«ذهان الذكاء الاصطناعي»: ظاهرة مقلقة تربك الأطباء
«ذهان الذكاء الاصطناعي» ظاهرة مقلقة تربط بين استخدام الشات بوتات وأعراض نفسية خطيرة. وولاية إلينوي الأميركية تتحرك وتمنع العلاج عبر الـ AI.


لم تعد روبوتات المحادثة المعززة بالذكاء الاصطناعي مجرّد أدوات للرد على الرسائل الإلكترونية أو إنجاز المهمات، بل بات كثير من المستخدمين يلجأون إليها للحصول على نصائح عاطفية، دعم نفسي، أو حتى ما يشبه الصداقة أو الحب. لكن بالنسبة إلى فئة صغيرة، يبدو أن هذه العلاقة تتسبب في أعراض ذهانية مقلقة، تراوح بين الهلاوس والانهيارات الشخصية، وصولاً إلى الاعتقال أو الحجز القسري في مؤسسات نفسية.
هذه الظاهرة، التي تُعرف أحياناً بـ «ذهان شات جي بي تي» أو «ذهان الذكاء الاصطناعي»، لا تزال غير مفهومة تماماً، ولا توجد لها تشخيصات رسمية أو بروتوكولات علاج معترف بها، ما يترك الأطباء في حالة من الحيرة وسط ازدياد الحالات المرتبطة بها.
ما الذي يحدث بالضبط؟
يشرح أستاذ دراسات الذهان في «كينغز كوليدج لندن»، جيمس ماكابي، لمجلة «تايم» أنّ المصطلح قد يكون مضللاً بعض الشيء، إذ لا نتحدث هنا عن الذهان الكامل كما في حالات الفصام أو الاضطراب الثنائي القطب، بل عن «أوهام محددة» تنشأ أو تتفاقم نتيجة المحادثات مع الشات بوتات.
وتكمن خطورة هذه الأنظمة في قدرتها على محاكاة لغة المستخدم وتأكيد افتراضاته، وهو ما يُعرف في هذا المجال باسم «التزلف الرقمي». هذه الميزة، التي قد تكون مزعجة للبعض، تتحوّل إلى خطر على ذوي الهشاشة النفسية أو القابلية للأوهام.
-
«التزلف الرقمي»: ميزة تتحوّل إلى خطر على ذوي الهشاشة النفسية أو القابلية للأوهام
من الأكثر عرضة للإصابة؟
رغم أن غالبية المستخدمين لا يعانون من مشكلات، إلا أن هناك فئة صغيرة تبدو أكثر عرضة. يشير الباحثون إلى أن الاستخدام بحد ذاته لا يسبّب الذهان، ولكن من لديهم عوامل خطر وراثية أو نفسية — حتى لو لم يكونوا على دراية بها — قد يتأثرون بسهولة.
وتشمل هذه الفئة من لديهم تاريخ عائلي مع الذهان، أو أمراض مثل الفصام أو الاضطراب الثنائي القطب. كذلك، يحذّر الأطباء من الأشخاص ذوي الخيال المفرط، أو من يميلون إلى العزلة الاجتماعية، أو من يتبنون معتقدات هامشية بسهولة.
وفي حديث لـ «تايم»، تشير نينا فاسان من جامعة ستانفورد إلى أنّ الوقت عامل حاسم: الاستخدام المطوّل لعدة ساعات يومياً هو القاسم المشترك بين معظم الحالات.
متى يكون التفاعل مع الشات بوتات خطراً؟
يحذّر الأطباء من الإفراط في الاعتماد العاطفي على هذه الأنظمة، وينصحون بعدم مشاركة تفاصيل شخصية أو البحث فيها عن دعم نفسي. ويوصي د. هاميلتون مورين من «كينغز كوليدج لندن» بالتذكير الدائم بأن الشات بوتات ليست أصدقاء، بل أدوات تقنية مهما بدت قريبة.
في لحظات الأزمات النفسية، ينصح الخبراء بإيقاف استخدام الشات بوت فوراً، رغم أن الانفصال عنها قد يشبه قطع علاقة شخصية أو حتى الحداد. إلا أن التوقف، والتوجّه نحو علاقات واقعية ودعم مهني، غالباً ما يؤدي إلى تحسّن ملحوظ.
لكن إدراك أن التدهور النفسي قد بدأ ليس دائماً سهلاً. فالأوهام تُقنع أصحابها بأنها الحقيقة. من هنا، يلعب الأصدقاء والعائلة دوراً محورياً، عبر مراقبة التغيرات في المزاج، النوم، والسلوك الاجتماعي، وصولاً إلى علامات مثل الهوس بأفكار غريبة أو تمضية وقت مفرط مع الشات بوت.
-
في لحظات الأزمات النفسية، ينصح الخبراء بإيقاف استخدام الشات بوت فوراً
مسؤولية على عاتق الشركات
حتى الآن، يقع عبء الحذر على عاتق المستخدمين، ولكن الخبراء يقولون إن هذا غير كافٍ. فغياب البيانات الرسمية حول «ذهان الذكاء الاصطناعي» يعرقل تطوير بروتوكولات وقائية فعالة. ومع ذلك، يدعو المتخصصون إلى اتخاذ إجراءات وقائية حتى قبل توافر الأدلة الكاملة.
تشريع أميركي يمنع العلاج النفسي عبر الذكاء الاصطناعي
في خطوة لافتة، أصبحت ولاية إلينوي أول ولاية أميركية تقرّ قانوناً يمنع استخدام الشات بوتات في العلاج النفسي. فقد صادق مجلس الولاية على قانون «العافية والإشراف على الموارد النفسية» (HB 1806)، الذي وقّعه الحاكم جي بي بريتزكر، وبدأ تنفيذه فوراً.
القانون يمنع على أدوات الذكاء الاصطناعي اتخاذ «قرارات علاجية» أو إجراء «تواصل علاجي»، ويقتصر دورها على مهمات إدارية فقط. وتُفرض غرامات تصل إلى 10,000 دولار لكل مخالفة.
ويهدف هذا التشريع إلى الحد من استخدام منتجات ذكاء اصطناعي غير منظّمة مع الفئات الحساسة، ولا سيما الشباب، وكذلك إلى حماية وظائف المختصين المؤهلين في هذا القطاع.
دروس من الماضي... وتنبيهات للمستقبل
ورغم أن روبوتات المحادثة تحمل وعوداً كبيرة في مجالات التعليم، الدعم النفسي، وتخفيف الوحدة، إلا أن تجاهل المخاطر النفسية المرتبطة بها قد يكرّر الأخطاء التي ارتُكبت مع شبكات التواصل الاجتماعي.
تقول فاسان: «لقد تعلمنا من تجربة السوشال ميديا أن تجاهل الأضرار النفسية يؤدي إلى كوارث صحية عامة. ولا يمكن أن نسمح بتكرار ذلك مع الذكاء الاصطناعي».
