فردوس الكُتُب وجحيمُها
قرأتُ كتباً أكثر مما عب السكير من زجاجات. لا أستطيع أن أبتعد عن الكتب ولو ليوم واحد. إن لإيقاعاتها البطيئة مفعول العلاج. لقد قضيت صيوفاً في معابدها الظليلة، المنحوتة على بياض جرف الصمت الجميل.


ترجمة: نجيب مبارِك
قرأتُ كتباً أكثر مما عب السكير من زجاجات. لا أستطيع أن أبتعد عن الكتب ولو ليوم واحد. إن لإيقاعاتها البطيئة مفعول العلاج. لقد قضيت صيوفاً في معابدها الظليلة، المنحوتة على بياض جرف الصمت الجميل.
أسحب من البوفيه أعمال الشاعر، الذي رسم بيوت الجنة والجحيم، وقد بدت عليها مسحة الأيقونة. فتحت بشكل عشوائي الحياة الجديدة وأطلقت سراح طفلين، نفضت عن لباسهما الغبار قبل أن أسمح لهما بالركض في الضوء. كان دانتي ينزل إلى الجحيم كما ينزل شخص إلى القبو بحثاً عن قنينة شراب جيد. وكنت أُرافقه، أمرُّ بجواره على مكانٍ أو قبور تحترق، عندما سمعت استغاثات تأتي من قلب الحديقة.
في البداية ظننتها هلوسة. في المرة الثانية، دنوت من النافذة وفهمت أن الأمر يتعلق بصيادين ينادون على كلابهم الضالة. أنا أعرف هذه الكلاب. واحد منها اقترب من بيتي ذات أَحد. بشَعر قصير، ووجه عابس، مكتئباً مثل شيطان أسير في رواية منحوتة، يتدلى من عنقه طوق به أجراس تشبه دموعاً متحجرة. رميت له قطعة كعك.
أسعدته هذه الهدية كثيراً، لأنه بدا متعوداً — كما في الفردوس الوحيد الذي يعرف — على سوء معاملة سيده. عيناه بريئتان من كل أمل، لم يكن سوى آلة للقتل جديرة بالتعاطف. لقد عاد من جحيم دانتي بسبب خطأ في إحدى أغانيه. توقف الصيادون عن مناداته. إذ عثروا على كلابهم وكدّسوها في أقفاص سياراتهم. وعلى ضفّة نهر يحترق، اكتشف دانتي أولئك الناس الذين لم يعملوا في حياتهم خيراً ولا شراً. أولئك «الذين لم ينفعوا إلا أنفسهم»، ولم تقبلهم السماء ولفظهم الجحيم. عاقبتهم بالجري عراة، مطارَدين من آلاف النحل.
أقفلت الكتاب، وعدت إلى العالم حيث يتحرك الشياطين المساكين ذاتهم كما في القصيدة. «رجوعاً من أوتان». على طرف لساني اسم المرأة التي ستشاركني هذا الطريق، منذ عشرين عاماً. كانت الأشجار التي تذكرت ضحكتها قد أمطرت على شبحها بقعاً من ألوان دافئة.
وبزغت مدرسة من منعرج يشبه حزناً بوجه قناص. وجلست مقبرة تتأمل وسط الأبقار. وصعدت رائحة من الأرض بعد مطر يقنع بالعيش بلا قلق لعشرة آلاف سنة مقبلة. «صيد يجري الآن».
شخص متفرد بشَعر أسود كالإسفلت يقتحم الطريق بخمسة أمتار إلى الأمام. فتتقاطع حياتنا. يخاطر بجلده بينما أفكر في القراءات السعيدة التي تنتظرني. يتوغل الإله المذعور في الغابة. ويفقد المؤمنون المسلحون أثره. أنا لا أفهم جيداً هذه الحياة حيث يسمع البعض، في الوقت نفسه، طنين النحل منذ وفاتهم إلى معابدهم، بينما آخرون يستعذبون حوزة الأبد أمامهم من أجل قراءة أشياء لطيفة جداً. نحن نتقدم في الحياة بأيد حمراء ملطخة بالإجرام. وطوفان موتنا سيُبيّضها.
٭ كريستيان بوبان: كاتب وشاعر فرنسي (1951- 2022). اشتهر بأسلوبه الأدبي الراصد للأشياء البسيطة في الحياة اليومية، فضَّل الكتابة المركزة التي تمزج بين الملاحظات المختصرة والرؤى الشعرية المكثفة، متناولاً موضوعات شاملة مثل الحب والكآبة والغياب. من أبرز كتبه: «على قيد الحياة» و«اللَّامأمول».
