ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

سوريا الجديدة تمحو تاريخ البلاد

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

شهد المشهد الثقافي السوري في 2025 تحوّلاً عميقاً اتّسم بالسيولة والارتباك. تراجعت الرقابة الأمنية المباشرة، لكن غابت السياسات الواضحة، وبرز صراع على الذاكرة والهوية.

مروة جردي
مروة جردي
السبت 10 كانون الثاني 2026
مُنعت إعادة طباعة رواية «جنة البرابرة» للكاتب خليل صويلح
مُنعت إعادة طباعة رواية «جنة البرابرة» للكاتب خليل صويلح
الخط

شهد المشهد الثقافي السوري في 2025 تحوّلاً عميقاً اتّسم بالسيولة والارتباك. تراجعت الرقابة الأمنية المباشرة، لكن غابت السياسات الواضحة، وبرز صراع على الذاكرة والهوية. بين وعود التحرير وممارسات الإقصاء، أعيد تعريف الثقافة، ودورها، وحدودها، وسط تمدّد الخطاب الديني وتآكل الحماية المؤسسية للتاريخ والفن


«دمشق لنا إلى يوم القيامة». لم تمر عبارة وزير الثقافة في الحكومة السورية المؤقتة محمد ياسين صالح مطلع عام 2025 كجملة عابرة، بل بدت إشارة مبكرة إلى طبيعة الصراع الذي سيتشكل لاحقاً داخل الحقل الثقافي. صراع على من يملك تعريف الثقافة، ومن يحدّد وظيفتها وحدودها، في ظل غياب السيطرة المركزية القديمة، واختفاء الرقابة الأمنية المباشرة، من دون أن يحل محلها نموذج مؤسسي واضح.

بعد قرابة عام على الإدارة الثقافية الجديدة، لا يزال الوزير نفسه يبدو غير واثق من هويته ودوره، تارة نجماً على منصات التواصل الاجتماعي، وطوراً خطيباً في جامع أو مركز ديني، وحيناً ناشطاً مدنياً يقود حملات ميدانية. ما يتجنبه حتى الآن هو الاشتباك الجدي مع السؤال الثقافي نفسه: ما الثقافة؟ وما دور الدولة فيها؟ وأين تقف حدودها؟

الثقافة السائلة

يمكن قراءة المشهد الثقافي السوري بعد عام من تجربة الحكومة المؤقتة من خلال مفهوم «الثقافة السائلة» كما طرحه عالم الاجتماع زيغمونت باومان: ثقافة بلا ثوابت، متحركة، سريعة الاستهلاك، تفتقد الأطر الناظمة، وتخضع لمنطق اللحظة أكثر مما تخضع لرؤية طويلة الأمد. هذا يفسّر التناقض الحاد بين انفجار الأصوات الفردية من جهة، وغياب السياسات الثقافية المتماسكة من جهة أخرى.

رحلة الكتاب من الممنوع إلى المنبوذ

في الأسابيع الأولى التي تلت سقوط النظام، خرج كثير من الكتّاب والصحافيين السوريين إلى العلن بعد سنوات من الكتابة بأسماء مستعارة. كُشف عن نصوص كانت تُتداول سراً، وامتلأت واجهات المكتبات بكتب تناولت حكم الأسدين، السجون، مجزرة حماة، وتجارب المنفى، من دون خوف من المصادرة أو الملاحقة. بدت اللحظة استعادة الاسم الحقيقي حينها فعلاً سياسياً بحد ذاته.

لكن هذه الانتعاشة السّريعة اصطدمت بواقع اقتصادي خانق: كلفة طباعة مرتفعة، غياب التمويل، وانتشار واسع للقرصنة الإلكترونية. ذلك حدّ من قدرة سوق النشر على التعافي، في وقت كان فيه عدد من المكتبات قد أغلق أبوابه، وعلقت دور نشر نشاطها. ومع تراجع الرقابة السياسية التقليدية، بدأت تتشكل رقابة بديلة، أكثر غموضاً، عبر قرارات متفرقة، وتداخل صلاحيات بين وزارتي الثقافة والإعلام، إلى جانب رقابة شعبية تنادي بضبط الإنتاج الثقافي لصالح المؤسسة الدينية.

في ملف النشر، أعلن وزير الثقافة أنّ «لا كتب محظورة» في سوريا الجديدة، لكن سرعان ما ظهر مصطلح بديل: «الكتب المنبوذة اجتماعياً أو دينياً». هذا التحول اللغوي لم يُخفِ عودة الحظر بصيغ مختلفة. فقد مُنعت إعادة طباعة رواية «جنة البرابرة» للكاتب خليل صويلح في صيف 2025، رغم صدورها سابقاً، ما أعاد إلى الأذهان آليات الرقابة القديمة. كما اعترضت «دار ممدوح عدوان»، وهي من أوائل دور النشر التي عادت للعمل بعد السقوط، على عدد من قرارات الوزارة، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي تغيير فعلي.

في الوقت نفسه، شهد «اتحاد الكتّاب السوريين» تعيينات مثيرة للجدل وإقصاء أسماء معروفة، من بينها حسن م. يوسف، ما فتح نقاشاً واسعاً حول استقلالية الاتحاد وغياب الشفافية. كذلك، أثارت شروط النشر الجديدة، مثل إلزام أصحاب دور النشر بالحصول على موافقات مسبقة، اعتراضات واسعة، خصوصاً مع تعميمات وزارة الإعلام التي أعادت فرض «التقييم الإعلامي» لكل كتاب قبل تداوله. هنا يتجلى التناقض المركزي: خطاب رسمي عن تحرير الثقافة، مقابل منظومة ضوابط مكتوبة تعيد إنتاج الرقابة، وإن بأدوات أقل فظاظة.

المناهج والذاكرة: إعادة كتابة التاريخ

بعيداً عن وزارة الثقافة، تحركت وزارة التربية بحرية أكبر، عبر تعديلات واسعة على المناهج الدراسية. لم تقتصر هذه التعديلات على إزالة رموز النظام السابق، كما جاء في بيان رسمي برّر الخطوات بأنها تستهدف «تمجيد النظام السابق ورموزه» و«بعض المعلومات المغلوطة»، خصوصاً في مناهج التربية الدينية.

ظهر مصطلح بديل هو «الكتب المنبوذة اجتماعياً أو دينياً»

غير أن الواقع يشير إلى إصرار السلطة السورية الجديدة على محو جزء من تاريخ البلاد، ولا سيما ما يتعلق بمقاومة الاحتلالين العثماني والفرنسي، مقابل ميل متزايد إلى تمجيد فترة «الخلافة العثمانية»، بوصفها نموذجاً يُحتذى، في سياق منح تركيا نفوذاً غير مسبوق داخل سوريا.

طالت التعديلات شطب شخصيات وطنية وتاريخية سورية، وإلغاء مناسبات مفصلية من الذاكرة العامة، مثل ذكرى حرب تشرين وشهداء السادس من أيار. فتح ذلك جدلاً حاداً حول إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية، واستبدال التاريخ الوطني بسردية سياسية منسجمة مع تحالفات السلطة الجديدة، إلى جانب إعادة تعريف مفاهيم مثل الشهادة، والتضحية، والمواطنة، والاستقلال، والوطنية.

«الكندي» وجندلي: صراع الأوقاف والثقافة والشارع

إلى جانب الأصوات التي استعادت حريتها، برزت شخصيات ثقافية جديدة دفعتها السلطة إلى الواجهة، وسط اتهامات بالمحسوبية والاصطفاف الأيديولوجي. اللقاءات الرسمية التي عقدها الرئيس المؤقت ووزير الثقافة مع شعراء وكتّاب غير معروفين، ثم تصدّر هؤلاء المشهد لاحقاً، وإسناد مهمة الإشراف على تأليف النشيد الرسمي الجديد لأحدهم، مقابل تغييب أسماء وازنة في المشهد الثقافي، أثارت استياءً واسعاً وعمّقت أزمة الثقة بين المثقفين المستقلين والسلطة الجديدة.

لم يعد الخلاف هنا على حرية التعبير بحدّها الأدنى، بل على من يُمثّل المشهد، ومن يُقصى منه، وكيف يُعاد إنتاج النخب الثقافية في مرحلة انتقالية تدّعي القطيعة مع الماضي، لكنها تعيد استخدام أدواته بوجوه مختلفة.

وبينما عادت أسماء للواجهة من البوابة الثقافية رغم موهبتها أو إنتاجها المتواضع، كان لافتاً تهميش أو إقصاء أسماء بارزة لعدم توافقها مع شروط المرحلة الجديدة، أشهرها إلغاء حفلة للموسيقار مالك جندلي في حمص بقرار ديني علني، جرى لاحقاً تبريره بذريعة تنظيمية ثبت عدم صحتها، بعد خروج أحد رجال الدين مؤكداً الاعتراض على إقامة حفل ضخم احتفالاً بذكرى «التحرير».

في الوقت نفسه، وُثقت مشاهد أداء صلاة جماعية داخل عدد من المراكز الحكومية والثقافية، أبرزها دار أوبرا دمشق، في تحول رمزي عميق لوظيفة الفضاءات الفنية. في المقابل، استؤنفت حفلات موسيقية محدودة بطابع احتفالي، من دون أي استراتيجية ثقافية واضحة، إلى جانب قبول عروض فنية ضعيفة المستوى على مسارح وزارة الثقافة في دمشق والمحافظات، بينما تعرضت عروض أخرى لحملات «تنمّر» شعبية باسم الدين، كما حدث مع الأخوين ملص في دمشق.

بدورها، دخلت السينما السورية، التي فشلت تاريخياً في التحول إلى صناعة متكاملة، مرحلةً جديدةً وهي في أقصى درجات الهشاشة. غياب رؤية واضحة لمستقبل السينما والمسرح، بين الاستقلال والرعاية الرسمية، فتح الباب أمام تدخلات دينية مباشرة في الفضاءات الفنية. أبرز هذه التدخلات تمثّل في ملف سينما «الكندي» في دمشق، إذ طالبت وزارة الأوقاف باستعادة المبنى وتحويله إلى «مركز ثقافي ديني»، ما فجّر موجة احتجاج واسعة. ورغم تسلّم الفنان جهاد عبدو متابعة الملف، بدت قدرة وزارة الثقافة على مواجهة تمدّد الخطاب الديني محدودة، لتشهد القاعة خلال أيام أول ندوة دينية داخلها.

الفن والتماثيل: هوية وذاكرة مهددتان

«نقلت معظم اللوحات والتحف الفنية الموجودة في الغاليري إلى منزلي، ليلة سقوط النظام، خوفاً من السلب والتخريب، خصوصاً مع مرور حشود تهتف بشعارات دينية»، تقول مديرة غاليري في دمشق. وتضيف: «بعد استئناف النشاط، زارنا وفد عرّف عن نفسه بأنه من «هيئة تحرير الشام»، وحاول تجريم عرض بعض القطع الفنية التي تمثل الجسد العاري، لكنني رفضت». وتشير إلى أن موقفها قوبل بالتفهم، ولم يُفرض عليها شيء بالقوة، لأن هذه الأفعال لا تستند إلى أي أساس قانوني، بل تعتمد على الترهيب.

التضييق على بعض أشكال الفن، ولا سيما ما يتعلق بالموديل العاري، بلغ حدّ إصدار تعميم عن كلية الفنون الجميلة في دمشق يمنع طلاب السنة الأخيرة من استخدامه في مشاريع التخرج، مع التهديد بعقوبة «علامة الصفر». رداً على ذلك، أطلق طلاب وفنانون حملة تضامن، وقفوا فيها إلى جانب لوحات وتماثيل عارية، ونشروا الصور على منصات التواصل تعبيراً عن رفضهم القرار.

تعكس هذه الخطوة مزاجاً عاماً يتجه نحو مزيد من التضييق على الفضاءات الثقافية والإبداعية. وصفها تشكيليون ومثقفون بأنها تعدٍّ مباشر على حرية الفن، وتدخّل فجّ في مسار تعليم أكاديمي ظل، لعقود، بوابة للتمرد والتجريب.

ومع انهيار الحماية الرسمية، تحولت الرموز المادية للذاكرة إلى أهداف مباشرة. تحطيم تمثال الشهداء في حلب، وسقوط تماثيل أخرى لا تحمل بالضرورة رمزية سياسية، فتح نقاشاً حول الفرق بين تفكيك إرث الاستبداد وتدمير الذاكرة العامة. الأخطر كان في ملف الآثار، مع تصاعد أعمال الحفر والسرقة في مناطق واسعة، ورصد الاتجار بها عبر منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى سرقة تماثيل ذهبية من المتحف الوطني في دمشق نهاية عام 2025، ما كشف هشاشة غير مسبوقة في حماية التراث. ورغم إعادة افتتاح المتحف مطلع العام بوصفه «علامة على العهد الجديد»، سرعان ما بدّدت الفوضى هذه الرمزية، في ظل غياب أي خطة واضحة للترميم والحماية.

بعد عام على سقوط النظام، لا يمكن توصيف المشهد الثقافي السوري بوصفه «نهضة» أو «انهياراً»، بل بوصفه حالة انتقالية شديدة التناقض. ثمة طاقة تعبير حقيقية، وأصوات كانت مقموعة وظهرت، لكن هذه الطاقة تصطدم بفراغ مؤسسي وصراع حاد على الهوية والشرعية الرمزية. الثقافة في سوريا اليوم لم تعد هامشاً مهملاً كما كانت في السنوات الأخيرة من عمر النظام السابق، بل أصبحت ساحة صراع مفتوح لإعادة التوافق على الذاكرة، وعلى تعريف الفضاء العام، ومعنى أن تكون سورياً اليوم، سواء في الداخل أو ضمن المشهد الثقافي العربي. التحدي الحقيقي بعد إسقاط الرقابة القديمة هو منع تشكّل رقابة جديدة، أكثر سيولة، وأشد التباساً.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك