
في زمنٍ بات فيه الصمت عاراً، اختارت صيدا أن تصرخ بصوت غزة، فالتزمت «عاصمة الجنوب» الإضراب بشكلٍ واسع تجاوباً مع الدعوة العالمية، رفضاً للعدوان الإسرائيلي الوحشيّ على قطاع غزة. وشهدت المدينة إغلاقاً تاماً للأسواق التجارية والمؤسسات، إضافةً إلى المدارس الخاصة، في مشهدٍ عكس حجم التفاعل الشعبي مع الدعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأوساط الهيئات الأهلية اللبنانية والفلسطينية التي دعت إلى يوم غضب شامل.
انطلقت مسيرة الغضب تحت عنوان «صيدا قالت كلمتها»، من ساحة إيليا، لتجوب شوارعها وصولاً إلى ساحة النجمة وسط المدينة. وشارك فيها المئات من أبناء المدينة والمخيمات المجاورة، إلى جانب ممثّلي هيئات كشفية وطالبية، ومنظمات طبية، ولجان أحياء ومساجد.
ورفع المشاركون الأعلام الفلسطينية واللبنانية، إلى جانب أعلام الأحزاب الوطنية وأعلام حركة «حماس»، إضافةً إلى صور شهداء حزب الله و«حماس»، ولافتات كُتبت عليها شعارات «المقاومة حقّ مشروع، السلام مع العدو ممنوع»، و«غزة مش عنوان بصفحة جريدة، ولا قصة بنشرة أخبار، غزة نبض الأرض دقّت طبولها إيماناً بالانتصار»... وغيرها. وردّدوا هتافات منها بـ«الروح بالدم نفديك يا غزة». وأكّد المشاركون «وقوف صيدا المقاومة دائماً إلى جانب أهل القطاع»، مطالبين بـ«دولة تحافظ على كرامة بلدهم وتعيد سيادته».
-
(الأخبار)
وجع مشترك وغضب صادق
الصحافي الصيداوي وفيق هواري قال لـ«الأخبار» إن «الموقف دعماً لغزة ليس لغزة وحدها، بل هو دفاع عن النفس، لأن غزة هي البوابة التي يحاول فتحها الغرب الاستعماري، واشنطن والعدو الإسرائيلي لإنشاء شرق أوسط جديد، يطاول لبنان وسوريا والدول العربية». وأضاف أن «هذا النموذج تبيّن من خلال إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان، لأن هدفهم لا يقتصر على إبادة الشعب الفلسطيني، وإنما تفريغ الشرق الأوسط لإنشاء إسرائيل الكبرى، لذلك علينا اتّباع كل وسائل الدفاع عن النفس، منها دعم غزة».
وأشار عضو في مؤسسة «بيت أطفال الصمود» محمود أبو حمدة إلى أن «ما تعرّضت له غزة من إبادة وتهجير وتجويع لم يتعرّض له أي شعب على مدار التاريخ»، معتبراً أنها «معجزة أنه ما زال صامداً حتى اليوم».
وسط الحشود، لم تكن الشعارات وحدها تعبّر عن الموقف، بل أيضاً ملامح الناس، نظراتهم، ومواقفهم الفردية التي تحوّلت إلى رسائل.
-
(الأخبار)
غسان داوود، رجل أربعيني، وقف في ساحة إيليا ممسكاً بيد ابنه الصغير، وقال إنه أحضر ابنه معه اليوم لـ«أنه من الضروريّ أن يعرف من هو عدونا، ويعرف أن فلسطين ليست قضية بعيدة، هي قضيته، وقضيتنا كلنا من زمان ولبعد بكرا». واعتبر أن «أهم شي نورّث الوعي، لأن الحرب الحقيقية عم تصير على الذاكرة والضمير، مش بس على الأرض».
كما أكّد إبراهيم السوسي، وهو شاب من مدينة صيدا، أن «المشاركة في المسيرة هي أقل ما يمكن أن نقدّمه لأهل غزة أمام كل ما يجري من مجازر على أهلنا في قطاع غزة، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع التعبير فيها عن دعمنا وحزننا».
من جهته، قال يزن قاسم، وهو شاب فلسطيني من مخيم عين الحلوة، إن «غزة أمام إبادة جماعية، لكنّ المقاومة في لبنان وشبابها وقفوا إلى جانب مقاومتنا في فلسطين، وقدّموا كل ما يلزم، ولم يتوانوا عن تقديم دمائهم نصرة لغزة أمام تخاذل عربي فاضح».
تنوّعت الآراء والمواقف، لكنها اجتمعت على وجع واحد وغضب واحد «لا للتطبيع لا للتهجير، لا صمت أمام المجازر».
واختُتمت المسيرة في ساحة النجمة، حيث رسمت المدينة الجنوبية التي لطالما وقفت إلى جانب فلسطين مشهداً جديداً من الكرامة الشعبية، من الطفل الذي رُفع على الأكتاف، إلى الكهل الذي حمل علم فلسطين بيد مرتجفة. كان كل تفصيل في المشهد صرخة في وجه الصمت العالمي، ورسالة بأن الجنوب لم يتغيّر، ولن يتغيّر.

