ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

بين «التكويع» و«التشييع»

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

اتسم عام 2025 بتحوّلات سياسية وثقافية وإعلامية حادّة. برز «التكويع» كتحوّل محسوب في المواقف، في مقابل «التشييع» مع رحيل شخصيات ثقافية وفنية وسياسية بارزة.

بول مخلوف
بول مخلوف
السبت 10 كانون الثاني 2026
رئيس الحكومة نواف سلام مستقبلاً عمرو دياب
رئيس الحكومة نواف سلام مستقبلاً عمرو دياب
الخط

اتسم عام 2025 بتحوّلات سياسية وثقافية وإعلامية حادّة. برز «التكويع» كتحوّل محسوب في المواقف، في مقابل «التشييع» مع رحيل شخصيات ثقافية وفنية وسياسية بارزة. تزامنت الانعطافات مع جنازات متلاحقة، وانكشف مشهد عام تحكمه البراغماتية، تغييب المساءلة، واستمرار الأزمات بلا أفق حل


جاء عام 2025 محمّلاً بما يندر ظهوره في مسار التاريخ. فقد اجتمعت فيه، على نحو استثنائي، أحداثُ الملهاة والمأساة معاً؛ وقضينا أيامه في حالة تذبذب بين طرفين متناقضين: تقلبات رخوة غير مستقرّة أشبه بالاعتراف تحت التهديد، وقد اصطلحنا على تسميتها بـ«التكويع»، ووداعات قاسية أسدلت الستارة على عمرٍ انطفأ اختبرنا فيها معنى «الـتشييع».

جنازات متلاحقة

لا تنفصل بدايات 2025 عن نهايات 2024. كان أنطونيو غرامشي يكره ليلة رأس السنة -ولديه نصٌّ في هذا الشأن- لأن التاريخ بحسبه ليس سلسلة من الانقطاعات، على عكس ما توحي به هذه الليلة بوصفها قطيعة عمّا سبقها و«انطلاقة جديدة» كما هو الزعم.

السنوات كلها امتدادٌ للسنوات التي سبقتها. والحال، إنّ حصيلة ما جرى في عامَي 2024 و2025 تجسّد قول لينين: «هناك عقود لا يحدث فيها شيء، وقد تأتي أسابيع تقع فيها أحداث عقود». بهذا المعنى، بدا عام 2025 تتويجاً لتلك الأحداث المكثّفة التي لا تتشكّل إلا عبر عقود: سقوط أنظمةٍ وصعودُ أخرى، وحرب لم تنتهِ إذ إنّ المحسوم فيها هو عدم نهايتها، وانهيار بدأ منذ 2019 واستقر مساره، علماً أنه كان واضحاً، منذ نشأته، أن تقويض انحداره شبه مستحيل.

لم يكن عام 2025، إذن، سوى عام الكارثة المتحققة. ولو أردنا الاتكاء على اللغة الشعرية لقلنا: هو عامُ الفقدان والخذلان والشجن بما انطوى عليه من غيظٍ وقيظٍ وكرب، وطبعاً من ضحكٍ هستيريّ على ما لا يحتمل الضحك. إنه عامُ الأعين الدامعة؛ الأعين الباكية من فرط الضحك ومن شدة البكاء.

استهلّ عام 2025 أيامه بمشهدين ما لبثا أن أدرجا في إيقاع اليوميّ: الأوّل ذو طابع هزليّ، تمثّل في التحوّل على الصعيدين الثقافيّ والاجتماعيّ وقد جاء معطوفاً على تحوّل أبو محمد الجولاني إلى أحمد الشرع، وهي الظاهرة التي عرّفناها بـ«التكويع». أما المشهد الثاني، فكان تراجيديّاً، تجلّى في تشييع السيد نصرلله، وما أعقبه من جنازات متلاحقة لمن نحب: أنطوان كرباج، إسكندر حبش، زياد الرحباني....

هكذا اقترن التحوُّل، أي «التكويع»، بالفكاهة؛ وكأن التبديل الذي يفرضه التأقلم من أجل البقاء قد أنجب مهرّجين، في حين خلّف «التشييع» غياباً فادحاً، وداعات غير مكتملة مع الراحلين وصمتاً ثقيلاً يفرضه غيابٌ لا يطاق. على أنّ «التشييع» و«التكويع» اللذين يمثلان حالتي الهزليّ والمأساويّ، ليسا توصيفين عابرين بل مصطلحان يأتيان على وزن «تفعيل».

ووزن «تفعيل» كما نعلم، ليس بريئاً لغوياً إنّما يدّل، في أحد أوجهه، على قدرٍ من المبالغة وكثافة الفعل، أي على ما يجوز أن ينزلق إلى الكارثيّ. ولكن، مجدداً، عام 2025 هو عام الكارثة المتحققة: من رحل فقد رحلَ من دون أن يغير مساره، ومن بقي فقد كوّع أي حادَ عن المسار، وانعطف من اتجاهٍ إلى آخر. ماذا يبقى للأحياء الذين لم يكوّعوا ومشوا في الجنائز، غير تجفيف الدموع؟

موسم الهجرة إلى المُنتصِر

انطلقت 2025 بالنهاية نفسها التي اختُتمت بها. تربّع «المكوّعون» على المشهد واتضح أنّ المواقف السياسية أرخص من السلع المعروضة في «سوق الأحد». في الشأن السوري، فالمشهد ـــ رغم تعقيداته ـــــ يختصر كالآتي: التفّ الجميع حول قائدٍ حمَل، بادئ ذي بدء، اسماً مجهولاً: أحمد الشرع.

سرعان ما أفصحت وسائل الإعلام والمطّلعون بأن هذا الاسم هو كنية أبو محمد الجولاني؛ معظم من هتَف تهليلاً للأسد بالأمس، باتوا يهتفون بالموت للأسد اليوم... و«ليعِش أحمد الشرع»، قالوا. مجازر السويداء ومجازر الساحل، وحالات الخطف والسبي والاغتصاب، كما الغزل العذري والشبق الإباحي تجاه إسرائيل لم تحرك خروجاً في تظاهرة «مليونية» تسأل الحاكم الجديد: ماذا تفعل يا صاح، يا رفيق الثورة؟ وحين توجه لهم قائلاً: أطيعوني، لم يعترض أحد بل كأن الصمت حضر كعلامة طاعة... «أطعناك يا مولانا».

انتقال محسوب لا نقد ذاتي

على مستوى السياسي والثقافي، لم يكن التكويع ناجماً عن نقدٍ ذاتي عند «النخب» و«المثقفين» (معظمهم زعموا يوماً أنهم مثقفون عضويون)، بل أتى كانتقال محسوب إلى مشهدٍ جديد لا يريد أبطاله التوقف عن الاستعراض. أعادوا صياغة مواقفهم كأن الذاكرة تُغسَّل بخطاب جديد. بدا «التكويع» جواز سفر جديداً. هكذا غدت الهجرة فعلَ تكيّف، وعودةً دائمة إلى الضوء، إلى ممارسة السفسطة.

على الصعيد اللبناني، فـ«التكويع» المخزي أيضاً شغّال. الخزي عنوان المرحلة. الإعلامي ومدير مركز «الارتكاز الإعلامي» سالم زهران أعلن خروجه من محور الممانعة بعدما أمضى ما لا يقل عن عشرين سنةٍ في صفوفه. بكلمات مؤثرة ودّع محبيه: «أشعر بالندم».

وبالمثل، كوّع الوزير السابق، وئام وهاب، الذي حمَّل «حزب الله » أكثر مما يحتمل، وهاب الذي صرّح في إحدى المرات أن إسرائيل قد تزول بـ«كبسة زر واحدة»، يدعو اليوم إلى السلام مع الكيان بحجة «نوم الأمّة». (في المناسبة تتردد كثيراً عبارة الأمّة عند سياسيين من مشارب أيديولوجية مختلفة، من دون تعريف واضح للأمة، وهو التباس لا يبدو سياسياً بقدر ما يستحق قراءة نفسية معمقة لفك هذه العقدة الأوديبية المستعصية في الخيال السياسي اللبناني).

أحوال الراهن تنذر بأن الآتي أسوأ

التكويع ماشي على قدمٍ وساق، والخزي عائم بلا ضفاف. استقبل رئيس الجمهورية في أولى أيام ولايته التي انطلقت بداية عام 2025 الإعلامية ليال الاختيار التي قابلت أفيخاي أدرعي إبان الحرب، وأنهى جدول زياراته لهذا العام مع الفنانة نانسي عجرم. لم نرَ جيجي لامارا في الصورة التي جمعت عجرم وزوجها مع جوزيف عون، ولا شيء يمنع الافتراض أن يكون هو المُصوِّر. قبله، كان رئيس الحكومة نواف سلام قد التقى بالمطرب عمرو دياب في منزله. حملت الزيارة طابعاً ودوداً، إذ قصد دياب منزل سلام الساعة الحادية عشرة ليلاً يوم السبت، قبيل توجهه إلى حفلته.

البلد... ماشي

المشهد اللبناني يُدار برؤية إخراجية دقيقة لا بالسياسة؛ المخرج يكوّع الكاميرا عن الكارثة، يُبعدها عن الإطار ويخلق صورة زائفة ترمي إلى القول إنّ البلد ماشي... وبألف خير، فيما تترك الوقائع/ الكارثة كلها خارج الإطار. سأل برتولت بريخت: «هل سيكون هناك غناء في الأزمنة المظلمة؟ نعم سيكون هناك غناءً في الأزمنة المظلمة. سيكون غناءً عن الأزمنة المظلمة». ولعلّ الضحك على هذه الأزمنة المظلمة، هو بحد ذاته، القصيدة.

لا شيء خارج ورقة النّعوة

كان 2025 عامَ تشييع الشهداء؛ شباباً وفتياتٍ استشهدوا في الحرب الأخيرة، وبعضهم لم يُعثر على رفاته إلا بعد مرور أكثر من عامٍ على انتهاء المعارك. هو عام الوداع، والوخز في القلب، والحداد. عام الموت الذي يجيء كلصّ في الليل.

هو العام الذي شُيِّع فيه ذلك الرجل التي حلّقت مقاتلات إسرائيلية فوق جنازته، رغبةً في قتل شبحه. هو العام الذي رحل فيه الشاعر والمترجم إسكندر حبش بعد صراع طويل مع السرطان، وانطفأ فيه عظيم المسرح اللبناني أنطوان كرباج، وهو العام الذي مات فيه زياد الرحباني «ملك الساحة اللبنانية على بياض». وفيه أيضاً ماتت مغنية السول روبيرتا فلاك، والموسيقي روي آيرز، والروائي صنع الله إبراهيم، والمخرج دايفيد لينش وكثيرون غيرهم. وماذا بعد؟

كان عام 2025 تشييعاً للحقيقة وانتصاراً للشائعة. صحيح أنّ معظم توقّعات ميشال حايك قد خابت، لم يأتِ برق ولا رعد ولم تقع زلازل كما تنبأ، غير أنّ ما اتضح في المقابل هو أنّ محرك السياسة الداخلية اللبنانية رجل من مرتبة المشعوذين يدعى أبو عمر.

عام 2025 كان نهاية مرحلةٍ، و«تشييعاً» لقلوب انتُزعت منا نزعاً وغدا أصحابها من الماضي. هو عام المراثي المؤجلة، عام انكسار المرآة. على أنّ أحوال الراهن تنذر بأن الآتي أسوأ، وأنّ الاصطدام آتٍ لا محالة بين من يواصل التكويع ومن لا يزال واقفاً.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك