ساعة بيولوجية... للرجال أيضاً!
دراسة جديدة تكشف أن «الساعة البيولوجية» لا تخص النساء فقط، إذ تتراجع جودة الحيوانات المنوية لدى الرجال مع التقدّم في العمر، ما يؤثر في الخصوبة وصحة الجنين.


دائماً ما ارتبط مفهوم «الساعة البيولوجية» بالنساء، انطلاقاً من فكرة أن جودة البويضات تتدهور سريعاً بعد منتصف الثلاثينات، ما يجعل الحمل أكثر صعوبة ويزيد من مخاطره. لكن الأبحاث الحديثة تقلب هذه الفكرة رأساً على عقب، إذ تشير إلى أن الرجال أيضاً يواجهون حدوداً زمنية بيولوجية لقدرتهم على الإنجاب، مع تراجع تدريجي في جودة الحيوانات المنوية مع التقدّم في العمر.
وفقاً لدراسة نُشرت عام 2025 في مجلة Science Advances ونقلها كلٌّ من Times of India وNew Scientist، فإن البويضات البشرية أكثر مقاومة للطفرات المرتبطة بالعمر مما كان يُعتقد سابقاً، بينما تظهر خلايا الحيوانات المنوية تراجعاً واضحاً في الجودة مع مرور الوقت.
بويضات النساء أكثر استقراراً مما كنا نظن
-
بويضات النساء أكثر استقراراً مما كنا نظن
كشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة بنسلفانيا (Penn State University) أن البويضات البشرية لا تراكم طفرات الحمض النووي الميتوكوندري مع التقدّم في العمر — وهو النوع من التلف الجيني الذي كان يُعتقد سابقاً أنه السبب الرئيسي لانخفاض الخصوبة لدى النساء.
وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، كاترينا ماكوفا: «عندما نفكر في الطفرات المرتبطة بالعمر، نميل إلى الاعتقاد بأن الأشخاص الأكبر سناً لديهم طفرات أكثر من الأصغر سناً... لكن التوقّع لا يعني بالضرورة الحقيقة».
وشملت الدراسة 80 بويضة من 22 امرأة تراوحت أعمارهن بين 20 و42 عاماً، ووجدت أن الطفرات الميتوكوندرية بقيت مستقرة في جميع الأعمار، بخلاف خلايا الدم أو اللعاب التي تراكمت فيها الطفرات بمعدلات أعلى بـ17 إلى 24 مرة.
وأضافت ماكوفا: «يبدو أننا تطوّرنا بطريقة تقلّل عبء الطفرات، لأننا قادرون على الإنجاب في مراحل متأخرة من العمر».
الميتوكوندريا — وهي مصانع الطاقة في الخلايا — تمتلك حمضها النووي الخاص وتنتقل وراثياً من الأم فقط. ورغم أن معظم طفراتها غير ضارة، فإن بعضها قد يؤدي إلى اضطرابات في الأعضاء العالية الطاقة مثل العضلات والجهاز العصبي.
وأوضحت عالمة الأحياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، روث ليهمان، التي لم تشارك في البحث: «البويضة توفّر هذا المخزون الحيوي من الميتوكوندريا».
هذه النتائج تقوّض الفرضية القديمة القائلة إن النساء الأكبر سناً ينقلن عدداً أكبر من الطفرات الميتوكوندرية إلى أطفالهن. كما دعمت دراسات سابقة على قرود المكاك هذه الفكرة، إذ لوحظ أن الطفرات في بويضاتها تزداد حتى سنّ الذروة الإنجابية (قرابة التاسعة)، ثم تستقر بعد ذلك.
وقالت باربرا آربيتوبر من جامعة يوهانس كيبلر في النمسا، وهي من أعضاء فريق البحث: «سيكون من المثير للاهتمام دراسة هذه الظاهرة لدى نساء أصغر سناً، فقد تنطبق النتائج على البشر أيضاً».
الرجال أيضاً لديهم «ساعة بيولوجية»
-
جودة الحيوانات المنوية لدى الرجال تتراجع تدريجياً مع العمر
في المقابل، تشير الأدلة إلى أن جودة الحيوانات المنوية لدى الرجال تتراجع تدريجياً مع العمر، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات العقم، والإجهاض، واضطرابات النمو العصبي مثل التوحّد لدى الأطفال.
ويعود السبب إلى عملية تجدد الحيوانات المنوية المستمرة، التي تسمح بتراكم الأخطاء الجينية مع مرور الوقت، فتحدث طفرات في الحمض النووي تؤثر سلباً في الخصوبة وصحة النسل.
ووجدت الدراسة الحديثة أن تقدّم عمر الأب يزيد من احتمالية حدوث مضاعفات أثناء الحمل واضطرابات نمائية لدى الجنين، ما يثبت أن الرجال أيضاً يواجهون حدوداً بيولوجية لقدرتهم الإنجابية.
نحو فهم أوسع للخصوبة البشرية
تسلّط هذه النتائج الضوء على تغيّر النظرة التقليدية للخصوبة. فبينما تحافظ بويضات النساء على استقرارها الميتوكوندري لعقود، فإن خصوبتهن قد تتراجع لأسباب أخرى تتعلق بطفرات الحمض النووي. أما لدى الرجال، فالتراجع يحدث تدريجياً في الجودة الجينية للحيوانات المنوية مع التقدّم في العمر.
ويعني ذلك أن الخصوبة ليست مسؤولية المرأة وحدها — بل إن كلا الشريكين يسهمان بيولوجياً في نجاح الحمل وصحة الجنين. الرجال الذين يؤخّرون الأبوة قد يواجهون مخاطر مشابهة لتلك التي تواجهها النساء عند تأخير الإنجاب.
باختصار، الساعة البيولوجية تدقّ لدى الجميع، ولكن بطريقة مختلفة.
