النساء والألم: استجابة أقل للعلاج؟
النساء يعانين من الألم بشكل مختلف عن الرجال، ولكن الأبحاث الطبية أهملتهن طويلاً. والآن، يدرك الطب الحاجة إلى علاجات مخصصة لاحتياجاتهن الفريدة.


الألم هو أحد أقدم الشكاوى الطبية في التاريخ، وعبر القرون، اعتمد الأطباء نهجاً موحداً لعلاجه، دون مراعاة الفروقات البيولوجية بين الجنسين. لكن الأبحاث الحديثة كشفت حقيقة ثورية: النساء يعانين من الألم بشكل مختلف عن الرجال، ما يجعل العلاجات التقليدية أقل فاعلية بالنسبة إليهن.
النساء يعانين أكثر ويُعالَجن أقل
تشير الدراسات إلى أنّ النساء، مقارنة بالرجال، أكثر عرضة للإصابة بحالات صحية مزمنة مثل الصداع النصفي، ومتلازمة القولون العصبي، والتليف العضلي، والتهاب المفاصل العظمي. ومع ذلك، يواجه عدد منهن تجاهلاً طبياً أو تأخراً في التشخيص، ما يؤدي إلى تفاقم معاناتهن، وفقاً لما نقله موقع «ناشونال جيوغرافيك».
السبب لا يكمن فقط في الفروق البيولوجية فحسب، بل أيضاً في غياب التمثيل النسائي في الأبحاث الطبية لعقود طويلة. فحتى عام 1993، لم تكن «المعاهد الوطنية للصحة» في الولايات المتحدة تلزم الباحثين بإدراج النساء في التجارب السريرية، بسبب مخاوف تتعلق بتأثير الدورة الشهرية وإمكانية حدوث حمل. ونتيجة لذلك، كانت معظم العلاجات تُطوَّر بناءً على دراسات أُجريت على الرجال فقط، مع افتراض أنها ستعمل بالفعالية نفسها لدى النساء، وهو ما أثبت العلم لاحقاً عدم صحته.
-
الصداع النصفي
فعالية أقل لدى النساء؟
يرى الخبراء أن أحد الأسباب الرئيسية وراء استجابة النساء المختلفة لمسكنات الألم يكمن في تأثير الهرمونات الجنسية، خاصة هرمون الإستروجين. فبحسب مدير طب الألم في مستشفى «لينوكس هيل» النيويوركي، كيران باتيل، يؤثر الإستروجين على امتصاص الأدوية في الجسم، إذ يؤدي إلى إبطاء تفريغ المعدة، وزيادة نسبة الدهون، وتقليل كمية بعض البروتينات التي ترتبط بالأدوية في الدم.
علاوة على ذلك، تتمتع النساء بجهاز مناعي أكثر نشاطاً مقارنة بالرجال، ما يجعلهن أكثر عرضة للالتهابات، وهو ما قد يفسر حاجتهن إلى جرعات أكبر من المسكنات لفترات أطول. على سبيل المثال، أظهرت بعض الدراسات أن الرجال يستفيدون من أدوية مثل «الغلوكو كورتيكوستيرويدات» والعقاقير غير الستيرويدية المضادة للالتهاب (NSAIDs) بشكل أكثر فاعلية من النساء.
النساء والآثار الجانبية
بسبب التهميش الطويل للنساء في الأبحاث السريرية، ما يزال تأثير عدد من الأدوية عليهن غير مدروس بالكامل. دراسة حديثة نُشرت عام 2020 وجدت أن النساء يستقلِبن الأدوية بشكل أبطأ من الرجال، ما يؤدي إلى ارتفاع تركيز العقاقير في الدم وزيادة احتمالية التعرض لآثار جانبية مثل الغثيان، والصداع، والتشنجات، والهلوسة.
ومع ذلك، بدأ المجتمع الطبي في إدراك الحاجة إلى نهج علاجي أكثر تخصيصاً. تقول عالمة الأعصاب في جامعة ولاية بنسلفانيا، إليزابيث لوسين، إنّ «الخلاصة هي أننا لا نعرف بما يكفي عن بيولوجيا المرأة وعلاقتها بالألم كما ينبغي لنا».
مع تنامي الأبحاث حول الفروق البيولوجية بين الجنسين، بدأت بعض المؤسسات الطبية في إدراج النساء بشكل أوسع في التجارب السريرية، وإعادة تقييم الجرعات الدوائية بناءً على استجاباتهن المختلفة. ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن هذه الجهود تعد خطوة مهمة نحو طب أكثر دقة وعدالة، يراعي احتياجات النساء بشكل أفضل، ويضع حداً لمعاناتهن غير المبررة مع الألم.

