ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

محمد العبدالله: مصارع الكوريدا الوسيم

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

 كانت «رسائل الوحشة» (دار الفارابي ــــ 1979)، المجموعة الشعرية الأولى للشاعر الراحل محمد العبدالله (1946- 2016) أكثر من ديوان شعري لواحدٍ ممن تركوا شموس آبائهم في الأرض العاملية المنقوبة بالحديد والنار والدم لينغمسوا في المدينة الصعبة

محمد ناصر الدين
محمد ناصر الدين
السبت 17 كانون الثاني 2026
محمد العبدالله: مصارع الكوريدا الوسيم
الخط

كانت «رسائل الوحشة» (دار الفارابي ــــ 1979)، المجموعة الشعرية الأولى للشاعر الراحل محمد العبدالله (1946- 2016) أكثر من ديوان شعري لواحدٍ ممن تركوا شموس آبائهم في الأرض العاملية المنقوبة بالحديد والنار والدم لينغمسوا في المدينة الصعبة، بل كانت بمثابة صوت موغل في التمرد والحرية الجامحة لشاعر بوهيمي يقول تجربته الخاصة في الشغب و«الشطح» الضروري لكل اعتراض وجودي على العالم والسلطة بكل أشكالها، وأشبه بمانيفستو لجيل جديد من الشعراء أفرد جزءاً من حريته للقمع والمنع، وأطلق جزأها الآخر متسللاً بين ركام عظمة ومجد السابقين وبين هزيمتهم.

تختلط الرقة في لغة محمد العبدالله أو «دون كيشوت» الشعر اللبناني الحديث بـ «رغبة الإفساد وتعلن رغم مراسيم الاحترام والانحناء، رغبةً في التمرد باتت لا تحتمل التأجيل. إننا نبتكر حرّيتنا قيداً قيدًا وفضاءً فضاءً بينما المقص يتدخّل بين الشهيق والزفير وإننا مضطرون الآن لحريتنا كلّها. إننا على عتبة الشعر».

كان محمد العبدالله حالة شعرية تنثر الشعر بمزاجها الدونكيشوتي المشوب بالكوميديا السوداء على المقاهي والرصيف وجلسات السمر والأصدقاء والخصوم معاً. في كلية التربية التي قصدها ابن بلدة الخيام الواقعة على الحدود مع فلسطين المحتلة، تفتّحت القريحة الشعرية للشاب الوسيم الذي سحَر رفاقه بمقدرته على اللعب بالكلمات: كان «أبو رضا» يطوي القصيدة ويطوعها كمنديل يضعه في جيب سترته، تطويعٌ أشبه بالمصارع في جولة كوريدا يراوغ قرني الثور: «في ملحمة الهواء/ الهواء مذبوح كثورٍ مذبوح/ في ملحمة الهواء/ الهواء مسلوخ كثورٍ مسلوخ/ في ملحمة الهواء/ الهواء مقصوصٌ إلى نصفين بالمنشار/ كثورٍ مقصوصٍ إلى نصفين بالمنشار/ في ملحمة الهواء/ الهواء معلق نصفين بالخطّافات/ كنصفي ثور معلّقين بالخطافات/ في ملحمة الهواء/ يبيع لحّام الهواء بالميزان قطعَ الهواء/ بينما صبيّ اللحّام لحّام الهواء/ يعبئ في مصارين الهواء نفاياتِ الهواء/ ويصنع مقانق الهواء»: لا يفسد تكرار الكلمات ولا الكلمات الشائعة من رونق شعر محمد العبد الله أو اقتحاميته، وكأن الخطافات فيه تمسك البلاغةَ القديمة والحديثة والشاعر يسخر منهما على حد سواء، يشعل سيجارته ويلهو ويلعب: وأحياناً تنتهي الجولة باليأس والغضب والدم على قميص المصارع.

في مجموعاته اللاحقة، مثل «بعد ظهر نبيذ أحمر بعد ظهر خطأ كبير» (1981) و«جموع تكسير» (1984) و«بعد قليل من الحب بعد الحب بقليل» (1996)، لم يتراجع محمد العبدالله قيد أنملة عن جرأته على الشعر، حتى ليبدو أن أصعب ما في الشعر أو أخطر ما فيه هو صيرورته في اتجاه عدم ضرورته، جرأة بلغت حدّ المازوشية في إرباك المتلقي والقارئ والناقد معاً.

انطوت تجربة محمد العبدالله في الكتابة على مروحة واسعة من الأساليب، من الشعر الموزون والتفعيلة مروراً بالشعر الحرّ والسرد الصحافي والقصائد بالعامية اللبنانية والمقاطع المسرحية والقصيدة-الأغنية مثل «خفقة» و«شطح»، و«الجريدة» و«قلت بكتبلك» و«شو بعاد» و«شوارع المدينة مش لحدا». كما تضمن معجمه الشعري مصطلحات تنهل من القاموس السياسي بقدر ما تشتق من أدوات القصابين، وكأن الشعر يأتينا من حيث لا نحتسب، من أماكن هي النقيض البحت لكل ما هو جامد ومحنط في حريته العارية وسخريته المرة.

تعب محمد العبدالله من أحوال البلاد والمدينة والناس، وكل ما يفتك يوماً بعد يوم ببنفسجة الشعر في قلبه، فأطلق صرخته المدوية في البرية: «قسماً بعليّ والعباس أنا تعبان»، ربما أتعبه الشعر نفسه: «سيقتلني حتماً هذا الرأس/ ما ينفكُّ يفكر/ آلاف المرات شرحت له عبث التفكير/ أبنت له أسباب اليأس/ وما ينفك يفكر.../ أغسله وهو يفكر/ أرسله عند الحلاق/ وهو يفكر/ لكنْ حين أريد التفكير بمشكلة تضنيني/ يتأوه من ألم وكأني أضربه بالفأس».

بعد عشرة أعوام على رحيل محمد العبدالله، تستعيد «دار مرفأ» البيروتية طباعة أعماله الشعرية في مجلد أول يصدر قريباً، على أن تُستكمل بمجلد ثانٍ لاحقاً، لتؤنس الشاعر الذي وصف غربته الوجودية الخشنة عن هذا العالم بالكلمات الرقيقة: «إنني مستوحدٌ كقمر الصيف يا مريم/ كشرفةٍ بساهر وحيد».

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك