجلتها Gaza Verse المتخصصة في الشعر والفن باللغة الإنكليزية، وجمعت أعمالاً لمبدعين من أنحاء العالم ممّن يتضامنون مع فلسطين وشعبها، إضافة إلى مبدعين فلسطينيين من الداخل المحتل والشتات.
كما نشرت دار VERSO كتاباً بعنوان Gaza: The Story of a Genocide، حرّرته فاطمة بوتو وسونيا فالييرو، وقدمه الشاعر والكاتب الفلسطيني مصعب أبو توهة. ضم الكتاب عدداً من المداخلات المهمة لفنانين وكتاب، منهم: ملكة شويخ، شريف سرحان، مريم إقبال، يارا هواري، مريم برغوثي، طارق بقعوني، ليلى العريان، والشاعرة الشهيدة هبة أبو الندى. كما نشرت الكاتبة والصحافية بلستيا العقاد كتاباً باللغة الانكليزية بعنوان: The Eyes of Gaza: A Diary of Resilience الذي يوثق يوميات الحرب التي عاشتها في غزة.
أما «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، فقد أصدرت عدداً من المنشورات باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية خلال عام 2025، أهمها منصة توثق ضحايا الحرب من الشهداء والمفقودين، والدمار في البنية التحتية ويوميات من الحصار والتجويع ومنع المساعدات والعلاج.
وفي سياق المبادرات المميزة داخل الأرض المحتلة، صدرت الأعداد الأول والثاني والثالث من «الجنوب: المجلة الفلسطينية للدراسات التحررية»، الصادرة عن «دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي». وقد ضمت الأعداد الأولى كتابات من أسرى وأكاديميي وأدباء الشعب الفلسطيني.
السينما تجوب العالم
في الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، تزامناً مع ذكرى وعد بلفور، انطلقت «أيام فلسطين السينمائية» في مهرجان عالمي نظّم في أكثر من سبعين دولة، وضمّ نحو 500 عرض لأفلام فلسطينية. مثّل هذا الحدث تعبيراً عن أشكال التضامن العالمي مع فلسطين.
كما حظي فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، بصدى عالمي واسع بعد وصوله إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار في دورتها الثامنة والتسعين. وبرزت أفلام أخرى بقوة على الساحتين العربية والعالمية، مثل فيلم «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس، وفيلم «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر.
وفي الأسبوع الأخير من 2025، رحل الممثل والمخرج الفلسطيني محمد بكري (1953 – 2025) وهو الوجه السينمائي الأبرز للقضية الفلسطينية. بدأ مسيرته في مسرح حيفا والقصبة، ثم انطلق في السينما بدور في فيلم «هانّا ك» (1983). أخرج فيلمه الوثائقي «جنين جنين» (2002) الذي وثّق مجزرة مخيم جنين ومثّل في عدد من الأفلام آخرها «اللي باقي منك» (2025).
«الفنون» تعود إلى الرقص
بعد انقطاع استمر منذ بداية الحرب عام 2023، عادت «فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية» إلى الواجهة عبر عرضها «يا صاحب الطير»، الذي قُدّم في رام الله وعمّان في كانون الأول (ديسمبر) 2025. مثل العرض عملاً فنياً جماعياً استحضر العلاقة الأصيلة مع الأرض، عبر رقصات فولكلورية وموسيقى وأزياء تعكس التاريخ الفلسطيني.
الفنون التشكيلية عالمياً
لاقت الفنون التشكيلية الفلسطينية رواجاً عالمياً في أعقاب الإبادة المستمرة في غزة، ويعود الفضل في ذلك لفناني غزة الذين جابوا صالات العرض العالمية والمتاحف الرائدة. وقد شكلت مبادرة «بينالي غزة» إحدى أبرز المبادرات الفنية التي ضمت أعمال خمسين فناناً من غزة من أمثال محمد الحاج، رفيدة سحويل، وباسل العكلوك، ومعتز نعيم، وملكة أبو عودة، حيث نُظِّمت معارضها في باريس وأثينا وعدد من المدن الأوروبية الأخرى.
كما كان للمبادرات الفنية داخل قطاع غزة أثرٌ بالغ في إعادة تعريف هوية الفن التشكيلي الفلسطيني. هكذا، أسهم معرض «بنت القمر»، الذي خُصِّص لأعمال فنانات من قطاع غزة، في تشكيل هوية بصريةٍ مميزة وروّج لرموزٍ فنيةٍ تجسّد الحرب والتهجير والمعاناة. كما حاز المتحف الفلسطيني في بيرزيت «جائزة الممارسات المتحفية المتميزة لعام 2025» عن معرضه الاستثنائي «غزة الباقية» الذي عُرِض في أكثر من 240 موقعاً حول العالم.
السجون كجغرافيات مصغّرة عن غزة
تعيش الحركة الفلسطينية الأسيرة اليوم أصعب ظروف مرّت بها منذ عام 1948. ظروف تصفها الباحثة أماني سراحنة بأنّها «جغرافيات مصغّرة عن غزة»، حيث تطبَّق إبادة ممنهجة تتكثّف في شكل قمع وحشي يومي جسدي ونفسي، يصل حدّ القتل والتجويع والتشويه والعنف الجنسي. أدّت هذه الظروف إلى شُحِّ حادّ في الإنتاجات الثقافية التي اعتدنا أن تصدر عن مثقّفي الحركة الأسيرة.
مع ذلك، شكّلت عمليات تبادل الأسرى الأخيرة بارقة أمل، بعدما تحرّر عدد من الأسرى أصحاب الإنتاجات الأدبية البارزة، مثل باسم خندقجي وكميل أبو حنيش والمفكر وائل الجاغوب. كما فاز الأسير المحرّر ناصر أبو سرور، الذي قضى 32 عاماً في الأسر، بجائزة «الأدب العربي» لعام 2025 عن روايته «حكاية جدار».
على صعيد الدراسات الفكرية، نشر وائل الجاغوب ومنذر فلاح ومحمد ملح دراسة بحثية بعنوان «السجن في الحيز الاستعماري: متغيرات الحركة الفلسطينية الأسيرة» التي تُعدّ جزءاً من مخطوطة كتاب قدَّمها الأسير المناضل مروان البرغوثي قبل بدء العدوان على غزة عام 2023. ونشرت مجلة «الجنوب» (خريف-شتاء 2025) هذه الدراسة، كما نشرت في العدد نفسه دراسة أخرى بعنوان «رياحين الشباب في مفاصل صخر الدولة العبرية» للأسير الشهيد وليد دقّة، التي تُعدّ بمنزلة سيرة ذاتية للأسير ومنهج نضالي.
وفي إطار الإصدارات الأدبية، صدرت في القاهرة طبعة جديدة من كتابي الأسير المُحرَّر أسامة الأشقر «رسائل كسرت القيد» و «للسجن مذاق آخر» اللذين يُشكِّلان سيرة ذاتية لحياته داخل الأسر التي امتدَّت 22 عاماً.
