هل تمنع أميركا الملوّنات الاصطناعية؟
تتعرّض «إدارة الغذاء والدواء الأميركية» لهجمات واسعة من أجل تغيير سياساتها المتّبعة حيال المواد الملوّنة.


تتجّه «إدارة الغذاء والدواء الأميركية» (FDA) إلى حظر صبغة الطعام الاصطناعية المنتشرة بشكل واسع في المشروبات والوجبات الخفيفة والحبوب والحلوى.
تحرّك فيدرالي
كشف نائب مفوّض الإدارة، جيم جونز، عن تطرّق اجتماع لجنة الصحة في مجلس الشيوخ في بداية شهر كانون الأوّل (ديسمبر) الحالي، إلى الالتماس المقدّم لإلغاء ترخيص استخدام الصبغات الملونة المثيرة للجدل، مؤكّداً أنّ الموضوع سيخضع للمتابعة خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
من جهته، حثّ العضو الديموقراطي في لجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب الأميركي، فرانك بالون جونيور، الإدارة على حظر المادة الحمراء الرقم 3، والمعروفة أيضاً باسم الإريثروزين، محذّراً من الصبغة التي تصنّع من البترول وتمنح الأطعمة والمشروبات لون الكرز الزاهي.
وعبّر بالون، في رسالته إلى الـ FDA، عن تخوّفه من حلول موسم الأعياد الذي يكثر فيه الأطفال تناول الحلويات التي تحتوي على هذه المادة الكيميائية، داعياً شركات الأغذية للتأكد من سلامة منتجاتها والالتزام بالمعايير الرسمية، ما يعني سحب آلاف المنتجات التي تحتوي على الصبغة الحمراء من السوق.
وفي سياق متصل، رأى روبرت كينيدي جونيور الذي اختاره الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب وزيراً للصحة، أنّ صبغات الطعام تسبّب مرض السرطان، مهاجماً أقساماً عدّة في الـ FDA «لا تقوم بعملها وعليها الاستقالة».
الأحمر القاتل
تنظّم الـ FDA أكثر من من ثلاثة أرباع الإمدادات الغذائية في الولايات المتحدة، وتحصل جميع الإضافات الملونة على موافقتها قبل استخدامها في الأغذية التي تباع في البلاد، وهذا يشمل الصبغتين الحمراوين اللتين تخضعان للتدقيق الفيدرالي المشار إليهما بالمواد الحمراء الرقم 3 والرقم 40.
الجدير ذكره أنّ بعض الصبغات التي تستخدم في الطعام تستخدم أيضاً في العقاقير الصيدلانية. علماً أنّ موافقة الـ FDA على استعمال هذه المواد تعطى بشكل منفصل لكل استخدام.
واللافت أنّ الإدارة كانت قد حظرت، في عام 1990، استخدام الصبغة الحمراء الرقم 3 في مستحضرات التجميل والأدوية الموضعية بموجب بند ديلاني، بسبب ثبوت أن المادة الكيميائية مسرطنة بجرعات عالية بعد إجراء اختبارات على فئران التجارب.
-
تُستخدم الملوّنات كأداة تسويقية
دعوات لحظر الملونات
صحيح أنّ جيم جونز يرى أنّ المادة لا تشكّل خطراً على البشر الأمر الذي يجعلها مسموحة في الولايات المتحدة، إلا أنّ المنتجات عينها محظورة في بلدان أخرى، في حين أنّ الاتحاد الأوروبي يرفقها بملصق تحذيري حول الصبغة الحمراء وآثاراها السلبية على الجميع، خصوصاً «التأثير السلبي على النشاط والانتباه لدى الأطفال».
في هذا السياق، دعا الأستاذ المتخصص في التغذية في «هارفارد»، جيرولد ماندي، إلى اتباع «المبدأ الاحترازي» عبر وقف استعمال الصبغة الحمراء إسوةً بالدول الأخرى التي لا تريد المخاطرة حتى لو كانت بيانات الأضرار المحتملة «غير قاطعة».
من جهته، اعتبر الباحث في المجال الغذائي في «مركز العلوم العامة»، توماس غاليغان، أنّ الصبغات الغذائية تخدم وظيفة واحدة فقط، وهي جعل الطعام «يبدو جميلاً» لترغيب المستهلكين في شرائه، واصفاً إياها بـ«الأداة التسويقية».
وجهة نظر العلم
أجرت لجنة استشارية تابعة لـ «إدارة الغذاء والدواء الأميركية» مراجعة للصلة المحتملة بين الصبغات الغذائية الاصطناعية وفرط النشاط لدى الأطفال في عام 2011، خلصت إلى نفي وجود علاقة سببية بينها. ثمّ أعادت الوكالة النظر في المسألة في عام 2019، لكنّها انتهت بالحفاظ على التوصيات نفسها.
إلا أنّ بعض الأبحاث حول مضار المادة الكيميائية عارضت توصيات الإدارة وتوصلت إلى خلاصة تربطها بفرط النشاط، من بينها دراسة أميركية أجريت في عام 2012، أكّدت أنّ المادة تشكّل «عاملاً مساهماً» بشكل كبير في بعض الحالات. إلى جانب ثلاث دراسات سريرية في بريطانيا أثبتت وجود آثار سلبية للملونات على الأطفال.
لكنّ البحث الأعمق حول الموضوع، كان في عام 2021 عبر «مكتب كاليفورنيا لتقييم مخاطر الصحة البيئية» الذي خلص إلى أنّ استهلاك الصبغات الاصطناعية يمكن أن يؤدي إلى «فرط النشاط ومشكلات سلوكية أخرى لدى بعض الأطفال»، تبعاً لاختلاف حساسيتهم تجاهها.
بناءً على كلّ ما تقدّم، أوضح توماس غاليغان أنّ المعلومات المتوافرة تثبت «بشكل قاطع جدّاً» أنّ تناول الأطفال للصبغات ستؤثّر على جهازهم العصبي عبر اضطرابات فرط النشاط ونقص الانتباه، مشيراً إلى «27 تجربة سريرية» تدعم هذا الرأي.
-
تتصاعد مطالب حظر الملوّنات في الولايات المتحدة
الملونات تودّع الساحة
لا تزال الـFDA مصرّة على أنّ الملوّنات المستخدمة آمنة، لكنّها في الوقت عينه تبقي الباب موارباً أمام النقاشات حولها. نقاشات قد توضع على نار حامية في حال تقلّد كينيدي وزارة الصحة في الإدارة الأميركية المقبلة.
الجدير ذكره أنّ ثلاث ولايات أميركية غرّدت خارج سرب توصيات الـ FDA وحظرت بالفعل بعض الإضافات الملونة، من بينها كاليفورنيا التي أصدرت في تشرين الأول (أكتوبر) 2023 قانوناً يمنع استخدام ستّ من أصل تسع صبغات معتمدة من الإدارة، على أن يدخل حيّز التنفيذ بحلول عام 2027.
من جهتها بدأت الشركات المصنّعة للأغذية بإزالة الصبغات الاصطناعية من منتجاتها، مثل شركة «نستله» التي استبدلتها بأخرى طبيعية في أكثر من 250 منتجاً.
ورغم أنّ معظم الدراسات تشير إلى أنّ آثار الملوّنات السلبية تنحصر بالأطفال الحسّاسين تجاهها، إلا أنّ الموضوع اكتسب زخماً سياسياً واسعاً قد يفرض هذه المرّة على الـ FDA تغيير منهجها الحالي. الأمر الذي يتطوّر تلقائياً في حال حدوثه، ليؤثّر على المقاربات الصحية والغذائية لهذا الموضوع في مختلف أنحاء العالم.
