ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

نيتشه مشغول ببودكاست فنّ العيش!

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

يمكن تفكيك تفاهة عصرنا بالعودة إلى نيتشه: سقوط المعنى بعد «موت الإله» وولادة «الإنسان الأخير» الباحث عن الراحة. تتحول الحكمة إلى سلعة في بودكاستات ولايف كوتش ووصفات سريعة

بول مخلوف
بول مخلوف
السبت 17 كانون الثاني 2026
نيتشه مشغول ببودكاست فنّ العيش!
الخط

يمكن تفكيك تفاهة عصرنا بالعودة إلى نيتشه: سقوط المعنى بعد «موت الإله» وولادة «الإنسان الأخير» الباحث عن الراحة. تتحول الحكمة إلى سلعة في بودكاستات ولايف كوتش ووصفات سريعة، بينما تضبط الصوابية السياسية اللغة وتفرغها من المعنى. وتستكمل الخوارزميات المشهد بصناعة فقاعات طمأنينة تمنع الإنسان من مواجهة الهاوية


تحاصرنا، من كل حدبٍ وصوب، وجوهٌ بلهاء ارتقت بفضل ثقافة الفرجة، إلى مرتبة الأبطال في عصرٍ تالفٍ بلغ فيه الوعي (الدماغ) حالة التعفّن.

مقدمو بودكاست، كوميديون تلعثموا في الدعابة، مؤثرون وفاشونيستاز يقتاتون على اقتصاد الانتباه. اختصاصيو تغذية يبيعون حميات سريعة التحضير، ومبشّرون بالتنمية البشرية زجوا إبيقور في علبة سردين. وفوقهم جميعاً، ينهض فيلق شرطة الصوابية السياسية (بوليتيكال كوريكتنس) الذي يشيّد حدود القول، ويضع أصفاداً على ألسنتنا، فيستبدل مفرداتٍ أزعجته خشونتها بأخرى ملساء هلامية لا طعم لها ولا رائحة.

هؤلاء جميعهم يتناوبون على تلقيننا دروس العيش، بوصفات التداوي من الألم، ولا يكفّون عن تزويدنا بإرشاداتٍ متعلّقة بالتفكير «الصائب» لحياةٍ «فاضلة»، كما لو أنهم يسوّقون لمستحضرات تجميلٍ لإخفاء ندبة.

جحافل من اللصوص تخرج من شاشات الهواتف، تسرق وعينا وتنهب المعنى من جذوره. بثقةٍ عارمةٍ قلّ نظيرها، يملون علينا ما يجب فعله، وما لا ينبغي قوله، ويزوّدوننا بتعويذات تغري بالهروب من وعورة الوجود نحو فقاعات آمنة تحمينا من رياح الشدّة. نواجه ما أسماه أمبرتو إيكو «غزو البلهاء».

يوماً بعد يوم، يتضح أن مقولةَ الأخير تزداد صواباً: «وسائل التواصل، منحت الكلمة لفيالق من الحمقى الذين كانوا يتحدثون في الحانات فقط بعد كأس من النبيذ، من دون أن يتسببوا بضرر، أما الآن، فلهم الحق نفسه في الكلام مثل مَن يحمل جائزة نوبل». في هذا المشهد الذي وصفه ألان دو بوتون بــ«عصر التفاهة» حيث أضحت الثرثرة كلاماً حكيماً، ينبعث صدى من خلف الكواليس كأنه زرادشت نيتشه يصرخ غاضباً: «هوذا الإنسان الأخير!».

موت الإله: صعود الانحطاط

لم يفتأ الإنسان الحديث يفتش عن مسكِّن يخدر آلامه ويخمد قلقه علّه يستطيع النوم هانئاً وسط الضجيج المستجد. إذا عجز عن النوم، تراه يقلّب الفيديوات على وسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من التعارك مع الوسادة أو مواجهة اضطرابه بصمتٍ وشجاعة.

حين كتَب نيتشه: «لقد مات الله، ونحن من قتلناه» لم يكن يعلن عن حدثٍ دينيّ، وليست مقولته هرطقة إنشائية، إنّما أشار فيها إلى انهيار منظومة ميتافيزيقية كاملة؛ تلك السلطات العليا المتجسّدة بـ«الإله»، بدءاً من المعنى وصولاً إلى الأخلاق، التي دائماً ما وجّهت الإنسان وشكّلت أفق وجوده. والحال هذه، أنّ سقوطها بدا أشد دويّاً في العالم الحديث. أدرك نيتشه، الذي أُسيء فهمه كثيراً، أنّ «موت الإله» لن يمر بلا ثمن، وأنه سيقود إلى كارثةٍ وجودية لأن الإنسان سيجد نفسه وحيداً، يحدّق في الفراغ السحيق، بلا سندٍ آمنٍ يتكئ عليه في الليل الدامس.

غير أنّ الكارثة بالنسبة إلى الألماني المفتون بديونيسوس هي فرصة أيضاً. فموت الإله عند نيتشه مناسبة لتحرير الذات من براثن الموروث، ومن غشاوة متكلسة تموّه الدوافع الأنانية بصورة أخلاقٍ وقيمٍ هي، في جوهرها، واهنة. إنه حدثٌ يشبه قطع حبل السرة، يتيح للإنسان أن يعيد خلق قيمه بنفسه، ويبتكر معنى لوجوده بدلاً من البقاء متربّصاً بكآبته التي تتضخّم كلما وقف على الأطلال، أو كما كتب: «إذا أطلت التحديق بالهاوية، فإن الهاوية ستحدق بك أيضاً».

على أنّ نيتشه قد استشرف مصير الإنسان الحديث الذي فشل في تقبّل موت الإله وعجز عن النزوع نحو «الإنسان الأعلى». إنه ذاك الذي يفتش ضائعاً عن وصفات جاهزةٍ تقيه عزلته وألمه عوضاً عن أن «يحب مصيره»، ويتقبل التسكّع وسط العواصف مثل «فلانور» بودلير، ملتحماً بحسّه التراجيدي. لكن من أطال التحديق في الهاوية ابتلعه الفراغ، ومن هرب من التحديق، لجأ إلى الجموع حتى يلهيه الضجيج. هذه هي حال «الإنسان الأخير» الذي يمثّل ما اعتبره نيتشه حالة الانحطاط، وهو الإنسان اليوم؛ نراه يحدّق في شاشته طويلاً مصغياً إلى تعليمات مُرشدي العيش أو أحد أبطال الفرجة وتفَّه المشهد.

العدمية: «الإنسان الأخير» كعبد للراحة

تستلزم قراءة نيتشه قدراً من الهدوء وأعصاباً لا تستفزّها بسهولة استعاراته الفجّة ولا لغته البيانية الفظّة. الرجل الذي يكتب باندفاع ثائرٍ-رغم كرهه للثوار- تجيء جمله كوميض البرق ودويُ الرعد. كل ما أراده هو «أن نكون أسياد أنفسنا». العودة إلى نيتشه اليوم واجبة لكل من يرى أنّ عصر الانحطاط الذي يفرض لغةً فاشيةً تزعم حماية الناطقين من الخدش، ويقدّس أصناماً تعده بيوتوبيا، ويحتقر الألم ويهجيه، لا يفعل سوى قتل ما هو حيٌّ فينا.

لم تعد الحياة مغامرة. كل شيء بات جاهزاً في خدمتك، وما عليك سوى طلب ما تشاء ديليفري. في إمكانك أن تشتري وجبة جاهزة لأنك كسول، وفي وسعك شراء الأوهام أيضاً من التلفزيون أو الإنترنت، لا فرق.

يدمن «الإنسان الأخير» الطمأنينة؛ يضمر بغضاً رهيباً لكل تحدٍّ مفضلاً الراحة والكسل على الخلق والمخاطرة. «الإنسان الأخير» في بحثٍ دائمٍ عن «آلهة»؛ قد تكون- هذه الآلهة- إيديولوجيا جاهزة للاعتناق، أو انصياعاً لأبطال الفرجة والوجوه البلهاء على الشاشة، أو خبراء يبيعونه حبوب الطمأنينة، أو حتى خوارزميات تقدم له ما يشتهيه وما يتوق إليه. ولا يمانع «الإنسان الأخير» أن يستبدل إلهاً بآخر، ما دام المعنى جاهزاً ومعلّباً عنده، وما دام معفى من رسم مصيره بنفسه وخلق ذاته بذاته.

جائحة اللايف كوتش والبودكاست: تمييع الحكمة والمعرفة

وهكذا، نجد، مثلاً، «بودكاست» يحكي عن نشأة حضارةٍ أو يشرح أفكاراً بأسلوبٍ مبسّط ويحصد ملايين المشاهدات فيما تغلق المكتبات أبوابها بسبب عزوف القراء. صار في إمكان «الإنسان الأخير» الاستعانة بخاصية «تسريع» البث أي x2، وبالتالي، صار في وسعه أن يهضم أسرع، وينتقل إلى بودكاست آخر يعلّمه مثلاً عن كيفية التأقلم مع الحزن والقلق. هذه البودكاستات رائجة اليوم، خصوصاً في عالمنا العربي، فـ«الإنسان الأخير» يغزو الأسواق؛ من سماته أنّه يفضل الابتعاد عن الجهد والتعب، والأسئلة الصعبة. حوّل «الإنسان الأخير» المعرفة إلى سلعة «بسيطة» يستهلكها على عجل أثناء وجوده في المرحاض أو غسله الأطباق. لم تعد المعرفة تجربة تُستقى من العيش، وغرضها تصوّر عيش أفضل، إنما ثرثرة تنتهي في دقيقة واحدة.

في هذا العالم المزدحم بالضجيج، حيث يسعى «الإنسان الأخير» إلى الطمأنينة، والقبول الاجتماعي، والمواءمة مع الحس العام ومعايير العصر لكي لا يُعزل ولا يَغرق في «الهاوية»، يظهر «اللايف كوتش» واختصاصيّو التنمية البشرية بوصفهم الكهنة الجدد يبشّرون بالوصايا المقدسة، ويعطون «الإنسان الأخير» مفتاح العيش السليم. من مارك مانسون وكتابه «فن اللامبالاة» الذي يطيح بالأسواق وصولاً إلى خالد غطاس، اللايف كوتش العربي، يُقدَّم الحزن، والألم، والتجربة المريرة بوصفها خللاً تقنياً أو عيوباً يجب تجنبها بسرعة.

هؤلاء المرشدون يفرغون المخزون العاطفي من شحنته، وتغدو الحالة الإنسانية تدار بالوصفة لا بالتجربة. نصيحة بمدّة دقيقة، ومقطعٌ تحفيزيّ، وتوكيداتٌ صباحية، كلّها تُقنع «الإنسان الأخير» بأنه في الإمكان التغلب على مصاعب الحياة من خلال شيفرة صوتية. ولا عجب أن يجد فيهم ضالّته: فهم يُعفونه من التفكير، ويمنحونه شعوراً بالطمأنينة ويبعدونه عن نفسه.

«الإنسان الأخير» العلامة الفاقعة على عصر الانحطاط: يتنقّل بين البودكاستات (المعرفة) وخطب اللايف كوتش (الحكمة) بالسرعة نفسها التي يتهرّب بها من الهاوية. وفي سعيه إلى الهروب من المغامرة وإدمانه على العدمية، فهو يمرّ بجانب الوجود بسرعة ×2.

الخوارزميات

وسط هذا الانحطاط، ثمة ذبول بطيء للروح. بدلاً من تحرير القوى الداخلية مهما كلف الثمن، يختار «الإنسان الأخير» الانغماس مع «القطيع»- بتوصيف نيتشه- أي موضة السائد تلهيه عن نفسه وتملأ فراغه، فهو يعجز عن حب مصيره، أي حب ذاته لأنه يكره الألم والفوضى التي «تنجب نجماً راقصاً» كما قال نيتشه.

يتخلى «الإنسان الأخير» عن «إرادة الحياة» لصالح «إرادة الراحة». لذلك تراه يفضّل التحديق عوضاً عن المحايثة. ولأن المواجهة تُرهقه، فهو يجد في الخوارزميات ملاذه الأخير. فهي ترتّب له العالم مسبقاً، تختار له ما يشاهده وما يفكّر فيه؛ تنسج له فقاعةً مطمئنة تبعده عما يهدده وما يخلخل راحته، ويكون فيها الشاهد والمشاهد من دون أن يبتدع مشهده الخاص.

هكذا ليس اللجوء إلى الخوارزميات إلا امتداداً لإرادة الراحة أو ما يمكن وصفه بغريزة الانسحاب، وهي العدمية في أوج مستواها. ذاك أنّ الخوارزميات تُغنيه عن التجربة، وتعده بأن يختفي تماماً عن الوجود. مَن لا يحتمل العمق ويحتقر المغامرة، لن يجد ملجأً أرحم من شاشةٍ تخفي الهاوية خلف تدفقٍ لا ينتهي.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك