مؤتمر نيس: وعود لإنقاذ المحيطات... بلا ضمانات
وسط أزمة بيئية متصاعدة، مؤتمر نيس يسعى إلى إنقاذ المحيطات من التلوث والتعدين والصيد الجائر... فهل يكون نقطة تحوّل أم فرصة ضائعة؟


تستضيف مدينة نيس الفرنسية، الواقعة على سواحل المتوسط الذي يُعد أحد أكثر بحار العالم تلوثاً، مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للمحيطات في الفترة الممتدة من 9 إلى 13 حزيران (يونيو)، وسط انقسام دولي حاد بشأن قضايا حوكمة المحيطات، وعلى رأسها التعدين في أعماق البحار، والتنظيم العالمي للصيد، والتلوث البلاستيكي.
ومن المنتظر أن يشارك في المؤتمر نحو 70 من قادة الدول، إلى جانب آلاف المندوبين والخبراء وممثلي المنظمات غير الحكومية، في محاولة لرسم «خطة إنقاذ» لما وصفته الأمم المتحدة بـ«محيطات في حالة طوارئ»، نتيجة الاحترار المتسارع، والتلوث، والصيد الجائر.
حرارة قياسية تهدد الحياة البحرية
تلعب المحيطات دوراً محورياً في استقرار المناخ العالمي، إذ تمتص 90% من فائض الحرارة الناجمة عن انبعاثات الغازات الدفيئة. لكن هذا الدور الوقائي يترك أثماناً فادحة على النظم البيئية البحرية.
في عام 2024، سجّلت المحيطات أعلى متوسط حرارة سطحية على الإطلاق، متجاوزةً الرقم القياسي السابق لعام 2023، بحسب بيانات مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي. وبحسب الباحث في مركز الأرصاد عبر الأقمار الاصطناعية، تيبو غينالدو، فإنّ 80% من مساحة المحيطات شهدت موجات حر بحري خلال العام، مقارنة بـ50% فقط في عام 1982.
في هذا السياق، يُعد البحر الأبيض المتوسط من أكثر الأحواض البحرية تضرراً، إذ وصلت حرارته الصيف الماضي إلى مستوى قياسي بلغ 28.9 درجة مئوية، ما يُنذر بعواقب كارثية مثل تفشي العواصف القوية، ونفوق الشعاب المرجانية، وتفاقم ظاهرة «موجات القيظ البحري» التي تفتك بالأنواع البحرية غير القادرة على الهجرة أو التأقلم.
-
يٌعدّ التعدين في قاع البحار من أبرز النقاط الخلافية.
محيطات أكثر حموضة وأقل أكسجيناً
تُظهر البيانات العلمية أنّ المحيطات امتصّت نحو ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن النشاط البشري، ما تسبب في ارتفاع نسبة الحموضة بمقدار 30% خلال الأربعين عاماً الماضية. لكنّ هذه العملية أدّت إلى آثار سلبية على الشعاب المرجانية وتكلّس قواقع الكائنات البحرية، كما تسبّب في انخفاض تركيز الأكسجين بنسبة تُراوح بين 0.8% و2.4% في أعالي البحار في العقود الماضية، ما يهدد بقاء عدد من الأنواع البحرية.
تهديد متزايد من التعدين
تُعد قضية التعدين في قاع البحار من أبرز نقاط الخلاف في المؤتمر، وقد أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نيسان (أبريل) بالسماح بالتعدين في المياه الدولية في المحيط الهادئ من دون موافقة «السلطة الدولية لقاع البحار» موجة انتقادات دولية، خصوصاً أنّ الولايات المتحدة لم تصادق أصلاً على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
فرنسا، من جهتها، تأمل في توسيع تحالف الدول الرافضة للتعدين، والذي يضم حالياً 32 دولة، كما تسعى باريس إلى استخدام المؤتمر كمنصة لدفع نحو اتفاق دولي مشابه لـ«اتفاق باريس للمناخ»، لكنّ هذه المرة من أجل المحيطات.
تحديات التمويل والانقسام السياسي
تسعى الدول المنظمة، وفي مقدمتها كوستاريكا وفرنسا، إلى تأمين تمويل بقيمة 100 مليار دولار لمصلحة التنمية المستدامة للمحيطات، مع وعود بـ«نتائج قصوى وصفر بلاغة»، بحسب ما عبّرت عنه سفيرة كوستاريكا لدى الأمم المتحدة ماريتسا تشان.
لكن آمال التمويل والاتفاق السياسي تصطدم بتشكيك متزايد من قبل بعض الدول والمنظمات، في ظل انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى، وغياب واضح لبعض القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، عن التمثيل الفاعل في هذا المؤتمر.
لمعرفة المزيد عن البيئة، اقرأ أيضاً: عيد الملك الهولندي... «أقذر» أيّام أوروبا!
معاهدة أعالي البحار على المحك
من الملفات المفصلية في المؤتمر كذلك مستقبل معاهدة حماية أعالي البحار التي اعتمدت عام 2023، ووقعتها 115 دولة، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بعد لعدم بلوغ عدد المصادقات المطلوب (60 دولة)، علماً أنّ 28 دولة والاتحاد الأوروبي هم الأطراف التي صادقت عليها رسمياً فقط.
تجدر الإشارة إلى أنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يقع في سلّم أولويات أجندته تحقيق 60 مصادقة خلال المؤتمر في نيس. ومن دون ذلك، وصف السفير الفرنسي لشؤون المحيطات أوليفييه بوافر دارفور المؤتمر بأنه سيكون «فاشلاً».
نحو نقطة تحوّل؟
وسط تشكيك عام في فعالية المؤتمرات الدولية، عبّر بعض ممثلي المنظمات البيئية عن أملهم في أن يشكّل هذا المؤتمر نقطة تحوّل حقيقية في حماية المحيطات. وهو ما أكّد عليه العضو في «الصندوق العالمي للحياة البحرية»، بي بي كلارك، إن المؤتمر «فرصة لصياغة طموح جماعي جديد»، فيما شددت مفاوضة تحالف الدول الجزرية الصغيرة، أنجيليك بوبونو، على ضرورة زيادة التمويل والتزامات الدول، رغم اعترافها بأن «الإشارات إلى الآن غير مشجعة».
