موازنة الكيان الإسرائيلي: الأسر تتحمّل أكلاف الحرب


الضرر الأساسي والمباشر لموازنة 2025 التي أقرتها حكومة العدو أخيراً يظهر على الأسر. فقد أصبح واضحاً أن الحكومة الإسرائيلية تفضّل المضي بالحرب على حساب رفاهية الأسر فيها. وظهر ذلك في الزيادات الضريبية التي وردت في موزانة 2025، والتي تضمنت هدفاً أساسياً يتعلق بتغطية أكلاف الحرب واستمرايتها.
تشير تقديرات وزارة المال في الكيان الصهيوني، إلى أن كل زيادة بمقدار 10 مليارات شيكل _(كل 3.75 شواكل تساوي دولاراً واحداً) في ميزانية الدفاع ستؤدي إلى إنفاق إضافي قدره 4 آلاف شيكل سنوياً لكل أسرة في إسرائيل. فمن البديهي إذاً، أن الزيادة في الإنفاق العسكري ستؤدي إلى زيادة الضرائب، ما ينعكس سلباً على القدرة الاستهلاكية للأسر وتتضاءل فرص الاقتصاد في النمو. إذ إن زيادة الضرائب تسهم في انخفاض المداخيل القابلة للإنفاق لدى الأسر، وبالتالي سينخفض الاستهلاك بشكل عام. بطبيعة الحال ينعكس الأمر على الوضع المعيشي للأسر، إذ إنه بحسب كبير الاقتصاديين لوزارة المال في الكيان المحتلّ شموئيل ابرامسون، سيكون لهذه الإجراءات «تأثير كبير جداً في مستوى المعيشة في إسرائيل». ومن أبرز الضرائب التي جرت زيادتها، هي ضريبة القيمة المضافة من 17% إلى 18%، أي بزيادة نقطة مئوية واحدة، لكن هذه الزيادة لها أثر كبير على الأسر مثل كل الضرائب التي تفرض على الاستهلاك.
يظهر أن حكومة العدو مستعدّة للتضحية بمسار النمو الاقتصادي للاستمرار بالحرب
وبحسب موقع «والاه» ستكبّد هذه الزيادة آلاف الشواكل سنوياً على الأسر. كما أن الزيادة في الضريبة على النقل، سيكون لها أثر واسع على الأسر. فعلى سبيل المثال، ستزداد أسعار تذاكر الحافلات، بموجب الموازنة، بنسبة 33%. كل تذكرة سيزداد سعرها 2 شيكل، ورغم أن هذا المبلغ يعدّ زهيداً وليس ذات قيمة مرتفعة، إلا أن المسألة تتعلق بالزيادة الناتجة منه على إنفاق الأسر على النقل. ويقدّم موقع «كالكاليست» مثالاً عن هذا الأمر مشيراً إلى أن شخصاً يعيش في القدس ويعمل في تل أبيب «أي إنه يغادر منزله كل يوم ويمشي إلى محطة القطار خارج الحيّ، ثم يقود سيارته إلى محطة قطار إسحاق نافون، ثم يستقل القطار إلى تل أبيب، ثم يستقل الحافلة أو القطار إلى منطقة المكتب. كان هذا المسار يكلّف 430 شيكلاً شهرياً في النقل المشترك، إلا أنه في كانون الثاني، وبموجب ما ورد في الموازنة سوف يدفع 560 شيكلاً»، أي إن الزيادة التي تكبّدها تبلغ 130 شيكلاً شهرياً. وبالتالي ستبلغ الكلفة السنوية الإضافية على الفرد 1560 شيكلاً (416 دولاراً) بسبب هذه الزيادة. وهذا الإنفاق الإضافي سيقتطع من إنفاق كانت خصصته الأسر التي تعيش في الكيان الصهيوني على سلع وخدمات أخرى قد تكون أكثر أهمية بالنسبة إليها ولاستمراريتها هناك.
في المحصّلة، سيكون هناك انعكاس غير مباشر على الاقتصاد، إذ إن الأموال التي ستذهب إلى الدفاع سيتم خصمها من حصّة الاستهلاك ونمو الاقتصاد، بحسب ابرامسون. لذا، بالإضافة إلى الكلفة المباشرة لزيادة الإنفاق العسكري، يظهر تقرير ابرامسون أن الكلفة الإضافية الناجمة عن فقدان النشاط الاقتصادي تُقدّر بنحو 15% إلى 30% من الزيادة في الإنفاق العسكري. «ومن هذا، يمكن تقدير أن الزيادة في الإنفاق العسكري بنحو 10 مليارات شيكل ستتسبب في كلفة إجمالية تزيد عن 1150 شيكلاً لكل مقيم، أو حوالى 4000 شيكل لكل أسرة».
أما المحاضر في جامعة العبرية في القدس والباحث في «معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، بروفيسور استيفان كلور فيقول: «من أجل منع تكرار العقد الضائع في الثمانينيات، ثمة أهمية لمعرفة ماذا سنفعل ببنود الإنفاق المدنية. وإلى أين نوجه بنود الإنفاق الأخرى في ميزانية الدولة، كي نتمكن من ضمان (تنفيذ) الإنفاق الأمني والعسكري، وكذلك النمو الاقتصادي الذي يضمن وجود الدولة». وحذّر كلور من أنه «إذا رفعنا بشكل غير تناسبي ميزانية الأمن من دون توجيه (ميزانيات) محرّكات النمو، فسنعلق في وضع اقتصادي غير مستقرّ وخطير على الاقتصاد الإسرائيلي».
ما يقوله هو إن موازنة 2025 ستكون مُضرّة بالطبقة الفقيرة التي تتأثّر بشكل كبير من ارتفاع الضريبة على القيمة المضافة، لأن الزيادة فيها تأكل نسبة أكبر من مداخيلها، وهذه الضريبة تُعدّ ضريبة تراجعية، بمعنى أنها تُصيب الفقراء والأغنياء معاً بالحد الأدنى. وسيتّضح مع الوقت كيف تقوم حكومة الكيان بتمويل حربها على حساب هذه الطبقات، بدلاً من فرض ضرائب أكثر عدلاً، كضريبة الثروة التي تتحدث عنها حتى المؤسسات الدولية النيوليبرالية مثل البنك الدولي، إلا أن الحكومة الإسرائيلية لم تتجه في هذا المسار، بل فضّلت الالتزام بقواعد التقشّف الكلاسيكية. والأمر لا يتوقّف عند هذا الحد، بل يظهر أن حكومة العدو مستعدّة للتضحية بمسار النمو الاقتصادي للاستمرار بهذه الحرب. إذ إن خفض الإنفاق الاستثماري والإضرار بالاستهلاك يُسهمان في تقويض فرص النمو. كل هذا، يُضاف إلى ما تشكّله الحرب من تهديد على الاقتصاد الإسرائيلي، من الشمال الذي أصبحت فيه الحياة الاقتصادية شبه مُعطّلة، إلى الأكلاف الذي يتكبّدها اقتصاد العدو بسبب تعطّل الأعمال الدائم، وبشكل خاص الضرر الذي أحدثته الحرب لمسار نمو القطاع التكنولوجي الذي يُعدّ دُرّة الاقتصاد الإسرائيلي.
