اكتشاف آلية عمل الدماغ في تجاوز الخوف!
حدد علماء في بريطانيا الآلية التي يستخدمها الدماغ لتجاوز الخوف الغريزي، في دراسة من شأنها أن تفتح آفاقاً جديدة في أبحاث اضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق، والرهاب.


في دراسة نُشرت في مجلة Science أخيراً، أعلن باحثون في بريطانيا أنهم نجحوا في تحديد كيفية تجاوز الدماغ لـ«الخوف الغريزي»، وهو الأمر الذي من الممكن أن يوفر أدلة مفيدة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات متعلقة بالخوف، مثل القلق، والرهاب، واضطراب ما بعد الصدمة.
وقالت عالمة الأعصاب في مركز Sainsbury Wellcome التابع لـ «جامعة لندن كوليدج»، والتي قادت الدراسة، سارة ماديروس، في مقابلة هاتفية مع صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية: «كشفنا عن الآلية التي تمكّن الدماغ، من خلال التجربة، من فهم أن بعض الأخطار الغريزية المحتملة ليست خطيرة في الواقع».
في إطار التجربة، عرض الباحثون على نحو مئة فأر تهديداً بصرياً متكرراً غير ضار، يُحاكي هجوم طائر مفترس، أي ظلّاً يتوسع فوق رؤوسهم. في البداية، استجابت الفئران برد فعل غريزي وفرّت إلى المأوى، لكن بعد ما بين 30 و50 تجربة، بدأت الفئران تدرك أن الظل لا يُشكّل تهديدًا حقيقيًا وتعلّمت كبح خوفها الغريزي، فاستمرت في البحث والاستكشاف رغم وجود الظل.
وباستخدام مجسّات سيليكون دقيقة مزروعة في أدمغة الفئران، تتبّع العلماء النشاط العصبي الذي رافق عملية التعلّم، ليكتشفوا منطقة جديدة مسؤولة عن تخزين ذاكرة تجاوز الخوف، تُعرف باسم «النواة الركبية الوحشية البطنية» (ventrolateral geniculate nucleus أو vLGN)، وهي منطقة لم تُدرس بعمق من قبل.
وأضافت ماديروس: «كنا نعلم أن هذه المنطقة تشارك في عملية النسيان، لكننا لم نكن نعلم أنها موقع تخزين الذاكرة. الآن نعرف أن هناك قابلية للتعلم ومرونة عصبية في هذه المناطق التي تأتي بعد القشرة الدماغية».
تقع هذه المنطقة بين «القشرة الجديدة» المسؤولة عن كشف التهديد، و«جذع الدماغ» المسؤول عن تشغيل رد الفعل الغريزي للجسم. وحتى الآن، ركّز العلماء في دراسات التعلّم والذاكرة على مناطق أخرى مثل القشرة البصرية، لكن الدراسة الجديدة أظهرت أن «النواة الركبية الوحشية البطنية» هي المخزن الفعلي للذاكرة المتعلقة بكبح الخوف.
ما أهمية هذا الاكتشاف للبشر؟
بحسب ماديروس، فإن فهم البُنى الدماغية التي تنشط خلال عملية «نزع الخوف» يمكن أن يساعد مستقبلًا في تصميم تدخلات علاجية أكثر فعالية. وأوضحت أن «استهداف مناطق في الدماغ مثل النواة الركبية الوحشية البطنية يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة لعلاج هذه الاضطرابات».
ولفتت إلى أن العلاج قد يشمل استخدام الأدوية، أو التحفيز العميق للدماغ، أو الموجات فوق الصوتية الوظيفية. كما أشارت الدراسة إلى دور جزيئات معينة تُنقل عبر النواقل العصبية، تساعد الدماغ على نسيان الخوف.
وقالت: «يمكن أن تمثّل الأدوية التي تُوجَّه بشكل خاص إلى النواة الركبية الوحشية البطنية مقاربة دوائية لعلاج اضطرابات مثل القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة».
