استكشاف موقع الوعي في الدماغ
تفتح الدراسة آفاقاً جديدة في فهم طبيعة الوعي من منظور علمي عصبي، وتؤسس لبحوث مستقبلية قد تقرّبنا من حل أحد أكبر أسرار الدماغ البشري.


يبقى الوعي أحد أكثر الألغاز تعقيداً في العلوم العصبية، إذ يمثل جوهر التجربة البشرية: من الإحساس بالألم والمتعة إلى القدرة على الحلم والتخيّل واتخاذ القرار. لكن أين يقع هذا الوعي تحديداً في الدماغ؟ دراسة علمية جديدة نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر» تقدم إجابة أكثر وضوحاً، وتطرح فرضيات قد تغيّر مفاهيمنا حول طبيعة الإدراك البشري.
أُجريت الدراسة بمشاركة 256 شخصاً في 12 مختبراً بحثياً موزعة بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين، وتركّزت على قياس النشاط الكهربائي والمغناطيسي وتدفق الدم في أدمغة المشاركين أثناء عرض صور وجوه وأشياء مختلفة عليهم. وهدفت هذه القياسات إلى تتبّع نشاط الدماغ وتحديد المناطق المسؤولة عن بروز الشعور الواعي.
نتائج مفاجئة: الخلف لا الأمام
بعكس ما كانت تفترضه بعض النظريات السائدة، كشفت الدراسة أن الوعي لا يبدو أنه ينبع من الفصوص الجبهية الأمامية، وهي المناطق التي يرتبط بها التفكير المنطقي والتخطيط واتخاذ القرار، بل يُرجّح أن ينشأ من المناطق الحسية الخلفية التي تعالج السمع والبصر.
وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، وعالم الأعصاب كريستوف كوك، أن «المعلومات المرتبطة بالوعي لم يُعثر عليها في مقدمة الدماغ، أو كانت أضعف بكثير من تلك الموجودة في الخلف»، مضيفاً أن هذا يدعم الفرضية القائلة إن القشرة الخلفية للدماغ تلعب دوراً مركزياً في التجربة الواعية، بخلاف القشرة الأمامية المرتبطة بالوظائف المعرفية العليا.
-
الوعي لا ينبع من الفصوص الجبهية الأمامية
نظريتان تحت المجهر
اختبر الباحثون نظريتين علميتين حول مصدر الوعي:
- نظرية مساحة العمل العصبية الشاملة، التي تفترض أن الوعي ينبع من القشرة الجبهية وينتشر عبر الدماغ.
- نظرية المعلومات المتكاملة، التي ترى أن الوعي ينشأ من تفاعل وترابط أجزاء متعددة من الدماغ لدمج المعلومات في حالة واحدة.
لكن النتائج لم تتفق بشكل حاسم مع أي من النظريتين، ما يعكس تعقيد الظاهرة، ويدعو إلى إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها هذه الفرضيات.
تطبيقات طبية حاسمة
للدراسة أبعاد تطبيقية عميقة، خصوصاً في التعامل مع الحالات الطبية المعقدة مثل الغيبوبة أو متلازمة اليقظة من دون استجابة، حيث يكون المرضى في حالة من الاستيقاظ الجسدي دون ظهور علامات الوعي.
وأشار كوك إلى أن ما بين 70 و90% من هؤلاء المرضى يتوفون بعد اتخاذ قرار بوقف العلاج الداعم للحياة، رغم أن نحو ربعهم قد يكونون في حالة من «الوعي الخفي»، كما أظهرت أبحاث سابقة. وشدّد على أهمية القدرة على «رصد آثار الوعي» في الدماغ لتحسين التشخيص واتخاذ قرارات أكثر دقة وإنسانية في مثل هذه الحالات الحرجة.
