كتابة متأخرة عن «حب بيروتي»
قراءة في رواية مضى على صدورها أكثر من 16 عاماً، لكنها دمشق ومصادفاتها، وبيروت وإبداعاتها.


بصدفة غريبة، وجدت بين الكتب المعروضة في مكتبة «النوري» العريقة في دمشق، كتاباً أحبه لإلياس خوري، ورواية «حب بيروتي» لسحر مندور، اللبنانية المصرية أو بالعكس. اشتريت الكتب من المكتبة، بسعر زهيد، مقارنة بالأسعار الباهظة للكتب في بيروت، ولمّا عدت إلى بيروت، قرأت الرواية دفعة واحدة، لم أتمكن من تركها، وهي على أي حال، 159 صفحة من العيار الثقيل، والقطع الصغير، بالكلام الجميل المسبوك بعناية وحب واضح للسرد.
تفتتحها، بالشكر والحب للروائي الكبير الراحل الياس خوري، وقد وصفته بالرجل الكريم، وهو حقاً كذلك لمن عرفه عن قرب أو بعد. كما تختتمها بشكر لثلة من الأسماء، بينها الشاعر الراحل أنسي الحاج، والكاتبة اللبنانية نجلا جريصاتي، وهي زوجة الأستاذ الياس، وعبد السلام عقّاد. وأسماء أخرى عديدة.
ما بين الشكرين، حب بين شخصين، يحبان بعضهما حد الجنون، وقد فعلاه على سطور الرواية، وبين السطور. وهما قصة مختلفة ومختفية في طيات المدينة، وتندرج ضمن أسرارها، وسحر قررت أن تسر للقراء هذه الأسرار. ولعل قائل آخر يقول، إن الرواية حفلة موسيقى بارعة، وناجحة، ومبهجة، بأسماء المغنين، ومدارس الموسيقا، والأغاني وكلماتها، والمراجع في آخر الرواية.
إن «حب بيروتي» هي كل ما سبق، كما تتوالد تحتها طبقات من الحكاية، فيها تضحية ومغامرة أدبية. تتناول الرواية العشق بين ماجدة صاحبة المكتبة ودار النشر وأحمد الرسام، تبدو علاقتهما في البداية بسيطة وسهلة وممتعة، لكن بعد صفحات قليلة، لن يتبقى شيء، لا البساطة ولا السهولة، ستبقى المتعة. وسنعرف أكثر أن اللذة بينهما، شيء يطالع قلبيهما بدفق منقطع النظير «أحب لقاء جسمي بجسمها، فهي لحظة تشرح لي عن القصّة، وعن موقعنا الآن منها، وعن التتمّة» (ص46)
تعرفنا سحر على حياة ماجدة، وحياة أحمد المولود من أم مسيحية وأب مسلم يموت وهو صغير، وتبدو براعتها، بترك خيط شفاف جداً بين يربط حياتهما. وتعرفنا كيف تعرفا على بعضهما، عن طريق أصدقاء لهما، يغيبون بعد حين في الرواية، ليظهر غيرهم. فيخرج مروان، وتخرج كارمن، من أجل إكمال الرواية، و«الحكاية المحظورة»، وهي العلاقة المفتوحة التي تقترحها ماجدة على أحمد، ويوافق عليها، بعد تمنع. ومبررها، أو مبررهما، إنقاذ علاقتهما «أحمد، أودّ أن أجرّب. فإن عدت إليك، أعرف أنّي سأمضي زمناً برفقتك. كما أنّي أعرف أنّك سترحل مجدّداً لو بقيت ملتزماً بي، ستشعر بالضغط، وسأصبح مكبّاً لنفايات كلامك وأحلامك. أحبّنا مع بعض، فلنحاول جديداً يجمعنا بدلاً من المعتاد الذي سبق له أن فرّقنا» (ص40)
تذهب ماجدة وأحمد في مغامراتهما، تسبقه هي إلى أكثر من لقاء مع أكثر من رجل، وكلها لقاءات عشاء، يفتتحها مروان، الذي يتبين لاحقاً أنه ضرير، لكنه مليء بالمعرفة. ولأن الرواية ليست حكاية وحسب، بل مضمون، وقيمة، وأفكار، وإبداع، ولغة، لذا قدمت الكاتبة مطالعة هائلة، عن الجلوس أمام ضرير، حين ينسى الإنسان أن من حوله يرون، بينما من يقابله فقط هو الذي لا يمكنه أن يرى، تتحدث ماجدة عن بقايا نعنعة علقت بين أسنانها، فلم يضيرها ولا أنوثتها، أن تزيلها، بينما كان يتلو عليها رباعيّة لعمر الخيام، فمروان لا يراها، لكن كل من كانوا في المطعم يرونها «فأنت لست الرائي الوحيد بينهم، وإنّما هو الأعمى الوحيد بيننا. اختلافه قادر على إشعارك بأنّه القاعدة، وانت الاستثناء» (ص59) هذا الحديث عن النعنعة، قالته ماجدة لمروان، فكل عشاء كانت تخرج به مع مروان، ولاحقاً مع غيره، كانت تخبر أحمد عن تفاصيله. هكذا اتفقا، حين اتفقا على العلاقة المفتوحة.
ولاحقاً قرر مروان الخروج مع أخرى «من قال إن التخلّي عن الصيغ الموافق عليها اجتماعيّاً، وتجريب صيغ أخرى، لا يستأهل تجربة؟ ما إن قالت لي ماجدة كلماتها السحريّة، حتى انتصر حثّ التجريب فيّ على الرغبة بصون العلاقة» (ص78) فكانت كارمن، السيدة التي تكبره بعشر سنين أو أقل بقليل، سنة ربما، هو في الـ 29، وهي قاربت الأربعين. سهرا معا سهرة طويلة، وسكرا سُكراً عظيماً. وخرجا من البار، تبادلا أرقام الهاتف، وغادرا إلى بيتيهما.
تتطور خطوط الرواية، أحمد وماجدة، أحمد وكارمن، كارمن ورفقتها، مروان وخالد وبيار وغيرهما. يدخل الجنس إلى حيز أحمد وكارمن، وماجدة وأحدهما. وكارمن تعرف بالاتفاق بين أحمد وماجدة، وماجدة تعرف بالعلاقة بين أحمد وكارمن، وأحمد يعرف بعلاقة كارمن وأحدهم..
انفتاح خطوط الرواية على بعضها بهذا الشكل، أعطى بعداً جديداً في الرواية، هو المكاشفة في أقصى درجاتها، إذ لم تعد هناك تحفظات. بدأ اتفاق أحمد وماجدة على تجريب العلاقة المفتوحة، بعد أن شعرا بأن علاقهما مهددة، بعد خمس سنين مروا عليها، وبعد أن طلبت ماجدة منه الزواج، فلم يجب، أو أنه تهرب، أو أنه خاف. إلى أن عادا، وانعقد بينهما الاتفاق، الذي كاد أو أنه فعلاً دمّر باقي علاقتهما، الأمر الذي لا يمكن أن نعرفه في النهاية المفتوحة أيضاً للرواية. لكنها رواية على الأقل تنتهي بضحكتهما معاً.
لهذه الرواية، مزايا، الكاتبة أنثى، تقمصت شخصيات روايتها، وتمكنت بجدارة أن تمنح لكل شخصية صوتها، ومشاعرها، واستطاعت تقمص الرجل، وتقمص احساسه بالغيرة أو بالانتظار، تلك المشاعر لا يدركها إلا الرجال، وقلما يفصحون عنها، فهي اعترافات فردتها سحر مندور على الورق، بتوقيعها. ولهذه الرواية، صوت طربي جميل، الأغاني فيها، كلمات مكتوبة، تغنيها الشخصيات، ويغنيها القراء. كما أن في الرواية أشياء لا تدخل في خانة النسيان، كالكف الذي صفعته أم أحمد على وجه سمير جعجع في الرواية، لما حاول مع جماعته الاستيلاء على بيتها البحري الذي أورثها إياه والدها.
لكن «حب بيروتي» لا تدل القارئ على بيروت، التي كان يمكن أن تحضر أكثر، حتى وإن كانت الكاتبة تريد أن تقدم بيروت التي تحب، عبر علاقة في عاصمة عربية، فيها حياة خاصة واستثنائية عن باقي المدن العربية، ومع ذلك فرغم أن بيروت مدينة متجاوزة لمسائل كثيرة لم تتجاوزها الحواضر العربية، إلا إنها متحفظة بعض الشيء. ولأن لا خيال دون واقع، فإن الرواية مأخوذة من الواقع الذي نعرفه ونشهده، ونتردد في الحديث عنه أحياناً، باستثناء جلسات قليلة، محدودة الناس.
يبدو غريباً أن يكتب عن رواية مضى على صدورها أكثر من 16 عاماً، لكنها دمشق ومصادفاتها، وبيروت وإبداعاتها، ومنها أني قرأت بأن سحر مندور أنجبت رواية جديدة اسمها «رواية القطّ الأسود ذو العين الواحدة» الصادرة عن «دار غايا للنشر والتوزيع»، لذا هذه مناسبة للتذكير، برواية جميلة، استعداداً لرواية أجمل.
