كيف نجعل العمل أكثر متعة؟

يدعو خبراء العمل إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالوظيفة، معتبرين أن المتعة في بيئة العمل ليست رفاهية، بل ضرورة تساعد على التوازن النفسي والإبداع وتقليل الإرهاق المهني.

الأخبار
السبت 18 تشرين اول 2025
كيف نجعل العمل أكثر متعة؟
كيف نجعل العمل أكثر متعة؟
الخط

هل سبق أن وصفت عملك بأنه «ممتع»؟ قد يكون عملك مُجزياً أحياناً، وقد تنسجم مع بعض الزملاء، لكن فكرة أن يكون العمل نفسه مصدراً للمتعة تبدو للكثيرين بعيدة المنال.

بعد عقدٍ من «ثقافة السعي المحموم» التي روّجت لفكرة أن العمل يجب أن يكون محور الحياة، جاءت جائحة كورونا لتقلب المفاهيم رأساً على عقب. فبينما خيّم الإرهاق وارتفعت معدلات الاحتراق الوظيفي، أصبح المزاج العام تجاه العمل متوتراً ومزدوجاً — بين رغبة المديرين في إعادة الموظفين إلى المكاتب، وإصرار العاملين على الحفاظ على المرونة التي منحها العمل من بُعد.

وسط هذا الجدل، تطرح الكاتبة والمستشارة الأميركية بري غروف فكرة مختلفة تماماً: «ماذا لو جعلنا العمل ممتعاً فعلاً؟».

في مقابلة مع صحيفة «ذا غارديان» البريطانية، تتحدث غروف — وهي خبيرة تنظيمية في شركة SYPartners في نيويورك، عملت مع مؤسسات كبرى مثل Google وMicrosoft وHilton وCalvin Klein وPfizer، عن تجربتها في تطوير ثقافات عمل صحية، وتعرض رؤيتها في كتابها الجديد *«اليوم كان ممتعاً» (Today Was Fun).

«العمل يجب أن يكون أحد مصادر الفرح… لا مصدر التعب»

تقول غروف في حديثها لـ «ذا غارديان»: «العمل ينبغي ألا يكون غايتنا الوحيدة في الحياة، ولا عبئاً لا مفرّ منه. بل طريقة لطيفة نقضي بها أيامنا».

وتشير إلى أنّ مشكلتنا ليست في العمل ذاته، بل في التقاليد المرهقة التي ترافقه — الاجتماعات الطويلة، الرسائل في منتصف الليل، وتوقّع التضحية بالنوم أو بالعلاقات من أجل الأداء.

«ندفع أجراً لنُنتج قيمة، لا لنعاني. العمل بطبيعته تعاون، إبداع، وتحدٍ — وهذه كلها أشياء ممتعة في الأصل».

غروف تؤمن أن الوقت حان للتخلّي عن الصورة الجامدة لما يُسمّى «الاحترافية» التي تجعل الموظفين يتصرّفون كأنهم في مسرحية. وتروي أن ظهورها في اجتماعات «زوم» بشعر مبلل بعد الاستحمام أصبح نوعاً من المقاومة اليومية لقواعد اللباس الصارمة التي تصفها بأنها «كئيبة ومقيدة وحتى طفولية».

من ثقافة «الجهد المفرط» إلى توازن صحي

تنتقد غروف الثقافة التي روّجت لها شركات وادي السيليكون، حيث صُوّر العمل المرهق كرمز للنجاح، والامتيازات مثل الوجبات المجانية والنشاطات الترفيهية كوسيلة لتبرير الإفراط في العمل.

«بدأتُ أتساءل: هل كان الغداء المجاني مجرد طريقة ليبقيني في المكتب؟»

وتحذر من أن بعض المزايا التي تبدو إيجابية — كبرامج تطوير الموظفين أو حتى تجميد البويضات — قد تزيد تبعية العامل للشركة وتقلل شعوره بالاستقلالية.

تقول غروف إن الإفراط في ربط الهوية الشخصية بالوظيفة يجعل الناس أكثر عرضة للاحتراق النفسي، وتذكّر بأن التنفيذيين الكبار يملكون حوافز مالية مختلفة عن الموظفين العاديين، ولا يمكنهم توقّع الحماسة نفسها من الجميع.

«من الطبيعي أن يقول القادة إنهم يغيّرون العالم، لكن الموظف العادي قد يسأل نفسه: هل أريد فعلاً أن أغيّر العالم… أم أريد فقط أن أعود للمنزل وأطهو العشاء؟»

المتعة ليست رفاهية… بل ضرورة

  • تشير استطلاعات Gallup العالمية إلى أن المتعة في العمل ليست ترفاً، بل عامل أساسي في الأداء
    تشير استطلاعات Gallup العالمية إلى أن المتعة في العمل ليست ترفاً، بل عامل أساسي في الأداء

تشير استطلاعات Gallup العالمية إلى أن المتعة في العمل ليست ترفاً، بل عامل أساسي في الأداء. 81% من الموظفين المنخرطين في عملهم قالوا إنهم شعروا بالمرح خلال الأسبوع الماضي، مقارنة بـ10% فقط من غير المنخرطين. وتخلص النتائج إلى أن «التعاسة في العمل قد تجعل الحياة أسوأ من البطالة».

غروف تعلق: «المتعة لا يمكن تزييفها أو فرضها. القادة الحقيقيون يجب أن يتساءلوا: هل المكتب مكان مريح ومرح؟ هل الناس يضحكون؟ أم يقضون يومهم في اجتماعات طويلة وملابس رسمية؟»

وتشير إلى أن المتعة ليست مقتصرة على المكاتب: حتى في المهن الصارمة، يمكن خلق لحظات من الفرح. وتذكر مثال الجراح بيتر أتيّا من جامعة ستانفورد، الذي اعتاد تشغيل مقاطع من الفيلم الكوميدي Napoleon Dynamite أثناء العمليات، ولاحظ أن ذلك رفع المعنويات وحتى نتائج المرضى.

خمس طرق لجعل العمل أكثر متعة

1️⃣ أضف لمستك الشخصية: زيّن مكتبك بما يعكس شخصيتك، سواء بصور أو أدوات بسيطة أو ملابس مريحة تمنحك الثقة.
2️⃣ تواصل مع زملائك: تنظيم لقاء يومي قصير لمشاركة المزاج العام يعزز روح الفريق.
3️⃣ افهم أسلوب الآخرين: تحدث مع زملائك عن طريقة عملهم واستجابتهم للضغط لتخفيف التوتر.
4️⃣ ابحث عن لحظات صغيرة للفرح: فنجان قهوة، نزهة قصيرة، أو نكتة في منتصف اليوم كفيلة بتحسين المزاج.
5️⃣ غادر حين تنعدم المتعة: تقول غروف، «كل يوم تمضيه في عمل لا يناسبك هو يوم ضائع من عمرك».

تختم غروف حديثها بعبارة تلخّص فلسفتها: «لا أحتاج أن أشعر بأنني أغيّر العالم، ولا أريد أن أكره عملي. يكفيني أن أحظى بيوم طيب، أُحسّن حياة شخص آخر، وربما أكسب صديقاً. هذا بحد ذاته كافٍ».