حميد دباشي: ماذا يفعل علم «إسرائيل» في طهران؟
يرسم المفكّر الإيراني المعارض حميد دباشي تمييزاً بين احتجاجات اقتصادية وسياسية مشروعة وبين «تمرد» يرى أنه مُحرَّض عليه إسرائيلياً، مستنداً إلى ظهور أعلام إسرائيلية في طهران وإشارات سياسية أميركية تُلمّح لتدخل استخباري.


يرسم المفكّر الإيراني المعارض حميد دباشي تمييزاً بين احتجاجات اقتصادية وسياسية مشروعة وبين «تمرد» يرى أنه مُحرَّض عليه إسرائيلياً، مستنداً إلى ظهور أعلام إسرائيلية في طهران وإشارات سياسية أميركية تُلمّح لتدخل استخباري. يهاجم السرديات الغربية الجاهزة، ويحمّل العقوبات دوراً مركزياً في الأزمة، مع رفض الارتهان للخارج
«ماذا يفعل علم إسرائيل في طهران؟» هكذا صاغ حميد دباشي سؤاله الاستنكاريّ خلال تعقيبه على الاحتجاجات الإيرانية في إطلالةٍ تلفزيونية أجراها أخيراً على شاشة «الجزيرة». المفكر الإيراني الذي أدان «المخبر المحلّي»، رضا بهلوي، في رسالةٍ علنيةٍ كتبها يوم شنّ الكيان الإسرائيلي حرباً على إيران العام الماضي، وأعرب فيها عن تضامنه مع بلده رغم خصومته مع النظام؛ يظهر مجدداً حريصاً على تشييد موقفٍ نقديّ يمنعه من الانجرار نحو التماهي مع أجندة العدو.
قراءة هادئة للسرديات الجاهزة
حلّ حميد دباشي ضيفاً على قناة «الجزيرة» يوم الإثنين الماضي تعليقاً على الاحتجاجات المستجدّة التي تشهدها الساحات الإيرانية. في لحظات تتسم بالسخونة والانفعال، اختار دباشي مقاربة المشهد الإيراني من مسافة نقدية، مُعيداً رسم الخطوط الفاصلة للكشف عن الالتباس سعياً إلى تجنب السقوط فيه.
مداخلةٌ وجيزة لم تتجاوز خمس دقائق كانت كفيلة لدباشي بأن يقدّم قراءة هادئة تقارب بنيوياً ما يحدث في إيران. لم يستجب دباشي لتأثير «الصورة»، بل انصرف إلى تفكيك السردية الجاهزة التي تنتجها وسائل الإعلام الغربية مثل «بي. بي. سي» و«نيويورك تايمز»، واضعاً الحدث في سياقه لا في تمثيله الإعلامي.
فنّد المعارض الإيراني الأسباب السياسية والاقتصادية التي تحثّ الإيرانيين على التظاهر ضد السلطة، ولم يخفِ نقده للجمهورية الإسلامية في إيران. غير أنّ دباشي لم يغفل عاملاً أساسياً حاضراً في المشهد الإيراني الراهن هو التدخل الإسرائيلي الذي لا يمكن عزله عمّا يجري.
تمرّد محرَّض عليه إسرائيلياً
يرى دباشي أنّ الاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي التي اندلعت على خلفية الأزمة النقدية هي تظاهرات مشروعة ومحقة، غير أنه ينبّه إلى أنّ ما يجري الآن لا يقتصر على هذا البعد، فهناك «تمرّد مُحرَّض عليه إسرائيلياً» يتداخل مع المشهد.
الحدث الإيراني في نظره تحوّل إلى مشهد تسهم وسائل الإعلام الغربية في صناعته
استحضر حميد دباشي تصريحاً وجّهه وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو إلى الشعب الإيراني في الماضي القريب، حين قام «بتهنئته» في مناسبة العام الجديد. وضع دباشي هذه الرسالة في سياق لا يخلو من الدلالة السياسية، إذ «ترجمها» على أنها تلميح، أو بالأحرى إشارة ضمنية إلى وجود عناصر من الموساد يقفون إلى جانب الإيرانيين. «عندما ندرس الأحداث الجارية في إيران، علينا أن نكون حذرين جداً في التمييز بين المتظاهرين» قال دباشي، مضيفاً «هناك أعلام إسرائيلية ظهرت في طهران، ماذا يفعل العلم الإسرائيلي في طهران؟».
يفرّق دباشي بوضوح بين «العامل» الاقتصاديّ والآخر السياسيّ (مستورد)؛ وبين احتجاجاتٍ مشروعة تطالب الحكومة بإصلاحاتٍ وبمعالجة ثغرات تهدّد أحوال المجتمع، وأخرى «غير مشروعة» تقف وراءها إسرائيل وتحرِّض عليها لأنها تخدم «مصالحها وأهدافها الخبيثة».
نقد الصورة
وإذا كان دباشي يتعامل مع الحدث الإيراني بحذر، فإنه يقابل تمثيله الإعلامي بالرفض الصريح. فالحدث الإيراني في نظره قد تحوّل إلى مشهد تسهم وسائل الإعلام الغربية المتحمّسة لـ «تغطيته» في صناعته.
غير أنّ هذا المشهد الذي تروّج له وسائل الإعلام الغربية يبقى قاصراً ومنقوصاً، ذلك أنّ ما يُستبعد منه هو حقيقة مفصلية تفيد بأنّ «إسرائيل هي القوة الأساسية المحركة لهذه الانتفاضة بعينها» كما يقول دباشي. وعليه، فإن الأخير دعا إلى كسر احتكار السردية الإعلامية الغربية واللجوء إلى منصّات التواصل الاجتماعي ومتابعة حسابات الإيرانيين. ينقل الإيرانيون هناك عبر مقاطع مصوّرة شهاداتهم المباشرة عمّا يجري «ويتحدّثون عن حضور أعلام إسرائيلية وعناصر من الموساد داخل التظاهرات».
إسرائيل في داخل إيران
رغم النقد الذي وجهه دباشي إلى حكومة إيران من قبيل «تفشّي الفساد، وعدم كفاءة القيادة السياسية، والإحباط السياسي الناتج من محاولات متعاقبة لإحداث تحولٍ ديمقراطي من الداخل في ظلّ إصرار الجمهورية على استعمال العنف وقمع أي إمكانية للإصلاح»، إلا أنّ نقده السياسيّ هذا، لا يتطابق مع احتجاجاتٍ تستدعي حلولاً مستوردة من الخارج. فهو يميّز بوضوح بين نقد الداخل ورفض الارتهان إلى قوى خارجية كانت في الأساس جزءاً من الأزمة.
على أنّ دباشي استهلّ كلامه بتحديد السبب الأبرز لما أسماه «التظاهرات المشروعة»، وهي الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بإيران، إلا أنه لم يعفِ الغرب وإسرائيل من هذه الأزمة، إنما وضعهما في صلبها. إذ اعترف بأن «العقوبات الخانقة التي وضعت على إيران على مر عقود، هي العامل الرئيسي الذي يحدّد طبيعة الأزمات الاقتصادية التي شهدتها البلاد».
كما لم يخفِ دباشي أنّ إسرائيل استطاعت «التسلل إلى داخل المجتمع الإيراني» حيث «قتلت في الحرب الأخيرة علماء إيرانيين وقادة إيرانيين ومدنيين».
من هنا، خلص دباشي إلى أنه حتى لو وجدت أسباب اقتصادية وسياسية حقيقية تدفع بشكلٍ محّق ومشروع صوب الاحتجاج، غير أنّ مجمل ما يجري يتعرّض لتحريض وتوجيه إسرائيليين.
