روح السيد: قراءة في سيرة قائد إعلامي
ناقشت ندوة فكرية عُقدت في «المنتدى الثقافي الاجتماعي العباسية» كتاب الصحافي علي ضاحي «سيرة قائد شجاع… محمد عفيف روح السيد»، الذي يوثّق سيرة قائد إعلامي ارتبط اسمه بخيار المقاومة. وتوقّفت المداخلات عند شخصية عفيف المتعددة الأبعاد، من نشأته الدينية والثقافية


عُقدت ندوة فكرية حول كتاب ضاحي الجديد المعنون «سيرة قائد شجاع… محمد عفيف روح السيد»، للصحافي علي ضاحي، في مقرّ «المنتدى الثقافي الاجتماعي العباسية» في العباسية. شارك في الندوة عضو المجلس الأعلى في الحزب السوري القومي الاجتماعي وأمين عام الأحزاب العربية قاسم صالح، وأستاذ السياسات الدولية أحمد ملي، والصحافي قاسم قصير، والأستاذ الجامعي الشيخ صادق النابلسي، فيما قدّم الندوة نائب رئيس المنتدى الثقافي الاجتماعي العباسية علي كلش.
شخصية متعددة الأبعاد
في كلمته، كشف أحمد ملي أنه تعرّف إلى الحاج محمد عفيف في الرياض عام 1981، واصفاً إياه بالشخصية المتعددة الأبعاد: «هو ابن العائلة الدينية، نجل العالم الجليل الشيخ عفيف النابلسي، وذوّاقة الأدب والشعر، بعقل مهندس، ودبلوماسي استطاع أن يؤسّس بمفرده إمبراطورية إعلامية». وأشار ملي إلى أن عفيف بدأ مسار الشهادة فور عودته من الرياض عام 1981، لا سيما بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982. وأضاف: «خلال حرب الإسناد، وفي جلسة خاصة، قلت له إن لديّ شعوراً بأن السيد حسن نصر الله سيكون مستهدفاً، فشاطرني الرأي نفسه. وما أدركته لاحقاً أن محمد عفيف كان فعلاً روح السيد، وبعد استشهاد السيد لم يعد يرغب بالعيش، وكان مستبشراً باللحاق به».
توثيق السيرة ليس مهمة سهلة
من جهته، لفت قاسم صالح إلى أن توثيق سيرة ومسيرة الحاج محمد عفيف ليس بالأمر السهل، «إذ بدأ مسيرته الجهادية منذ نعومة أظفاره، ونشأ في كنف عائلة مقاومة مجاهدة، برعاية سماحة آية الله العلّامة الشيخ عفيف النابلسي، الذي كرّس حياته للاجتهاد والفقه والجهاد في مواجهة الاحتلال والعدوان الصهيوني». وأشار إلى أن انطلاقة عفيف كانت من صيدا، فيما ظلّت مسيرته المقاومة محاطة بالكثير من الأسرار المستمرة حتى اليوم.
وأكد صالح أن أهمية الكتاب تكمن في أنه «يستعيد ذكريات قريبة لقائد إعلامي اختار المواجهة، فكان صوت المقاومة الصادح في الميدان، غير آبه بالتهديدات أو التحذيرات». وأضاف أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجهد الإعلامي للشهيد، بل يتناول نشأته ومراحل الصبا والشباب والدراسة، وانطلاقة العمل المقاوم، وصولاً إلى مرحلة تأسيس حزب الله، والعمل في قناة «المنار»، والعلاقات الإعلامية التي شكّلت خلية تواصل إيجابية بين أهل المهنة من مختلف الانتماءات، وصولاً إلى الاستشهاد.
وشدّد صالح على ضرورة الاستمرار في المسيرة الإعلامية الملتزمة خيار المقاومة، بما لا يقبل الاجتهاد أو التأويل، والعمل على تحصين الوحدة الداخلية في مواجهة أصوات التحريض والفتنة التي تسعى إلى تصديع الوحدة الوطنية بخطاب الكراهية والأسرلة، داعياً إلى خوض الاستحقاق النيابي وفق قانون انتخابي جديد خارج القيد الطائفي، يحقّق صحة التمثيل ويشكّل مدخلاً لبناء دولة المواطنة القوية، القادرة بجيشها وشعبها ومقاومتها.
تجربة أكبر من كتاب واحد
بدوره، رأى الإعلامي قاسم قصير أن حكاية الحاج محمد عفيف لا يمكن أن تختصر في كتاب واحد، «بل تحتاج إلى كتب ودراسات إضافية عن دوره الإعلامي والمقاوم وتجربته المميزة». وأضاف أن السنة الأخيرة من حياته، ولا سيما الشهر الأخير بعد استشهاد السيد حسن نصر الله، ولاحقاً السيد هاشم صفي الدين، والدور الذي أدّاه عفيف في تلك المرحلة وخطاباته، «تستحق أن تُوثّق كوثيقة أساسية»، متمنياً تضمينها في طبعة لاحقة من الكتاب.
أما الشيخ صادق النابلسي، فأشار في كلمته إلى أن الحاج محمد عفيف كان يعتبر، في اتصالاته مع أصدقائه، أن اللحظة السوداوية لا يمكن أن تستمر لدى المؤمن. ولفت إلى صعوبة المرحلة بعد استشهاد السيد حسن نصر الله، حيث سأله أحد الأصدقاء: «ماذا بعد؟ وما هو اليوم التالي؟»، فأجاب عفيف: «اليوم التالي هو الانتصار ولا شيء غيره».
وأضاف النابلسي أن عفيف يُعدّ أحد مهندسي العبور عام 1973، مؤكداً أن السلاح الأهم في المواجهة هو «سلاح الروح أو الأرواح البشرية»، وهي الروح التي تجلّت بعد استشهاد السيدين وسائر الشهداء. وتوقف عند البعد الكربلائي في شخصيته، معتبراً أن المواجهة الأخيرة كانت مواجهة سياسية وعسكرية وإعلامية هائلة بين شعب يطالب بحقه وقوى تتنكر لهذا الحق.
وأشار إلى أن الحاج محمد عفيف، خلال خمسين يوماً، أكمل مهمة السيد حسن نصر الله في إظهار صورة المقاومة والبطولة والعزة والإباء في المعركة، فيما تجلّى الوجه الآخر عبر روح الاستشهاد، أما البعد الثالث في شخصيته فتمثّل في «عبقرية الإرادة».
توثيق حياة رجل المهام الصعبة
وفي الختام، أهدى علي ضاحي كتابه إلى العباسية وبرج رحال وباريش والمعركة ومعروب وطورا ودير قانون النهر وبدياس والسكسكية وصور وجبل عامل، مشيراً إلى أن الكتاب يشكّل محاولة لتوثيق حياة محمد عفيف: الإعلامي والمفكر والرؤيوي، المنفتح ورجل الحوار والمهام الصعبة. ويتضمن توثيقاً لأبرز محطات حياته ومفاصلها الأساسية، مستنداً إلى شهادات حيّة وتجارب معاشة لمن عاصروا هذا الرجل، وعمله في المقاومة منذ ما قبل عام 1982، من صور إلى النجف فالبيسارية فبيروت، حيث مكان استشهاده.
