جنيف: اتفاق تاريخي في مواجهة الجوائح!
اتفاق تاريخي في جنيف لتعزيز الاستعداد للجوائح، بمشاركة دولية واسعة وتوافق على نقل التكنولوجيا بشكل عادل وتضامني.


بعد أكثر من ثلاث سنوات من المفاوضات المعقّدة، نجحت الدول الأعضاء في منظمة الصحّة العالمية فجر اليوم الأربعاء في التوصل إلى «اتفاق تاريخي يهدف إلى تحسين الاستعداد العالمي لمواجهة الجوائح المستقبلية والتصدّي لها».
جاء الإعلان عن الاتفاق في مقرّ المنظمة في جنيف، بعد جلسة تفاوض إضافية ونقاشات استمرّت حتى ساعات الفجر، إذ أكّد أحد أعضاء الوفود المشاركة لوكالة «فرانس برس» أنّ «تم التوصل إلى الاتفاق في تمام الساعة 1:58 من فجر الأربعاء».
وفي خطاب ألقاه أمام المندوبين عقب التوصل إلى الاتفاق، وصف المدير العام لمنظمة الصحّة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، الاتفاق بأنه «محطة مهمّة في رحلتنا المشتركة نحو عالم أكثر أماناً»، مضيفاً: «دول العالم صنعت التاريخ اليوم في جنيف».
وأوضح تيدروس أنّ هذا الإنجاز لا يقتصر على كونه اتفاقية متعددة الأجيال لتعزيز الأمن الصحي، بل يعكس أنّ التعدّدية لا تزال حيّة، وأنّ الدول قادرة على إيجاد أرضية مشتركة للعمل المشترك، حتى في عالم منقسم.
نحو عالم أكثر أماناً
وأكدت منظمة الصحّة العالمية في بيان رسمي أنّ الدول الأعضاء «اتخذت خطوة كبيرة إلى الأمام» عبر التوافق على مسوّدة الاتفاقية التي ستُعرض على «جمعية الصحة العالمية» المقبلة في أيار (مايو). وتُعدّ هذه الخطوة بمثابة تمهيد لمواجهة أزمات صحية مستقبلية على غرار جائحة كوفيد-19، التي أودت بحياة الملايين وتسبّبت في دمار اقتصادي واسع حول العالم.
ورغم أن العالم اليوم يبدو في وضع أفضل من حيث الجهوزية الصحية، إلا أنّ المنظمة وخبراء الصحّة يحذّرون من أنّ «الاستعداد العالمي ما يزال بعيداً من الكمال»، ما يُبرز أهمية هذا الاتفاق في سدّ الثغرات الحالية في نظام التأهّب الصحي.
تجاوز الخلافات… وإنشاء «بابز»
واجهت المفاوضات تعثّرات متكرّرة، لا سيما حول المادة 11 من نص الاتفاق المؤلّف من 30 صفحة، والتي تتعلّق بنقل التكنولوجيا لإنتاج المنتجات الصحية المرتبطة بالأوبئة، خصوصاً لمصلحة الدول النامية. فقد أعربت هذه الدول مراراً عن استيائها خلال جائحة كوفيد-19 من احتكار الدول الغنية للقاحات والاختبارات، ما شكّل مصدر توتّر كبير خلال التفاوض.
ورفضت الدول التي تمتلك صناعات دوائية قوية أن يكون نقل التكنولوجيا إلزامياً، ما دفع بالمفاوضين إلى التوصل إلى صيغة توافقية تنصّ على أن يتمّ ذلك «بالاتفاق المشترك».
ومن أبرز ما جاء في النص أيضاً، إنشاء «نظام إتاحة المُمْرضات وتقاسم المنافع» (بابز)، والذي يهدف إلى توسيع إمكان الوصول إلى المنتجات الصحية مثل اللقاحات والاختبارات، عبر إنشاء «شبكة عالمية لسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية».
واعتبرت الرئيسة المشاركة لهيئة التفاوض وسفيرة فرنسا للصحة العالمية، آن كلير أمبرو، أنّ هذا الاتفاق يمثّل «اتفاقاً تاريخياً للأمن الصحي والمساواة والتضامن الدولي».
وفي تعليقه على أهمية الاتفاق، قال تيدروس إنّ النص النهائي متوازن ويضفي مزيداً من المساواة، مشيراً إلى أنّ «كلفة عدم التحرّك باهظة أكثر بكثير لأنّ الفيروس أسوأ عدو، وقد يكون أسوأ من الحرب».
-
الطاقم الطبي في «مركز بوسطن الطبي» خلال جائحة كورونا عام 2020
غياب أميركي لافت
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه النظام الصحي العالمي «أزمة في التعدّدية»، تفاقمت بفعل الاقتطاعات الكبيرة التي أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المساعدات الدولية، إذ كانت الولايات المتحدة أكبر المانحين العالميين في المجال الإغاثي.
وقد غاب ممثلو واشنطن عن المفاوضات الجارية بعد انسحاب الإدارة الأميركية السابقة من منظمة الصحّة العالمية، ما شكّل فراغاً ملحوظاً في جهود التفاوض.
بهذا الاتفاق، تُمهّد الدول الأعضاء في منظمة الصحّة العالمية الطريق نحو نظام صحي عالمي أكثر عدلاً واستعداداً لمواجهة التهديدات الوبائية المستقبلية. وبينما لا يزال الطريق طويلاً نحو تطبيق بنود الاتفاقية على أرض الواقع، فإنّ التوافق الذي تحقق في جنيف يُعدّ خطوة حاسمة في سبيل تعزيز التعاون الدولي وتجاوز الانقسامات في زمن الأزمات الصحية.

